التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

18 حزيران/يونيو 2009

مكاني، هويتي

 

بقلم انغايوقاق أوسكار كاواغلي

انغايوقاق أوسكار كاواغلي هو أستاذ فخري للتعليم في جامعة ألاسكا، فيربانكس وله اهتمام طويل في العلوم البيولوجية. وُلد لعائلة من قبيلة يوبياق الهندية التقليدية في ألاسكا وربّته جدته ومنذ أن كان لا يزال في الثانية من عمره أثر وفاة والديه. كانت جدته لا تتكلم سوى لغة يوبياق، لذلك كانت يوبياق لغته الأولى والثقافة القبلية ثقافته الأولى. قبيلة يوبياق هي إحدى القبائل العديدة التي تعيش في القطب الشمالي ويُشار إليها أحياناً بقبائل الأسكيمو. يشغل الأستاذ كاواغلي منصب المدير التنفيذي  لعدة مؤسسات لا تبغي الربح تُركز اهتمامها على العلوم والتعليم والصحة. ويعمل حالياً مع مجموعة عمل تعنى بأحوال الهنود الأميركيين وتغيّر المناخ في ألاسكا في جامعة هاسكل.

شاهدتُ مؤخرا برنامجاً تلفزيونياً يحمل عنوان "أنت تملك ألاسكا". أول ردة فعل لي كانت أن هذه العبارة تحفّزها المصلحة السياسية والاقتصادية. ولكن كلما تعمقت في التفكير بها، كلما زاد تأثيرها على نظرتي للعالم. كيف بوسع أي شخص  أن "يملك" ألاسكا؟ إذ إنه استناداً إلى تقاليدي الموروثة، فالأرض هي التي تملكني! وهكذا بدأت تأملاتي حول كيفية اختلاف نظرتي للعالم التي ورثتها عن قبيلة يوبياق عن تلك النظرة السائدة في المجتمع العام.

البرد يحدد مكاني. قرية مامتريليك (تعرف الآن باسم بثيل، ألاسكا) صنعتني وجعلتني أصل إلى ما وصلت إليه. البرد صاغ لغتي، ونظرتي للعالم، وثقافتي وتكنولوجيتي. والآن بدأ البرد يتراجع بسرعة كبيرة، ونتيجة لذلك بدأ المنظر الطبيعي يتغير. يربك المنظر الطبيعي المتغير بدوره النطاق الفكري لأفراد قبيلة يوبياق كما الشعوب الأصلية الأخرى. أصبح بعضٌ من صانعي الأحاسيس الطبيعية للطبيعة الأم خارج التزامن مع الحياة النباتية والحيوانية.

استعملنا، نحن أفراد قبيلة يوبياق القاطنون في جوار نهر كوسكو كويم، تبرعم ورق شجرة جار الماء لإخبارنا متى يبدأ سمك الهِف رحلته صعوداً في النهر لنلقي عندئذ الشباك لصيده. عندما تخرج أوراق جار الماء من براعمها، يكون سمك السلمون قد بدأ بالوصول، وهكذا دواليك. لكن هذه المؤشرات لم تعد موثوقة في حال جاء الربيع قبل أسبوعين أو أربعة أسابيع من الموعد المعتاد لقدومه. هذا مجرد مثال على التغيرات التي أخذت تحصل في دلتا اليوكون - كوسكوكويم.

المنظر الطبيعي والهوية

في الأزمان الغابرة، كان المنظر الطبيعي يشكل نطاق تفكيرنا، وهو بدوره الذي شكل هويتنا. ترعرعت كجزء لا يتجزأ من الطبيعة. لم تتح لي مكانتي أن "أملك" أرضاً، ولا أن أُدجّن نباتات أو حيوانات تملك في أحيان كثيرة قوة أكبر مني كإنسان.

نعرف أن أمنا الطبيعة تملك ثقافة، وهذه هي الثقافة الأصيلة.

لهذا السبب، علينا كشعب أصلي وأصيل أن نحاكيها في ذلك. نعرف ان أيلام يوا، شخص أو روح الكون، يعيش فيها. ولهذا السبب تخدم كدليل ومعلم ومرشد لنا.

نحتاج لقضاء وقت طويل في الطبيعة للتواصل مع الوعي العظيم. يعطي ذلك توازناً للشخص الأصلي. تشجعه على أن يصبح غير أناني، أن يظهر فائق الاحترام لكل الأشياء المحيطة بنا ومن ضمنها الحياة النباتية والحيوانية وكافة عناصر أمنا الأرض: الرياح، والأنهار، والبحيرات، والجبال، والغيوم، والنجوم، ودرب اللبانة، والشمس، والقمر وتيارات المحيطات. تمنحني أمنا الأرض كل ما احتاج إلى معرفته  لحل المشاكل. ولكن الزمن قد تغير، مما جعل الحياة منسجمة مع أمنا الأرض أكثر صعوبة.

يعود التأثير الأول إلى المبشرين ونظام التعليم. ففي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أُدخلت المدارس إلى قبيلة يوبياق من قبل الكنائس المسيحية المتعاقدة مع الحكومة الأميركية.

أُنشئت مدارس داخلية لصغار الشعب الأصلي في ألاسكا. جرى تنظيم التعليم لاستيعاب هذا الشعب ضمن النظرة العالمية التكنو-ميكانيكية  والاستهلاكية. كان التعليم يقمع ويكبت اللغة والثقافة الأصلية. عند ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة قد أصبحت ماهرة جداً في تنظيم وإدارة المدارس الداخلية للهنود الأميركيين. كان الأطفال يبعدون عن عائلاتهم وقراهم لفترات زمنية طويلة. قد يعودون إلى قراهم التي ولدوا فيها ولكن لم يعد بإمكانهم التكيّف مع العيش فيها.

كانت حاجاتهم ورغباتهم تنفر من الحياة في القرية. كان التعليم الاستيعابي فعالاً لدرجة أنه جعل معظم هؤلاء الصغار يكبتون أصولهم.

من أواخر الستينات من القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر، يعمل أفراد الشعب الأصلي بشكل دؤوب لتغيير نظام التعليم كي يتجاوب مع لغتهم، ووجهات نظرهم تجاه العالم، وثقافتهم وتكنولوجيتهم. إنها عملية مداواة بطيئة بالنسبة للقرى. رسالتنا التعليمية هي إنتاج عناصر بشرية يشعرون بأنهم يعيشون براحة في مكانهم وبيئتهم، وعالمهم. بدأت هذه العملية تثمر ببطء من خلال جهود الناس الأصليين بذاتهم وبدعم من آخرين لهم تفكير مماثل.

دمج الحكمة التقليدية مع التكنولوجيا

كان أفراد قبيلة يوبياق سباقين في العمل على إعادة توجيه نظام التعليم لأطفالهم، وهم يثبتون الآن أنهم سباقون أيضا في التعامل مع تأثيرات تغيّر المناخ. يبحثون لمعرفة الكيفية التي تعامل بها أسلافنا مع تغيّر المناخ في الماضي ويطبقون ما تعلموه على الحاضر. بعد أن يصبح لديهم فكرة حول ما يمكن عمله، يضعون خطة ويطلبون مساعدة فنية من مهندسين، وعلماء ماء، وعلماء جغرافيا وعلماء آخرين من ذوي المعرفة والمهارات لتزويدهم بأفضل الإرشادات.

فعلى سبيل المثال، تولت قرية نيوتوك،  التي عانت من انجراف واسع للتربة، دوراً قيادياً في التخطيط لنقل قريتهم. هذا يعني السعي للحصول على تمويل، والبحث عن موقع جديد محتمل للقرية، والطلب من كبار السن وعلماء الجيولوجيا إجراء تقييم لخياراتهم للتحقق من صحتها. إنه تصميم وتنظيم تقوده القرية لنقل كل شيء: بدءاً من المنازل، والمطار، وبئر الماء، وغير ذلك من مرافق المجتمع.

أفراد قبيلة يوبياق سباقون أيضاً في تنظيف مناطق تفريغ سمك السلمون. يجتمعون دورياً مع خبراء صيد الأسماك في الولاية لإبلاغهم بما يقلقهم ولمعالجة المسائل التي يحتاجون فيها إلى مساعدة فنية.

يدرك أفراد الشعب الأصلي أن بإمكان الطرق التقليدية للمعرفة والعمل أن تستفيد من المساعدة الفنية التي تزودها مختلف الفروع العلمية من أجل تعزيز خططهم وعملهم. عندما يعمل طرفا المعرفة مع بعضهما، فإن ذلك يشكل قوة أكبر ويؤدي بهما إلى تنفيذ الشيء الصحيح. من خلال نشاطات التعاون هذه، ويمكن أن يصبح الصدام التاريخي لوجهات نظر العالم التي تعكسها الجملة، "إنك تملك ألاسكا" قوة للتفاهم والتوصل إلى حلول جديدة للعديد من التحديات التي نواجهها سوية.

___________

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تمثل بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة الأميركية

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي