29 حزيران/يونيو 2009

جوناثان هوك
جوناثان هوك هو مدير برنامج جديد في جامعة نورث تكساس (UNT)، يعرف باسم المبادرة الدولية للسكان الأصليين والهنود الأميركيين. ينتمي هوك إلى قبيلة شيروكي وقد عمل بشكل مكثف مع الهنود الأميركيين ومجموعات السكان الأصليين حول العالم. كان في السابق مديراً لمكتب العدالة البيئية والشؤون القبلية في الوكالة الأميركية لحماية البيئة في دالاس، تكساس. كما عمل أيضاً مع وزارة الخارجية الأميركية وجامعة نورث تكساس على سلسلة من المؤتمرات الدولية التي تتم عبر الفيديو لطلاب ينتمون إلى جماعات أصلية.
أرى من خلال نوافذ قاعة المؤتمر شمساً يندر ظهورها في مدينة أنكوريج ترقص أشعتها على المنحدرات الشرقية للجبال غير البعيدة كثيراً. في داخل القاعة مستمعون من جنسيات متعددة يرتدون ملابس خاصة ذات ألوان زاهية، وينهمكون في تثبيت سمّاعات الترجمة على رؤوسهم وفي التصفيق. ترتفع حدة الانفعالات العاطفية في مؤتمر القمّة هذا الذي عقد لمناقشة الرؤى الشاملة الدولية للسكان الأصليين حول استجابة منظمة الأمم المتحدة لتغيّر المناخ وعملها لتخفيف تأثيره.
هناك مسائل عديدة ذات اهتمام مشترك لمجتمعات السكان الأصليين حول العالم، ومعظمها ناتج عن التوسع المادي والثقافي للأوروبيين الذي حدث خلال السنوات الـ 500 الماضية. تجارب مماثلة شخصية لا حصر لها تحيك أنماطها في الاتجاهات التاريخية التي تشكل نسيج من نكون ومن نحن اليوم. تشمل هذه التجارب خسارة الأرض واللغة، والمحافظة على استقلالية الهوية الثقافية، والتعايش مع وجهات النظر العالمية المتضاربة والتأثيرات المتصاعدة لتغيّر المناخ. تقوم حكومات، ومنظمات غير حكومية، وجامعات، ومجموعات أهلية بالعمل الدؤوب لمعالجة هذه المسائل، بما في ذلك جامعة نورث تكساس. تشابكت رحلتي الخاصة مع أحداث تاريخية أوسع نطاقاً قادت إلى قيام جامعة نورث تكساس بإطلاق برنامج المبادرات الدولية للسكان الأصليين والهنود الأميركيين الذي يعتبر أول برنامج من نوعه في ولاية تكساس.
أنا أعيش في موطن الشيروكي، إحدى القبائل الأصلية الـ 600 الموجودة في الولايات المتحدة. استمعت وأنا طفل مراراً وتكراراً إلى قصص الإزالة القسرية، والصراعات، والبقاء. كنت مندوباً إلى مؤتمر دستور موطن الشيروكي وكنت دائماً أهتم بالمجتمعات الأصلية وبمسائلها.
جلست قبل سنوات قليلة مع زعماء قبيلة سوتيافا في غرب نيكاراغوا استمع إلى انهمار الأمطار الغزيرة بعد ظهر كل يوم. أطلعوني على قاموس صغير وندبوا خسارتهم الثقافية والشخصية العظيمة، أي وفاة آخر متكلم بلغتهم الأصلية مؤخراً. إن مسألة زوال لغة، وهي المؤشر الأعظم ربما للهوية الثقافية، تثير قلقاً هائلاً لدى السكان الأصليين في كل مكان.
أكدت لي رحلات لاحقة قمت بها لزيارة مجتمعات أصلية في ساراوك بماليزيا، وفي جبال الأورال الروسية وجود حالات قلق موازية حول المحافظة على اللغة، والاستمرارية الثقافية، وحماية البيئة، والمحافظة على الأرض وقابلية النمو الاقتصادي. كان لدى هذه المجتمعات دائماً توق عظيم لمناقشة تجربة الهنود الأميركيين كما كانت لديها رغبة في مقابلة سكان أصليين من الأميركيتين.
من الصعب دائماً العثور على تمويل لهذه الرحلات، لذلك اقترح مضيف روسي استخدام التكنولوجيا لإقامة مؤتمرات عبر الفيديو. وافقت القنصلية الأميركية في ياكترينبرغ، والسفارة الأميركية في ماليزيا، ووزارة الخارجية الأميركية على الفكرة وسهلت تنفيذها وعقدنا أول مؤتمر دولي عبر الفيديو حول الثقافة والبيئة لطلاب المدارس الثانوية. كان المجتمع الأهلي للهنود الاميركيين ممثلاً بمدينة كياليجه كريك القبلية، وطلاب قبيلة كيوا، ورئيس مجلس قبيلة بونكا. كانت مسألة تغير المناخ التي أثيرت هي المسألة الأكثر خطورة على الصعيد الدولي.
قاد المؤتمر عبر الفيديو إلى دعوة عدة طلاب هنود أميركيين إلى زيارة قبيلة ألتاي في سيبيريا. رافقني طالبان وشخص كبير السن من قبيلة كيوا إلى سيبيريا حيث أقمنا مخيماً مع طلاب وأناس بالغين من قبيلة ألتاي على ضفاف نهر كاتون. لدى وصولنا، شكلنا حلقة، وجلسنا على مقاعد خشبية. وفي وسط الحلقة كان هناك رجل مهيب من قبيلة ألتاي يمتطي حصاناً وكان يرتدي ملابس منغولية ويحمل بيده قوساً مشدوداً. ترجل عن حصانه وعزف على آلتين وتريتين وقدم أغنية بأسلوب غناء "الحنجرة" الذي يشتهر به أفراد قبيلة ألتاي. جلسنا حول نار المخيم خلال الأمسيات الباردة وشاركنا في تبادل القصص والأغاني المستمدة من ثقافاتنا الخاصة. وعند هطول الأمطار بعد الظهر كنّا نشرب الشاي تحت خيمة "اليورتا" المستديرة الدافئة، نستكشف التشابهات الثقافية ونتشاطر مع بعضنا تطلعاتنا المستقبلية. كان الرابط بين قبيلتي كيوا والتاي ظاهراً وحتى أنه كان فورياً تقريباً.
تبع هذا المؤتمر بعد بضعة أشهر زيارة قام بها أربعة مربين شباب من قبيلة ألتاي قابلوا خلالها زعماء هنود أميركيين ومجتمعات أهلية للهنود الاميركيين في أوكلاهوما ونيو مكسيكو. زرنا قبيلتي كيتوواه وشيروكي في شمال شرق أوكلاهوما وقبليتي كيوا وكومانشي في القسم الغربي من الولاية. وفي مدينة الباكيركي، بولاية نيو مكسيكو، انضم الزوّار السيبيريون إلى اجتماع عقد بين مجلس كل قرى الهنود وحاكم الولاية بيل ريتشاردسون. وفي وقت لاحق، في مكان يقع مباشرة شمالي مدينة سانتا في، أقيمت لهم في منزل زعيم قبيلة تيسوكي، مأدبة عشاء هندية تقليدية مكونة من القمح، ولحم الطرائد، والإبل، والملح المحلي، والخضار، والفاكهة من بستان يملكه مضيفنا.
عبّرت جامعة نورث تكساس عن اهتمامها الكبير بمؤتمرنا عبر الفيديو والنشاطات الأخرى المترافقة معه. عرض علينا رئيسها استضافة مؤتمرنا الدولي السنوي الثاني عبر الفيديو للطلاب الهنود الأميركيين. وشارك في الحدث عدد أكبر من الطلاب الهنود الأميركيين واشتركوا في عرض رقصات ثقافية مع مجتمع الجامعة.
عندما كنت مديراً لمكتب العدالة البيئية والشؤون القبلية في المكتب الإقليمي للوكالة الأميركية لحماية البيئة في دالاس، تكساس، عملت مع زعماء القبائل، ومدراء البيئة، وأفراد من مجتمعات محلية ينتمون إلى 65 قبيلة هندية. اشتركت جامعة نورث تكساس مع مكتبي في تنفيذ عدة جهود مثل دراسة تقييم المخاطر التراكمية التي تجريها القبائل على الأراضي القبلية ودعم فرص التعليم للهنود الأميركيين من خلال التعاون مع جامعة هاسكيل للقبائل الهندية. بدأت أعمل مع جامعة نورث تكساس على تنفيذ مشاريع أخرى تتعلق بالهنود الأميركيين، مثل قضايا التنوع والتعددية الثقافية.
تعيش في ولاية تكساس رابع أكبر مجموعة من الهنود الأميركيين في الولايات المتحدة. ورغم ذلك، لا توجد فيها أية بنية تحتية تدعم سكانها الأصليين. لا يوجد أي مكتب ارتباط او لجنة ترعى شؤون الهنود، ولم تنشئ أية جامعة في الولاية برنامجاً خاصاً بالهنود الأميركيين إلا في عام 2009 عندما أطلقت جامعة نورث تكساس مبادرتها الدولية للسكان الأصليين والهنود الاميركيين (IIAII). يعكس اسم هذه المبادرة استمرارية المسائل المشتركة بين الشعوب الأصلية حول العالم. تتمثل رؤية هذا البرنامج الجديد بتحقيق تنمية المؤسسات والمجتمع الأهلي من خلال الاستماع إلى المجتمعات الأصلية الدولية والاستجابة لمطالبها والتعاون معها بأسلوب غير رعائي.
منذ آلاف السنين، كانت الشعوب الأصلية تثمن التعليم والقدرة على التكيف الإبداعي. كان أطفال الهنود الاميركيين يمنحون الحب، والعناية، والتدريب ضمن إطارهم القبلي الخاص بهم. وقد جرّدت خمسمئة سنة من الأمراض والإبادة، والإهلاك الثقافي أجيالاً عديدة من السكان الأصليين من الأدوات التي تمكنهم من التكيف والتغلب على العوائق التي تواجههم في الأنظمة التعليمية، والتوظيفية، والاجتماعية المستمدة من الغرب. ونموذجياً، كانت المؤسسات الغربية الدينية، والسياسية، والتعليمية تفرض وفق أسلوب نماذجها الثقافية على المجتمعات الأصلية. أدى هذا الأمر إلى خسارة ثقافية متزايدة وإلى نفور الهنود الأميركيين من البرامج المفروضة عليهم. واليوم يدرس في جامعة نورث تكساس أكبر عدد من الطلاب الهنود الأميركيين المسجلين في أية جامعة من جامعات الولاية.
تشمل آليات المشاركة الفعالة عقد اجتماعات مع مجلسنا الاستشاري للسكان الأصليين (IAC) المؤسس حديثاً، والملاحظات الدقيقة خلال الزيارات إلى مواقع المجتمعات الأهلية، ومطالعة المنشورات التي كتبها مؤلفون من السكان الأصليين وغير الأصليين، والاستماع الجدي إلى طلبات حكومات القبائل والمنظمات القبلية. يضم المجلس الاستشاري هنوداً أميركيين من ولايتي تكساس وأوكلاهوما ويقدم مجموعة واسعة من الخبرات بدءاً بفن التمريض، ومروراً بالتعليم، والقانون، والعمل الأهلي الاجتماعي، والحكم القبلي، والبيئة، والأعمال وحتى القيادة الروحية. المجلس الاستشاري للسكان الأصليين مستعد جيداً للقيام بدوره المزدوج في تأمين التكامل الثقافي وتحديد المشاريع ذات الأهمية للمجتمعات الأهلية. ويعني هذا الاستعداد للاستجابة إلى طلبات المجتمعات الأهلية الالتزام التفاعلي في تنفيذ طلبات محددة والعمل بصورة استباقية ليصبح المجلس مؤسسة "صديقة للهنود". توفر جامعة نورث تكساس في سبيل ذلك ما يلي:
· مجموعة متنوعة من المواد الدراسية الخاصة بالسكان الأصليين.
· تخصصا رئيسيا/ثانويا في دراسات، ووجودا هاما للسكان الأصليين في الهيئة التدريسية وكموظفين في الجامعة على كافة المستويات.
· تسجيلا وتمويلا مستمرين للطلاب الأصليين.
· توفير القيادة في تطبيق قانون حماية أضرحة الأميركيين الأصليين واعادة ترحيلهم.
· المحافظة على اللغات.
· اقتناء مجموعات مهمة من الكتب التي ألّفها كُتّاب من السكان الأصليين.
· منظمة طلاب قابلة للحياة.
· أبحاثا حول السكان الأصليين.
· توجيها وإشرافا على أيدي محترفين من السكان الأصليين.
· علاقات قوية مع القبائل الأصلية، والجامعات القبلية، ومنظمات الهنود الاميركيين.
نقطة التركيز الدولية هي الاستجابة للاهتمامات التي تتشاطرها المجتمعات الأهلية عبر العالم فيما يخص التأثيرات الراهنة والمحتملة لتغير المناخ والقدرة الفريدة لجامعة نورث تكساس على الانخراط في هذا الموضوع. سوف يقاس مدى النجاح الفعلي للبرنامج من خلال الحياة المتغيرة في الجامعة وفي المجتمعات المحلية حول العالم. عندما كنت استمع في ألاسكا إلى القصص المتعلقة بتأثيرات تغير المناخ على مجتمعات الشعوب الأصلية، كان ذهني يعود إلى الوراء سنوات عديدة لأتذكر عرضاً قدمته ابنتي. كانت لديها حلقة من الأولاد الجالسين الذين يتقاذفون فيما بينهم كرة خيوط، فينشئون بذلك ما يبدو كأنه نسيج عنكبوت. ثم طلبت من كل ولد على التوالي ان يسحب خيطه. تمكن جميع الأولاد من الإحساس بشد الخيط، مما أظهر مدى الأثر الذي يملكه كل واحد منا على الآخرين وعلى كافة الأشياء الحية. إن برنامجنا الجديد وُجد للاحتفاء، بهذه الحلقة العالمية من الحياة ولتنميتها ودعمها.