08 أيار/مايو 2009

المحكمة العليا تقرر أن مبدأ "منفصل لكن متساوٍ" غير دستوري.
بدأت قضية براون تتخذ شكلها بعد أن وجد ثيرغود مارشال المدّعي المناسب في شخص الكاهن أوليفر براون، والد ليندا براون، الطالبة في المدرسة الابتدائية في توبيكا، بولاية كانزاس. أُجبرت ليندا على الالتحاق بمدرسة سوداء تبعد مسافة 21 شارعاً عن منزلها رغم وجود مدرسة ابتدائية بيضاء تبعد فقط مسافة سبعة شوارع عن منزلها. رفضت محاكم ولاية كانزاس ادعاء براون لأنها اعتبرت أن المدارس السوداء والبيضاء المنفصلة عنصرياً كانت من نوعية مماثلة. أعطى هذا القرار لمارشال فرصة للإلحاح بأن على المحكمة العليا في نهاية المطاف أن تصدر حكماً ينص على أن المرافق المنفصلة عنصرياً، من حيث تعريفها وبواقع القانون، هي غير متساوية وبالتالي غير دستورية.
اعتمدت الاستراتيجية القانونية التي اتبعها مارشال على الإثبات العلمي الاجتماعي. فقد جمع صندوق الدفاع القانوني لدى الجمعية الوطنية لتقدّم الملونين (NAACP) فريقاً من الخبراء المختصين بمواضيع التاريخ، والاقتصاد، والعلوم السياسية، وعلم النفس. وبصورة ذات شأن بشكل خاص كانت الدراسة التي سعى بموجبها عالما النفس، كينيث ومامي كلارك، تهدف إلى تحديد مدى تأثير الفصل العنصري على احترام الذات وعلى الصحة العقلية للأفريقيين الأميركيين. كان من بين استنتاجاتها المؤثرة: أن الأطفال السود ما بين الثالثة والسابعة من عمرهم يفضلون الدمى البيضاء وليس الدمى السوداء المماثلة لها في كل ناحية أخرى.
استراتيجية مارشال.
مشيرة إلى دراسة كلارك والدراسات الأخرى التي حددها المدعون، أصدرت المحكمة العليا قراراً قاطعاً ينص على ما يلي:
"… في حقل التعليم العام ليس هناك مكان لمبدأ "منفصل لكن متساو." المرافق التعليمية المنفصلة غير متساوية بصفة ملازمة، لذلك نقرر أن المدّعين وغيرهم من الموجودين في أوضاع مماثلة... بسبب الفصل العنصري موضوع الشكوى، محرومون من الحماية المتساوية المنصوص عنها في القوانين التي يضمنها التعديل الرابع عشر للدستور. "
وقال محامي التعليم، ديريل دبليو واين، عضو "الطاولة المستديرة لسياسة التعليم في جامعة أوكسفورد" حول أهمية قضية براون:
"هنا كانت أعلى محكمة في البلاد تقول بصورة أساسية إن شيئاً ما كان خاطئاً بالنسبة لطريقة معاملة الأميركيين السود... أذكر أن والدي، الذي كان في عمر المراهقة في ذلك الوقت، قال ان القرار جعله يشعر بأنه إنسان ذو شأن... فعلى المستوى الشخصي، الإرث الحقيقي لقضية براون هو أنه يأتي كتذكير دائم بأن كل طفل، كل واحد منا، هو إنسان ذو شأن."
لم تحدد المحكمة إطاراً زمنياً لإنهاء التمييز العنصري في المدارس. لكن في السنة التالية، وفي مجموعة من القضايا عُرفت بصورة مجتمعة باسم قضايا "براون الثانية"، ضمن مارشال وزملاؤه صدور قرار من المحكمة العليا ينص على وجوب المباشرة بإلغاء التمييز العنصري "بأسرع وقت ممكن من التأنّي."
وحتى بعد ذلك القرار، استمرت مقاومة هذا القرار في أجزاء من الجنوب. ففي أيلول/سبتمبر 1957، عندما مُنع طلاب سود بالقوة من الدخول إلى المدرسة الثانوية المركزية في ليتل روك، بولاية آركنسو، انتقل مارشال بالطائرة إلى المدينة ورفع قضية في المحكمة الفدرالية ضد سلطات المدينة. وقد مهّد انتصاره في هذه القضية الطريق أمام صدور إعلان الرئيس دوايت أيزنهاور بتاريخ 24 أيلول/سبتمبر الذي يقول: "لقد أصدرت هذا اليوم أمراً تنفيذياً باستعمال الجيوش الخاضعة للسلطة الفدرالية بأن تُساعد في تطبيق القانون الفدرالي في ليتل روك، آركنسو. لا يُمكن السماح لحكم الرعاع بتجاوز قرارات محاكمنا."
انتصارات براون، وليتل روك، وفريق الجمعية الوطنية لتقدم الملونين، وغيرها من الانتصارات القانونية أظهرت جميعها قوة وحدود الحركة "القانونية" للحقوق المدنية. كان من غير الممكن تقريباً ان يتصور الأميركيون السود، الذين كانوا يحالون لعقود خلت إلى مدارس أقل أهمية ومنفصلة عنصرياً، أن يأتي يوم يشاهدون فيه قوات فدرالية ترافق طلاباً سود وهم يدخلون إلى صفوف دراسية كانت في السابق حكراً على الطلاب البيض، في ليتل روك، وثم في جامعة مسيسيبي عام 1962، وفي جامعة ألاباما عام 1963. لكن المقاضاة عملت ببطء فكانت تعالج قضية واحدة في كل مرة.
مع ذلك، استمر التمييز العنصري القانوني في العديد من مناطق الجنوب، وليس فقط في العديد من المدارس بل وأيضاً في كل صنف تقريباً من المرافق العامة بدءاً من برك السباحة إلى حافلات النقل العام، ومن دور السينما إلى المطاعم. نجح مناصرو التمييز العنصري في أحيان كثيرة جداً في حرمان الأفريقيين الأميركيين من أبسط حقوقهم الدستورية الأساسية. ومن خلال مجموعة من الأساليب التقنية غير المنصفة، والاحتيال والخداع الواضح، وفي نهاية الأمر عبر التهديد بالعنف، تمّ تقويض اللغة الواضحة للتعديل الخامس عشر ومُنع السود من التصويت في الجنوب كله.
وكان الواضح أنه أصبح من الضروري إصدار قوانين جديدة للحقوق المدنية. كان مثل هذا الإصدار يتطلب إجماعاً سياسياً قوياً بدرجة تكفي للتغلّب على المعارضة العنيدة لممثلي الولايات الجنوبية في الكونغرس. استمر الكفاح القانوني تحت قيادة ثيرغود مارشال من عام 1961 حتى العام 1965، عندما كان مارشال قاضياً في محكمة الاستئناف الأميركية (المحكمة الفدرالية الثانية من حيث الأهمية)، ومن ثم خلال ربع القرن من عام 1967 حتى العام 1991، عندما أصبح أول قاضٍ أفريقي أميركي في محكمة العدل العليا في البلاد.
في هذه الأثناء، كانت حركة جديدة للحقوق المدنية السياسية قد بدأت تتجمع. بدأ أفريقيون أميركيون شجعان، انضم إليهم حلفاء من كل عرق ودين، بثبات ولكن بطريقة سلمية بالتشديد على التطبيق الكامل للحقوق المدنية التي يستحقونها كأميركيين. ومع إجبارهم لمواطنيهم على المواجهة المباشرة لحقائق التمييز العنصري والاضطهاد العرقي، البعيدة عن الضمير، بدأ ميزان التعاطفات القومية، والقوى السياسية، يتحول. بدأ هذا التحول بكامله في مساء أحد أيام كانون الأول/ديسمبر 1955 في مونتغمري، بولاية ألاباما، عندما رفضت خيّاطة في سن الثانية والأربعين المنهكة بعد يوم طويل من العمل التخلي عن مقعدها في حافلة نقل منفصلة عنصرياً، كان يفرض فيها على السود الجلوس في المقاعد الخلفية فيها فقط.