06 أيار/مايو 2009

إذا كان يوما مدرسيا نموذجا في الولايات المتحدة، فإن ربع سكان الولايات المتحدة تقريبا، كما لاحظ الصحفي نيكولاس ليمان، بمن في ذلك الطلاب والأساتذة، والموظفون، يجلسون في مكان ما في مبنى مدرسة رسمية أو في غرفة الصف في كلية. وقد يكون الطلاب يواجهون ألغاز الجبر في مدرسة متوسطة أو طلاب إحدى الثانويات يكتبون مقالا باللغة الإسبانية، أو طلاب صف كيمياء حية يكتبون نتائج فحص في مختبر.
في القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة أول دولة تحدد التعليم العام المجاني على أنه هدف قومي. ويصح القول إن التعليم من جميع نواحيه بقي هما مركزيا للمجتمع الأميركي منذ ذلك الحين.
وقد حدثت أكبر حركة اجتماعية وديموغرافبة في تاريخ الولايات المتحدة في المدارس: التوسع غربا، الهجرة، العلاقات العرقية، النمو الصناعي، والدور المتطور للمرأة. وقد عرّفت الولايات المتحدة قيمها وغايتها على أنها دولة ديمقراطية حرة في المدارس.
وعلى الرغم من وجود تشابه واضح بين غرف الصف حول العالم، فإن النظام المدرسي في الولايات المتحدة قد تطور ببعض الطرق المميزة، بما فيها الحجم، التنوع، اللامركزية، والاختيار.
وتحتفظ الولايات المتحدة بالتزامها بالتعليم المجاني الشامل بواحد من أكبر المشاريع التعليمية في العالم. فوفقا لمكتب الإحصاء الأميركي، فإن حوالي 76 مليون طفل وراشد مسجلون في مدارس أميركية من مدرسة الروضة حتى الكلية – و 6.8 ملايين آخرين هم أساتذة.
واليوم هناك أكثر من 95,700 مدرسة ابتدائية وثانوية في الولايات المتحدة، زائد أكثر من 4,000 كلية وجامعة.
وعلى الرغم من أن أغلبية الأميركيين الساحقة يدرسون في مدارس رسمية، فإن أكثر من 11 بالمئة من ال 55 مليون طالب ابتدائي وثانوي مسجلون في مدارس خاصة. وأكثر من نصف ال 5 ملايين طالب الذين في مدارس خاصة، ينتسبون إلى مدارس كاثوليكية، وهي أقدم نظام من المدارس الخاصة في البلاد. وثمة مدارس خاصة أخرى هي نافذة على التنوع الديني لأميركا، إذ أنها تضم فعليا جميع الطوائف البروتستانتية الكبيرة، فضلا عن الكويكرز، والمسلمين، واليهود، والأرثوذكس.
ويظهر المزيج من المدارس الخاصة والعامة بصورة أبرز على مستوى الكلية حيث يستطيع الطلاب أن ينتسبوا إلى مؤسسات تعليمية لمدة سنتين، وتسمى في الغالب كليات أهلية؛ ويتنافسوا لدخول كليات أصغر للفنون الحرة؛ أو يقدموا طلبات للانتساب لكليات ولايات أكبر ذات فروع متعددة قد تضم من 30,000 إلى 50,000 طالب.
طلاب من أعراق متعددة في قاعة المحاضرات في كلية
تجتذب مؤسسات التعليم العالي طلابا من كامل الطيف الاجتماعي والاقتصادي وحول العالم. وقد عكست التغيرات العرقية، والعنصرية، والاجتماعية في مدارس الولايات المتحدة التغيرات الاجتماعية والسياسية في البلاد عموما. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تبنت هدف التعليم المجاني الشامل في البلاد عموما في وقت مبكر من تاريخها، إلا أن الرق والفصل العنصري استبعدا الأميركيين الأفارقة من التعليم المتساوي حتى منتصف القرن العشرين. وعانت أقليات أخرى، بما فيها الأميركيون من أصل لاتيني، وسكان البلاد الأصليون (الهنود الحمر سابقا)، من التمييز والإجحاف أثناء هذه الحقبة نفسها.
ولا تزال هناك قضايا متصلة بفرص التعليم، غير أن المدارس الأميركية هي أكثر تنوعا الآن من أي وقت مضى: 41 بالمئة من جميع طلاب المدارس العامة هم من مجموعات عرقية أقلية.
وعلى الرغم من أن الطلاب الذين يتكلمون اللغة الإسبانية يشكلون أكبر مجموعة تتكلم لغة أجنبية، فإن كثيرا من المدارس الرسمية في مناطق المدن هي بمثابة أمم متحدة من حيث التنوع. فاللغة الفيتنامية، والصينية، والهندوسية، والفارسية، والعربية، والروسية هي اللغات الأولى بالنسبة إلى كثير من الصغار في المدارس العامة الأميركية. وعليه فليس مدهشا ، أن اللغة الإنكليزية، بصفتها لغة ثانية أصبحت من أسرع اختصاصات التعليم نموا.
وعلى مستوى الكلية، التغير الأكثر دراماتيكيا في العقود الأخيرة يتصل بالجنس النوعي. فمن الـ18 مليون طالب مسجلين في مؤسسات التعليم العالي، وحوالي 56 بالمئة من طلاب صف ما قبل التخرج، و59 بالمئة من الخريجين هن من النساء.
يتميز التعليم في الولايات المتحدة بمستوى من المراقبة اللامركزية يكاد ألا يكون معروفا في أي مكان آخر. فالحكومة الفدرالية لا تشرف مباشرة على التعليم، بل الولايات تفعل ذلك. وقد تكون للولايات المتحدة معايير وطنية، ولكن ليس منهاج وطني. وقد نما النفوذ الفدرالي على مر السنين ولا ريب، غير أن التعليم الرسمي، من باصات المدرسة إلى كتب التعليم المدرسية، تبقى مسؤولية الولايات والمجتمعات المحلية.
وأحد عناصر المراقبة المحلية اليوم هو تشديد متزايد على الاختيار، ليس فقط بين مدارس رسمية ومدارس خاصة، بل خيارات بشأن نوع التعليم الذي يقدم فيهما. ومعظم العائلات ترسل أولادها إلى مدارس الجوار. ولكنها تستطيع في كثير من مجتمعات المدن أن تقدم طلبا للانتساب إلى مدارس تدرّس لغات أجنبية، مدارس تشدد على مهاج دراسي "يعود إلى الأساسيات" أو إلى ما يسمى مدرسة "ماغنيت" تقدم تعليما متقدما، في العلوم او الفنون مثلا.
وثمة بديل آخر هو مدارس ال تـشارتر: مدارس تعمل بصورة مستقلة عن نظام المدارس المحلية، وتعطي الطلاب مرونة أكثر في المقررات التعليمية وتوفر عنصرا من المنافسة للمدارس الرسمية العادية.
وعلى الرغم من التنوع واللامركزية، فإن المدارس الأميركية كانت ثابتة في تعليم معتقدات البلاد الأساسية بالديمقراطية، والحرية الفردية، والتسامح الديني. وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان الانتصار العظيم للتعليم العام قدرته على تعليم أعداد كبيرة جدا من المهاجرين من أوروبا. ولم يتعلم اطفال المدارس اللغة الإنكليزية والحساب فحسب، بل تعلموا أيضا أن يصبحوا أميركيين. وفي عقود لاحقة، كان على المدارس أن تلبي متطلبات الفرص المتساوية من قبل الأميركيين الأفارقة وغيرهم من الأقليات، وهي مهمة تستمر حتى اليوم.
وكما كتبت الأستاذة دايان رافتش تقول: "بالنسبة إلي الفكرة الأكثر راديكالية من جميع الأفكار هي أن كل شخص يمكنه أن يتعلم – ليس أن كل شخص يستطيع الذهاب إلى المدرسة، بل إن كل شخص يستطيع أن يتعلم."
إن كل تعليم ينقل قيما ومعتقدات. على أن الغاية من التعليم في ديمقراطية كالولايات المتحدة، ليس تلقين الطلاب مبادىء معينة بل تزويدهم بالمعرفة والقدرة على نشدان طريقهم في بيئة من الاستفسار العلني والاحترام للآخرين.
إن النقاش حول غاية ومحتوى التعليم في الولايات المتحدة هو أمر ضروري ومستمر. وكما كتب الأستاذ الجامعي ديفيد تياك يقول: "لست أرى طريقة لتحقيق مستقبل جيد لأطفالنا أكثر فعالية من المناقشة معا والعمل معا حول كيفية تعليم الجيل القادم. إن الأطفال قد يشكلون حوالي 20 بالمئة من السكان لكنهم يشكلون 100 بالمئة من المستقبل."