التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

11 أيار/مايو 2009

قلم فريدريك دوغلاس

الرقيق الفار يبرز كصحافي قيادي ومناصر لإلغاء العبودية.

 
لقاء دعا اليه المنادون بإلغاء العبودية في بوسطن سنة 1835، وقد ضم حشداً من البيض والسود المحررين.
لقاء دعا اليه المنادون بإلغاء العبودية في بوسطن سنة 1835، وقد ضم حشداً من البيض والسود المحررين.

رغم أن النظام السياسي الأميركي أثبت عجزه عن إنهاء العبودية في الجنوب الأميركي، لم تتمكن هذه "المؤسسة الفريدة"، كما كان يسميها الجنوبيون في أحيان كثيرة، من الاستمرار دون أن تواجه التحديات. فقد كرّس رجال ونساء، من السود والبيض، حياتهم لقضية الحظر القانوني للعبودية. واستخدموا مجموعة من الطرق العنيفة وغير العنيفة في نفس الوقت. وكما حصل في عصر مارتن لوثر كنغ جونيور، سوف يَثبت أن القلم ومناشدة الضمير يشكلان سلاحاً قوياً. وفي الحين الذي لم تكن فيه الحرب الأهلية الأميركية معركة لتحرير الأرقاء بصورة حصرية، فقد أقنع مناصرو إلغاء العبودية العديد من المواطنين الشماليين بتأييد الموقف العاطفي الذي عبّر عنه في عام 1858 المرشح لمجلس الشيوخ، ابراهام لنكولن: "البيت المنقسم على نفسه لا يستطيع الصمود. أعتقد ان هذه الحكومة لا تستطيع أن تبقى، باستمرار نصفها مستعبد ونصفها حرّ."

أرغمت الكلمات الحماسية للمفكرين الأفريقيين الأميركيين والبيض أعداداً متزايدة من مواطنيهم على مواجهة التناقض القائم بين مثلهم العليا النبيلة وحياة العبودية المفروضة على الأميركيين السود في الجنوب. ولعل أقوى هذه الأقلام يعود إلى فريدريك دوغلاس، أحد الأرقاء الفارين، والصحافي، والناشر، والمناصر للحرية. ولد دوغلاس في العبودية إما في عام 1817 او عام 1818. تحدّت مالكته قانون ولاية ماريلاند بتعليم الولد القراءة والكتابة، وفي الثالثة عشرة من عمره اشترى دوغلاس أول كتاب له، وكان مجموعة من المقالات والقصائد والحوارات التي تمجد الحرية والتي كانت تستخدم بصورة واسعة في غرف التدريس الأميركية في أوائل القرن التاسع عشر. ابتدأ دوغلاس من خلال هذه الدراسات التي أجراها وهو فتى، بصقل المهارات التي كانت ستصنع منه واحدا من أقوى خطباء القرن وأكثرهم تأثيراً. في عام 1836، فرّ دوغلاس من مزرعة القطن التي كان يعمل فيها كعامل يدوي ووصل إلى نيو بدفورد، بولاية مساتشوستس حيث بدأ ممارسة مهنة حياتية كانت لافتة.

في عام 1841، رعى المناصر الأبيض الرئيسي لإلغاء العبودية، وليام لويد غريسون، مؤتمراً لمناهضة العبودية عقد في نانتكيت، بمساتشوستس. أحد الحاضرين المطلعين على خطابات دوغلاس في الكنائس السوداء المحلية، دعا دوغلاس لإلقاء خطاب أمام المجتمعين. كتب دوغلاس فيما بعد حول هذه الدعوة فقال: "تمكنت بصعوبة قصوى من أن أقف منتصباً أو أن أتمكن من السيطرة على نفسي ولفظ كلمتين دون تردد او تلعثم." لكن كلماته حركت مشاعر الجمهور: "تعاطف الحاضرون معي على الفور، وتحولوا من حالة الهدوء الملفت لكي يصبحوا أكثر انفعالاً." وافق منظمو المؤتمر على هذا القول. فقامت جمعية مناهضة العبودية في مساتشوستس بتعيين دوغلاس وكيلاً لها.

تكلم  دوغلاس عندما بدأ ممارسة مهنته الجديدة في اجتماعات عامة أقيمت عبر مختلف أنحاء الشمال. ندّد بالعبودية وأكّد أنه يحق للأفريقيين الأميركيين التمتع بالحقوق المدنية التي منحها الدستور الأميركي للآخرين. وفي بعض الأحيان، هاجمت مجموعات من الرعاع المؤيدين للتمييز العنصري هذه الاجتماعات الداعية إلى إلغاء العبودية، ولكن بعض البيض الآخرين صادقوا دوغلاس وناصروا قضيته. بعد أن حطم أحد الرعاع أسنان زميل له أبيض عندما كان يحاول إنقاذ دوغلاس من هجوم عنيف، كتب دوغلاس لصديقه يقول: "لن أنسى أبداً كيف تصرفنا كأخوين حقيقيين مستعدين للتحدي، للعمل، وحتى للموت دفاعاً عن بعضنا البعض." أثنى دوغلاس على استعداد زميله للتخلي عن "حياة الراحة وحتى الرفاهية ... ضد رغبات والدك والعديد من أصدقائك"، للقيام بدلاً عن ذلك، "بشيء لكسر أصفاد الرق ورفع منزلة الرجل الأسود المحتقر."

في عام 1845، نشر دوغلاس أول كتاب من عدة سير لحياته الحائزة على الكثير من التقدير. علّمت كتاباته الاميركيين البيض عن الحياة في مزارع القطن وجعلتهم يتخلون عن المفهوم القائل بأن العبودية شيء "جيد" للسود، وأقنعت العديدين أن المجتمع العادل لا يمكنه السماح بهذه الممارسة. ولكن، مع الشهرة المفاجئة لدوغلاس، برز خطر حقيقي: احتمال عثور مالكه عليه وإعادته إلى الأسر. تصرف دوغلاس بحكمة وغادر البلاد للقيام بجولة لإلقاء المحاضرات لسنتين في إنجلترا واسكتلندا وأيرلندا. وعندما كان دوغلاس خارج الوطن، اشترى أصدقاؤه حريته. فلم يتجاوز ثمن أحد أعظم رجال البلاد 700 دولار.

في بريطانيا العظمى، تعرّف دوغلاس على نوع من حركات المطالبة بإلغاء العبودية التي كانت تتميز بجرأة سياسية أكبر. وعندما عاد إلى الولايات المتحدة عام 1847، اختلف دوغلاس مع وليام لويد غاريسون. فقد كان غاريسون يؤيد العمل الأخلاقي واللاعنفي الصرف لمناهضة العبودية ويرغب في رؤية الشمال ينفصل عن الاتحاد للتخلص من "اللطخة الأخلاقية" للعبودية. أوضح دوغلاس أن مثل هذا المسار قد لا يحقق الكثير للأرقاء السود في الجنوب، وقدم دعمه لتنفيذ مجموعة من النشاطات الأشد ضراوة. فدعم الأحزاب السياسية السائدة التي كانت تعد بمنع تمدد الرّق إلى المقاطعات الغربية، وإلى أحزاب أخرى كانت تطالب بإلغاء العبودية في كافة أنحاء البلاد. قدّم منزله ليكون محطة لسكة الحديد السرية (الاسم الذي أطلق على شبكة من الناس الذين ساعدوا الأرقاء الفارين على الهرب إلى الشمال)، وصادق المناضل المقاتل المطالب بإلغاء العبودية، جون براون الذي كان يهدف إلى إشعال فتيل التمرد العنيف على أيدي الأرقاء.

في عام 1847، افتتح دوغلاس صحيفة "نورث ستار"، أول صحيفة من عدة صحف أصدرها للترويج لقضايا حقوق المساواة للسود والنساء. كان شعاره "الحق لا جنس له- الحقيقة لا لون لها- الله هو أب لنا جميعاً، وجميعنا أخوة." كان دوغلاس من أوائل المناصرين المتحمسين للمساواة بين المرأة والرجل. في عام 1872، رشح نفسه لمنصب نائب الرئيس على لائحة حزب الحقوق المتساوية التي ترأستها فكتوريا كلافلين وودال، أول امرأة تترشح لرئاسة الولايات المتحدة.

شارك دوغلاس في حملة أبراهام لنكولن للانتخابات الرئاسية لعام 1860. وعندما اندلعت الحرب الأهلية الأميركية، بعد وقت قصير من تنصيب لنكولن رئيساً للولايات المتحدة، حيث واجهت الكونفدرالية الجنوبية المتمردة الاتحاد الشمالي، أكد دوغلاس أن الاتحاد يجب أن يوظف جنوداً من السود: "دعوا الرجل الأسود يضع على جسمه الأحرف النحاسية للولايات المتحدة US، دعوه يضع نسراً على زر سترته، وبندقية على كتفه، ورصاصات في جيبه، ولن توجد قوة على الأرض تستطيع الإنكار بأنه كسب حق المواطنة." لم يعد دوغلاس شاباً ليحارب بنفسه، ولذلك، جنّد أفراداً من السود في الكتيبتين 54 و55 لولاية مساتشوستس، وقد كانتا وحدتين جنودهما من السود وحاربتا ببسالة عظيمة.

خلال النزاع الكبير، كانت علاقات دوغلاس مع لنكولن متقلبة في بادئ الأمر عندما عمل الرئيس أولاً على استرضاء الولايات الحدودية التي كانت تحتفظ بالأرقاء بسبب دورها الحاسم في الجهد الحربي للاتحاد. ولكن، في 22 أيلول/سبتمبر 1862، أصدر لنكولن إعلان تحرير الأرقاء الذي نص على أنه ابتداءً من الأول من كانون الثاني/يناير 1863 يجب أن تمنح الحرية لجميع الأرقاء المحتجزين في المناطق التي لا زالت متمردة. في آذار/مارس 1863، أيّد لنكولن تجنيد أفراد سود في الجيش، وفي السنة التالية رفض بصراحة الاقتراحات بأن يدخل في مفاوضات سلام مع الجنوب قبل أن توافق الولايات الجنوبية على إلغاء الرق. دعا الرئيس لنكولن دوغلاس مرتين لمقابلته في البيت الأبيض. وكتب دوغلاس في وقت لاحق عن لنكولن يقول: "عندما كنت برفقته لم يدعني أبداً أتذكر أصلي المتواضع، أو لون بشرتي غير المرغوب به"، واستقبله الرئيس تماماً "كما لو كنتم تشاهدون سيداً نبيلاً يستقبل نبيلاً آخر."

استمر دوغلاس في ممارسة مهنة حياته المثيرة للاهتمام بعد انتهاء الحرب. ناضل لتأمين المصادقة على التعديل الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر للدستور الأميركي، وهي تعديلات طرحت بعد انتهاء الحرب الأهلية وأكدت على الحقوق التي تطبق على جميع الأفراد، وليس فقط على البيض، ومنعت الولايات من الانفراد بإنكار هذه الحقوق. وفي حين كان ضمان تطبيق هذه التعديلات سوف يتطلب جيلاً لاحقاً من المناصرين الشجعان للحقوق المدنية، فقد استند هؤلاء إلى الأسس الدستورية التي وضعها دوغلاس وآخرون. استمر دوغلاس في شغل عدد من المناصب المحلية في عاصمة البلاد واشنطن، كما في القيام بعمله لتأمين حق المرأة في الانتخاب والمساواة. في العام 1895 توفي دوغلاس، الذي يعتبر وفق أي تقدير عادل الشخصية الأميركية الرئيسية للقرن التاسع عشر.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي