التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

01 أيار/مايو 2009

تعليم فن أن يكون المرء إنساناً:

ازدهار سرد قصص الشعوب الأصلية القديمة

 
دوفي توماسون راوية قصص عن عدة تقاليد أميركية هندية بجانب قبيلتي لاكوتا وكيوا أباشي اللتين تنتمي إليهما بالولادة.
دوفي توماسون راوية قصص عن عدة تقاليد أميركية هندية بجانب قبيلتي لاكوتا وكيوا أباشي اللتين تنتمي إليهما بالولادة.

بقلم ليا ترهون

احتفظت القبائل الأصلية التي سكنت الأميركتين أولاً بأدبها في ذاكرتها لنقله شفهياً، ولا زال أفراد القبائل المتبقية يفعلون ذلك.

ليا ترهيون هي مديرة تحرير هذه المجلة الإلكترونية إي جورنال يو إس آيه.

وُجدت الحكايات قبل وجود الكتابة. انتقلت القصص على مر آلاف السنين عبر أجيال من العائلات والمجتمعات الأهلية، قصص جمعت قيم وأساطير مختلف المجتمعات. وقد احتفظ رواة القصص الموهوبون بمئات القصص والقصائد في ذاكرتهم وكانوا يّكرّمون بدرجة عالية ويعتبرون كمرفّهين وكمعلّمين ألهموا وغرسوا القيم، وأرشدوا الناس في سلوكهم.

تمّ اختراع الكتابة وجرى تدوين العديد من القصص المنقولة شفهياً على الورق، لكن استمر رواة القصص يسحرون المجتمعات الأهلية التقليدية حول العالم. وحتى الثورة التكنولوجية في القرن العشرين التي أوجدت الراديو، والتلفزيون، والإنترنت، ووسائل الإعلام الرقمية لم تتمكن من إسكات رواة القصص.

يملك الأميركيون الأصليون تقليداً شفهياً غنياً بين قبائلهم، أو أممهم العديدة التي سكنت في شمال وجنوب أميركا قبل ان تطأها أقدام أول مستكشف أوروبي. وقد أصبحت هذه القصص اليوم، التي تحتُفظ بها ضمن مجتمعاتها الأهلية، تصل إلى جماهير أوسع من المستمعين بفضل رواة الحكايات مثل ساني دولي، ودوفي توماسون. تتحدر دولي، من قبيلة النافاهو، أو الدينيه، وتتحدر توماسون من فروع لاكوتا وكيوا التابعة لقبيلة الأباشي. وقد جلستا سوية لمناقشة فن سرد القصص في القرن الواحد والعشرين بعد تقديم عروضهما في المتحف القومي للأميركيين الهنود في واشنطن العاصمة.

دولي مفسرة صارمة لتقاليد قبيلة النافاهو، التي، حسب نصيحة جدها المنشد، لا تروي حكاياتها إلاّ عندما تدعى لذلك ولا تعلن عن خدماتها. تشربت الثقافة القبلية خلال ترعرعها في محمية قبيلة النافاهو في أريزونا، وكانت لغتها الأولى هي الدينيه. كانت قبيلة النافاهو من القبائل شبه البدوية وتعيش على تربية الماشية. أما توماسون فقد ولدت لعائلة تنتمي من جهة إلى قبيلة لاكوتا الهندية التي تسكن في منطقة السهول الكبرى، والتي كانت معيشتها تدور حول صيد الجاموس قبل ان تهلك قطعانها، ومن جهة إلى قبيلة كيوا اباشي التي كان أفرادها من المحاربين الأسطوريين الأشداء.

تختلف التقاليد الشفهية بين القبائل ولكن الأهداف تتشابه. تقول ساني دولي، "هناك المئات من القبائل أو الأمم الأصلية، وكل أمة لها غرض محدد لحكاياتها، أما بالنسبة لقبيلة النافاهو فإن "القصص تستخدم كجزء من إعلام، وتعليم المرء كيف يكون إنساناً." البعد الروحي للقصة يجعلها أساسية لكافة احتفالات قبيلة النافاهو حيث تستعمل، كما تقول دولي، "لتحقيق الشفاء، وتستعمل للتعليم، وتستعمل للترفيه، وتمنحك في الواقع نقطة أصل."

تمثل دوفي توماسون تقاليد عدة قبائل أصلية. فبالإضافة إلى تراث القبيلة التي ولدت فيها، تبنتها قبائل البويبلو "واستعارها أفراد قبيلة الايروكواز لأنهم كانوا بحاجة إلى رواة القصص". وتتفق دوفي مع دولي، وتضيف انه من بين تقاليدها "كل شيء تقريباً قالته ساني حول غرض ونقطة رواية الحكايات مشابه. نحتاج إلى تعليمنا وتذكيرنا كيف نكون بشرا. نحتاج إلى مخطط، نوع من الخريطة والتوجيهات لكيفية اتخاذ الخيارات والقرارات."

القصة بمثابة المعلم

تساعد القصص الأهل في تربية أولادهم وفي "المحافظة على أساليب معينة لبقاء الإنسان حياً ضمن المجتمع الأهلي". وفي وصفها لتقدير قبيلتي لاكوتا وكيوا أباشي للاستقلالية وللخصوصية الفردية، فإنها تتذكر جدتها التي علمتها العديد من القصص التي تحتفظ بها في ذاكرتها. "قالت إنها روت لي قصصاً كي أبقى حرة. واعتقد ان ذلك قد يعكس جزئياً صورة تجربتها في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، عندما كانت القصص طريقة لتعليم ضبط وتمالك النفس"، بدون محاولة فرض السلوك. وتضيف توماسون أن "فكرة وجوب السيطرة على سلوك فرد آخر ليست أمراً محرماَ ولكنها ببساطة غير مريحة، غير ملائمة."

ساني دولي تحمل تقليد رواية قصص قبيلة النافاهو.
ساني دولي تحمل تقليد رواية قصص قبيلة النافاهو.

تستخدم القصص لتعليم قيمة المسؤولية وضبط النفس. فشخصيات المهرج المقدسة، مثل الكويوتي أو الايكتومي أو الراكون، توفر قصصاً تحذيرية حول نتائج السلوك السيئ وفوائد عمل الشيء الصحيح. الكويوتي والايكتومي "يعلماننا بأن كونك تستطيع أن تعمل شيئاً لا يعني ان عليك ان تفعله". والقصص تجعل الفرد يفكر، "أستطيع ان افعل ذلك، ولكن هل يجب ان أفعله؟ حسناً، ربما لا." فهذه القصص "تدعو إلى الاحترام أكثر من المواجهة" أو السيطرة. تنير القصص العيوب وهي في نفس الوقت تسمح للمذنب باتخاذ الخيارات. تقول توماسون مفسرة، "يستطيع الفرد ان ينظر إلى القصة ويقول هل كنت انا الطير المقصود بها؟ فمن كنت أنا؟ ولماذا سردت هذه القصة لي؟"

تتذكر توماسون، كما دولي، بأنه كان عليهما الاستماع إلى القصص وأحياناً لساعات طويلة بعد ارتكاب ذنب وهم أطفال. تقول دولي ان رواية القصص تعلم الأشياء الصالحة للحياة. تخبرك أي حطب يمكنك جمعه لحرقه في منزلك للتدفئة. تخبرك ما هي الحيوانات الممكن تربيتها وما هي الممكن أكلها، وأعتقد كذلك أنها تجعلك واعياً جداً بضرورة الحفاظ على البيئة."

بدأت ساني دولي، ودوفي توماسون، رواية القصص ضمن المجتمعات الأهلية القبلية التي تنتميان إليها. وعندما وسّعتا نطاق جمهورهما، واجهتا مأزقاً في كيفية رواية القصص المقدسة بصورة احترافية. تقول دولي: "عليك تقريباً أن تفصل نفسك عن الرواية الثقافية، الاحتفالية للقصة ومن ثم الانتقال إلى الوجه الآخر حيث تقع مهنة رواية الحكايات". لا تتغير القصص الشعائرية لقبيلة النافاهو كما لا يتم ابتكار قصص جديدة. ولكن بعضها "انقرض" فلم يعد هذا العدد الكبير منها موجوداً كالسابق، ولكن لا تزال هناك قصص عديدة لروايتها." قصص قبيلة النافاهو طويلة، وتستغرق عادةً أياماً لروايتها، وتشكل تحدياً للتفسير في العروض القصيرة. يتم إنتاج قصص جديدة في ما تسميه دولي المجال "الاحترافي". وتقول، "في ذلك النوع الأدبي المعيّن، وتروى قصص جديدة، وتروى عبر كافة وسائل الإعلام، وليس فقط بصورة شفهية." تقول إن مساهماتها الشخصية "هي قصص شخصية حول نشأتها في عالم ثنائي الثقافة." وتضيف، "أعتقد ان الناس من كافة القبائل الأصيلة في بلادها يستطيعون إيجاد علاقة مع ذلك" بسبب تجربتها "لقصة الفتح الأوروبي". فقد استطاعت الثقافات الأصلية أن تبقى على قيد الحياة بعد الاستعمار. وتقول دولي ان الإرث الاستعماري هو "الأنظمة السياسية التي سببت نوعاً ما التآكل لتكاملنا الثقافي وأعتقد ان القصص بدأت تسترجع ذلك التكامل."

وبصورة مماثلة، واجهت توماسون "تجربة مجزأة"، أي الموازنة بين رواية الحكايات بصورة تقليدية أو بصورة احترافية. فهناك قصص معينة لا ترويها أبداً خارج نطاق مجتمعها الأهلي. فهي تقلق من الافتراض بان القصص القبلية هي نوع من الأدب الفولكلوري، وبالتالي فإنها مشاعة للجميع لكي يقوموا بروايتها، وهذا الأمر يمكنه أن يشوه التقاليد المقدسة. تقول توماسون: "إن الانتقال إلى العمل الاحترافي، أصبح في نظري مهماً جداً بسبب ما شاهدته من الدمار والضرر الذي لحق بمهنة رواية الحكايات، والذي حصل بحسن نية او حتى بدون وعي." إننا نعتقد ان ابتكار القصص الجديدة قد يكون ضرورياً. وتقول: "أتشارك بالفعل مع عدد من رواة الحكايات عبر العالم، رواة القصص الأصيلين الذين يرون حاجة لقصص جديدة. فقد أظهر القرن الواحد والعشرون طرقاً جديدة من السلوك لا توجد لدينا قصص لمعالجتها"، وأعطت مثالين: "أطفال يقتلون بعضهم البعض" بعنف شبيه بعنف العصابات وما تسميه "مرض السرعة ... إننا تقوم بمهمات متعددة... أو نقوم بالكثير جداً من الأعمال ... لم يتحرك الناس مطلقاً بمثل هذه السرعة. نحتاج إلى قصص تجعلنا نفكر بهذه الأمور."

استعادة الانسجام

تكون رواية القصص التقليدية عملاً موسمياً. تتذكر توماسون شيئاً قاله لها شخص كبير السن: "العالم مقلوب رأساً على عقب. نحن نتبع المواسم ولكن العالم الذي نعيش فيه ... لا يتبع هذه المواسم. كان هناك زمن عندما تصبح الدنيا باردة، وقد توقف ذلك. والآن نركب السلاسل على السيارات، ونضع السيارة لكي تسير بالدفع الرباعي. ونغادر منزلنا قبل ثلاث ساعات لكي نصل إلى العمل في الوقت المحدد. لا نمضي ذلك الوقت الهادئ ف خيمة التيبي. لا يتوفر لنا وقت لنقضيه في خيمة الويكيب حيث يكون فصل الشتاء بكامله وقت للنوم، وقت من السكون للتأمل."

تواصل توماسون حديثها فتقول: "وهكذا، في العالم المقلوب رأساً على عقب، هل يتوجب علينا أن ننظر إلى تقاليدنا، هل يتوجب علينا أن ننظر إلى عوالمنا؟ أين نتكيف؟ أين يكمن الخطر علينا؟ أين نتغير؟ أين نتغير أو لا نتغير؟ يجب ان تبقى القصص التقليدية دون تغيير. فالعظام لا يمكن تغييرها. وزن القصة، حجم القصة يمكن تغيرهما لأنهما قد يتمددان وينكمشان، فالأشياء قابلة للتكيف ... ولكن يجب توفر الإجماع في الآراء حول ما يعنيه أي تكيّف معقول."

تستعيد رواية القصص الانسجام المفقود. تقول دولي ان قصص واحتفالات قبيلة النافاهو "تستعيد الانسجام وبذلك تصبح مرة اخرى في ذلك الوضع المبارك من الانسجام مع جميع المخلوقات". وتضيف: "لذلك كانت قصصنا تدير سلم الترتيب من الفوضى إلى الترتيب مجدداً. ونحن نعيش ضمن هذه المعايير".

تتخذ المرأتان موقفاً عدائياً من مصطلح "تعدد الثقافات" المطبق على الاميركيين الهنود. تقول توماسون "لسنا أقلية، بكل بساطة. نحن أمم ذات سيادة تتمتع بوضع قانوني فريد. نحن أصليون، ما يضعنا في إطار عالمي، دولي من القانون والعلاقات التي نضيع عندما نصبح مجر "أميركيين أصليين". وتضيف "أود ان ننضم إلى العالم وأن نبدأ باستعمال مصطلح "الأصليون أو أن نكون أكثر تحديدا". وتقول أن يكون المرء متحدراً من الأوطان الأولى التي يعود تاريخ وجودها إلى آلاف السنين، أمر مختلف عن تجارب المهاجرين الحديثين الآخرين.

توافق ساني دولي، فتقول "طرقتني هذه الفكرة الكاملة للثقافات المتعددة لذلك سألت نفسي، ثقافة من؟" تقول حول تواجهها مع ثقافات أوروبية غير إنجليزية أخرى، عندما "تدخل إلى أحد الأدغال في أفريقيا، تجد أن ثقافاتنا الغنية متشابهة بدرجة كبيرة. ليس هناك شيء يشبه مفهوم "التعدد" بالنسبة لها. وكأن الأمر يشبه أنني أعرف قصتي، وهم يعرفون قصتهم. إنهم متشابهون، أو متماثلون."

تحتاج القصص أحياناً إلى وقت للتأمل، الذي لا يتوفر في العالم الحديث. تتساءل دولي "إذا كان الناس سوف يبدأون فعلاً بالاستماع مرة أخرى. لأني حقاً أعتقد أن الناس بحاجة إلى أوقات من الهدوء." وتضيف توماسون، "التحدث، التحدث بفصاحة وبصورة جيدة، دون ملاحظات، وأن تحفظ الأشياء في ذهنك، يحتاج إلى فترات صمت وسكون لكي تتمكن من تطوير ذلك، كما انه يتطلب جمهوراً من المستمعين الذين يستطيعون تحمل الصمت والسكون والانتباه والإنصات وتضيف، "لقد أهملنا المعرفة القديمة، والتحدث، والإنصات كما كان الأمر قديماً."

بصورة إيجابية أكثر، تقول توماسون إن العلماء "لا يتحدثون عنا كما لو اننا شعب انقرض او شعب بدائي أو شعب متخلف، بل يشاهدون الهبة الغنية لتقاليدنا الشفهية سوية مع كافة آداب العالم." وتقول دولي، التي تستعمل سلة نافاهو ذات التصميم الرائع لدعم عرضها، إن الموقف الذي يعتبر ان "الشيء لا يكون صالحاً إلاّ إذا كتب" يضايقها. وهي تستعمل سلتها "لأنه لا يوجد شيء مكتوب على هذه السلة. هناك رسم مدمج فيها وهذا الرسم لا يتغير ولكنه صالح مثل التاريخ المكتوب لأي كان."

نشرت دولي القصائد، وكتبت توماسون أغنيات وكُتب أطفال، استندت إلى حكايات القبائل التقليدية. لكن مهنتهما الأولى هي إنشاء الاتصال الشخصي الذي تشعران بأنه جزء حاسم من عملية رواية القصص، وضروري لجعل هذه القصص تترك أثراً كبيراً. عرض متحف الاميركيين الهنود قدرات دولي وتوماسون في جعل المستمعين يشاركون بذاكرتهم من خلال إضفاء الصبغة الشخصية على القصص التي تُعلّم الدروس والتي حافظت على وجودها مع مرور الزمن. قوبل أداؤهما بالحماس والتصفيق من البالغين وبصيحات السرور من الأطفال العديدين الحاضرين الذين فتنتهم مغامرات الكيوتي والايكتومي، أو قصة الذرة، البطاطا، الطماطم، الفلفل، الفاصوليا والشوكولاته التي جاءت من ثقافات الأميركيين الأصليين لتتحول إلى طعام لرفاهية العالم.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي