التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

25 حزيران/يونيو 2009

عالم من الأرواح

 
فاين ديلوريا الابن يعتبر المؤرخ والعالم الأميركي الهندي البارز في القرن الماضي. وهو كان ينتمي لقبيلة ستاندنغ روك سو  الهندية الأصلية.
فاين ديلوريا الابن يعتبر المؤرخ والعالم الأميركي الهندي البارز في القرن الماضي. وهو كان ينتمي لقبيلة ستاندنغ روك سو الهندية الأصلية.

فاين ديلوريا جونيور

يعتبر الكثيرون أن فاين ديلوريا جونيور (1933- 2005) من قبيلة ستاندنغ روك سو  الهندية الأصلية المنتشرة في ولايتي داكوتا. وهو العالم الأميركي الهندي الرئيسي في القرن الماضي ولا تزال أبحاثه وكتاباته وتعاليمه الانتقائية في التأثير على الأميركيين الأصليين وغير الأصليين على حد سواء حتى اليوم. أعماله الاستفزازية في أحيان كثيرة حول التاريخ، القانون، الدين والعلوم السياسية ساعدت في تشكيل المواقف إزاء الأميركيين الأصليين والدفاع عن حقوقهم. حاز على تقدير بفضل كتابه الأول الذي حمل عنوان "كاستر مات من أجل خطاياكم"، وسَعَت عشرات الكتب التي كتبها لاحقاً إلى إعادة الثقافة الهندية إلى مكانة محترمة. شهد أمام الكونغرس الأميركي حول الشؤون الهندية وعمل في هيئة التدريس في جامعة كولورادو وجامعة أريزونا. كانت نقاشاته تتسم بالفكاهة والحدة. من المقتبسات الشهيرة لديلوريا: "عندما سأل أحد علماء الانتروبولوجيا هندياً، ماذا كان الهنود يسمون أميركا قبل مجيء الرجل الأبيض، قال ببساطة: بلادنا".

من كتاب لون الرب أحمر

عندما كنت صغيراً جداً أسافر مع والدي في ساوث داكوتا، كان يُشير بتكرار إلى الهضاب الشديدة الانحدار، والأودية الضيّقة وجسور عبور الأنهر، والطرق القديمة ويخبرني بقصصها. في تلك الأيام قبل ظهور الطرق الدولية بين الولايات، عندما كانت الطرق في أحيان كثيرة عبارة عن اخدودين ممددين إلى جانب سياج، كان يمكن رؤية الأماكن عن كثب، ولذلك تجمعت لدي ذكريات لا تُمحى عن مظاهر معينة للمنظر الطبيعي بسبب قرب المكان كما بسبب القصص التي رافقتها. كان يبدو وكأنه يتذكر التفاصيل التي نسيها الآخرون أو أنهم لم يعرفوها على الإطلاق. كان يستطيع أن يُشير إلى الهضاب الشديدة الانحدار حيث كانت تقام شعائر تجلي الذات (الشعائر الروحية الأولى قبل الانتقال إلى مرحلة المراهقة)، التلة بجوار الصخرة الواقفة حيث كانت تعيش المرأة مع الذئاب، وأماكن النزول المخفية على امتداد نهر ميزوري حيث كان يعبر الناس أو حيث تمكن جاك سولي، القريب وقاطع الطرق الشهير، من الهرب من مفرزة حفظ النظام.

أصبحت أحترم بعض الأماكن المُعينة وأسرد قصصها بأفضل ما أستطيع، مع أن زيارات هذه الأماكن كانت قليلة ومُتباعدة. بدا لي أن تذكّر النشاطات الإنسانية في بعض الأماكن المعينة أضفى عليها نوعا من القداسة كان من غير الممكن الحصول عليها لولا ذلك. بدأت بصورة تدريجية أفهم التمييز في قداسة الأماكن. كانت بعض المواقع مقدسة بحد ذاتها، وأخرى كرّمتها أجيال من الناس وأصبحت الآن جزءاً من تاريخهم، ولذلك أجّلوها وجعلوها جزءاً من كيانهم. بعد أن كسبت حركة الاحتجاج الهندية زخماً واستقطبت العديد من الشباب إلى نشاطاتها، تمّ تكريس الجزء الكبير من تركيز الطاقات إلى استعادة المواقع المقدسة واستئناف الاحتفالات هناك.

وأنا أفكر ملياً بكبار السن الذين راقبتهم وأنا صغير والإخلاص المُطلق لمعتقدهم، وتواضعهم، وترددهم في الإسراع في إعطاء أجوبة عن أسئلة مُهمة، وعند كتابة كتاب "لون الرب أحمر"، عدت إلى التقدير العظيم لتقاليدنا الدينية. منذ كتابة هذا الكتاب، بدأت تدريجياً أعتقد بأن القصص القديمة يجب أن تفسر حرفياً إذا كان ذلك ممكناً على الإطلاق، وأن الأسرار الدفينة والوعي الأعمق  لتعقيد عالمنا كان تجربة لأسلافنا، وأن شيئاً من معتقداتهم وتجاربهم يمكن أن نستحوذ عليها لأنفسنا مرة أخرى.

بلاك لايك (رجل مقدس من قبيلة اوغلالا لاكوتا) شاهد في رؤياه أطواقا عديدة لأناس عديدين ونحن ندرك دائماً بأن تقاليد أخرى تترافق مع احتفالاتهم، بحيث أن القداسة ليست محصورة بأي مجموعة مُعينة من الناس وبمعتقداتهم. مع ذلك، فعند الإمعان في التقاليد القبلية يتبين أن المسارات الهندية المؤدية إلى المواجهة مع اللغز الأعظم للحياة كانت بصورة عامة مستقيمة ومرضية. يمكن تفحص كل قبيلة تقريباً وسوف تكون النتيجة مجموعة من القصص حول كيف كان الناس يستخدمون القوى الروحية للعيش، وأن هذه القوى كانت تتوفر لنا دائماً تقريباً في مكان مقدّس، حيث لا يحدد المكان والزمان شروط التجربة.

لون الرب أحمر، حقوق النشر عام 1972، دار فولكروم للنشر، كافة الحقوق محفوظة.

عالم الأرواح

لكل قبيلة هندية إرث روحي يُميزها عن جميع الناس. وبالفعل، في الماضي، واعترافا منها بعلاقتها الفريدة مع العالم ومخلوقاته، كانت معظم القبائل تصف نفسها على أنها "الشعب" أو "الشعب الأصلي". ومعتبرة نفسها فريدة، كانت تتبع بصرامة أوامر الأرواح كما كانت قد اختبرتها عبر أجيال لا تحصى وأدركت بأن الناس الآخرين يملكون نفس الحقوق والمراكز التي يملكونها. ولذلك شعر الناس بأن فكرة التقاتل حول التقاليد التي يعيشون وفقها هي سخيفة. ولهذا فإن الحروب الدينية هي شيء لا يمكن تخيله، رغم أنهم يمكن ان يكونوا قد شاركوا في خوض حروب شرسة حول حقوق صيد الطيور ومواقع صيد الأسماك، أو شن معارك ثأرية، فإن أقرب ما وصلوا إليه للقتال حول المعتقدات والممارسات كان من أجل إيجاد أدوية، قوى – تستطيع ان تُبطل مفعول الأدوية والقوة التي تملكها شعوب أخرى.

يبدو أن القبائل تتقاسم مسارات عديدة للتعبير الروحي. مارست قبائل عديدة رقصة الشمس، كوخ الروح، شعائر تجلي الذات، كوخ التعرّق، استعمال الأحجار المُقدّسة، وطقوس دينية أخرى، مع تغييرات طفيفة في الشكل، يعود أصلها إلى الماضي. قدمت طيور وحيوانات معينة مساعدتها للناس بدرجة معينة من التماثل. الدب، الذئب، النسر، الجاموس، الحية، منحوا قواهم لأشخاص من قبائل عديدة، رغم أن وظائف هذه الطيور والحيوانات، كالشفاء من الأمراض، أو التنبؤ أو تقديم الحماية من الأخطار، كانت متشابهة في أحيان كثيرة.

بعد أن ترعرعت في مقاطعة بينيت كاونتي، ساوث داكوتا، وأصغيت إلى قصص من الأيام القديمة وتعلمت من وقت لآخر الأشياء غير العادية التي لا يزال قادة روحيون يمارسونها، لم أتساءل أبداً، سواء كان ذلك من الناحية العاطفية أو الفكرية، حول صحة القصص القديمة. لقد استمعت على مرّ السنين إلى قصص سردها آخرون أو عرفت صدفة بحكايات تُستعرض فيها القوى الروحية المذهلة. ناشد أسلافنا كائنات روحية عالية للحصول على مساعدتهم في حل مشاكل عملية ملحة، مثل إيجاد الطرائد، التنبؤ حول المستقبل، تعلّم شؤون تتعلق بالطب، المُشاركة في الشفاء، التحدث مع مخلوقات أخرى، إيجاد أشياء مفقودة وتغيير مجرى أحداث مادية من خلال إقامة علاقة مع الأرواح العليا التي تتحكم بالرياح، بالغيوم، بالجبال، بالرعد وبالظواهر الأخرى للعالم الطبيعي.

كنت أعرف أن المعتقدات الخرافية غير موجودة تقريباً لدى المجتمعات الهندية، لذلك اعتبرت دائماً هذه القصص على أنها ذكريات صادقة لأحداث ماضية. كان رجال الطب، في مجمل الأوقات، ينفذون عمليات الشفاء والتكهنات أمام جماهير غفيرة من الهنود الذين يقولون لهم "دعني أرى" وذلك قبل وقت طويل من تبني ولاية ميزوري لهذا الشعار.

العالم الذي كنا نعيش ?يÕ: تذكر قوى رجال الطب، حقوق النشر 2007، دار فولكروم للنشر. كافة الحقوق محفوظة.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي