التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

24 حزيران/يونيو 2009

احتفال

 
صورة أكبر
التجمع السنوي لقبائل بو في ألباكركي بنيومكسيكو يمنح شيوخ القبيلة الفرصة لنقل التقاليد الاحتفالية المهمة إلى أبناء الجيل القادم.
التجمع السنوي لقبائل بو في ألباكركي بنيومكسيكو يمنح شيوخ القبيلة الفرصة لنقل التقاليد الاحتفالية المهمة إلى أبناء الجيل القادم.

بقلم جوزيف بروشاك

ألهم الإرث الهندي (المواطنين الأصليين) لجوزيف بروشاك وانتماؤه إلى قبيلة أبيناكي أن يصبح كاتب قصص عن الهنود الأميركيين وأن يُخصص حياته لتسليط الضوء على تقاليد القبائل الأميركية الأصلية المتنوعة. وقبيلة الأبيناكي هي واحدة من خمس قبائل شكّلت كونفدرالية واباناكي في شرق أميركا الشمالية. وقد كتب بروشاك أكثر من 70 كتاباً من الشعر، والروايات، والقصص الواقعية للراشدين والأطفال وفاز بجوائز عديدة من بينها جائزة الكتاب الأميركي، جائزة الكتاب العلمي الأميركي للأطفال، جائزة النثر لموطن الشيروكي، وجائزة هوب إس دين للإنجازات المميزة في أدب الأطفال. أسس مجلة غرينفيلد ريفيو، وعمل كراوي قصص عبر الولايات المتحدة وفي الخارج.

أسير والجمال أمامي

أسير والجمال تحتي

أسير والجمال يحيطني

ففي الجمال كل شيء يُستعاد

وفي الجمال كل شيء يصنع كاملاً...

- مقتبسة من احتفال "طريق الليل" لقبيلة دينيه

"في كل صباح عندما انهض لأشرب الماء من الحنفية، أتذكر دائماً أن أشكر الماء". هذه الكلمات قالتها لي قبل 30 سنة ديوا سنتا، وهي أم من عشيرة أونونداغا، وكانت تُذكرني دائماً بالعلاقة المُقدسة القائمة بين جميع الأشياء ومسؤوليتنا نحن بني البشر في الاعتراف بهذه العلاقة.

إحدى هذه الطرق التي تُعبّر عن هذه العلاقة في الحياة الأميركية هي عبر ما يُسميه الأوروبيون "احتفالا". يُعرّف القاموس معنى الاحتفال على أنه عمل من الرسميات أو مجموعة من الأعمال التي تُقام بوقار وفق إجراء طقسي أو قبلي. مع أن ذلك صحيح بالتأكيد، يُمكن القول إن الاحتفال بالنسبة للشعب الهندي الأميركي يمثل الحياة بذاتها. أخبرني رجل كبير من قبيلة موهوك، ويدعى توم بورتر، أن السبب الذي يجعلنا نحتفل بهذا العدد الكبير من المناسبات هو أن بني البشر ينسون بسرعة. فإذا تذكرنا فقط أن نقدم الشكر في كل يوم ثم تصرفنا بطريقة تعبر عن الشكر والاحترام فإن ذلك يكفي. ولكن في كل مرة ننسى، ونحتاج إلى المزيد من الاحتفالات لمساعدتنا على التذكّر.

يمكن أن تكون الممارسات الاحتفالية للهنود الأميركيين بسيطة مثل تقديم التبغ مع الصلاة، ويمكن أن تكون مُعقدة مثل تقاليد الشفاء من الأمراض لدى قبيلة دينيه. يقوم بهذه التقاليد التي تُعرف باسم "الطرق" شخص مدرب بدرجة عالية يدعى "هاتأكسي" أو "منشد" أمضى سنوات عديدة في حفظ كلمات وبروتوكول واحدة أو أكثر من هذه الطرق التي يُستعمل كل منها لغرض شفائي محدّد. والطريق الشائعة أكثر من غيرها، وهي "طريق البركة"، تستعمل في أحيان كثيرة لاستعادة التوازن الجسدي والروحي لدى الفرد. وتستعمل "طريق العَدُو" لشخص من قبيلة دينيه شارك في المعركة ولمس عدواً مما سبب له عدم توازن روحي. من أجل شفاء هذا الشخص، يرسم على الأرض رسماً تستعمل فيه رمال ملونة وقطع من لحاء الشجر المسحوق. هذا الرسم على الرمل هو رمز الكون، ويمثل حدثاً من أحداث قصة الخلق لقبيلة دينيه، وربما انتصار البطلين التوأمين على الوحش. يجلس الشخص المطلوب شفاؤه على الرسم، بينما يُنشد هاتأكسي طريق الشفاء الخاصة بذلك. قد يتطلب إكمال هذه الطريق عدة أيام، ولأن وجود آخرين يرغبون في تقديم المساعدة يجعل من طريق الشفاء أكثر نجاحا،ً يُدعى العديد من الناس لحضور الاحتفال.

حتى الأحداث التي لا تُعتبر أكثر من مجرّد ألعاب تُشكِّل في أحيان كثيرة جزءاً من المُمارسة الاحتفالية للهنود الأميركيين. نذكر على سبيل المثال اللعبة الهندية الأميركية المعروفة باسم "لاكروس". وتسمى "تيوأراثون" بلغة قبيلة موهوك أو "اللعبة العظيمة" أو "لعبة الخالق". عندما تمارَس هذه اللعبة قد يصبح طول الساحة عدة أميال وقد يشترك في ممارستها سكان قرية أو أكثر. تُمارَس هذه الألعاب عادةً للمساعدة على استعادة عافية الشخص الذي كرست هذه اللعبة لأجله. عندما مرض نبي قبيلة إيروكواز، هاندسوم لايك، خلال زيارته الأخيرة لموطن أونونداغا عام 1815، تمّ التخطيط فوراً لممارسة لعبة لاكروس في محاولة لشفاء الزعيم المريض جداً (رغم أنه لم يشفَ، فقد استجاب إلى التكريم الذي أُقيم من أجله بالقول: "سوف أعود في وقت قريب إلى منزلي الجديد وفي وقت قريب سوف أخطو في العالم الجديد لأنه أصبح يوجد ممرٌ واضح يقودني إلى هناك.")

بعض الاحتفالات الشهيرة للهنود الأميركيين كانت تقدم بطريقة مثيرة أو كانت تُفسّر بصورة خاطئة. أشار علماء الأنثروبولوجيا إلى احتفالات "بوتلاتش" (Potlatch) التي يمارسها العديد من الهنود الأميركيين في شمال غرب المحيط الهادئ على أنها "صراع مع الثروة"، وذلك في وصفهم لهذه الاحتفالات التي تحاول فيها شخصية بارزة ان تتفوق على منافس لها من خلال وهب أو تدمير مبالغ ضخمة من الممتلكات الشخصية. انزعجت الحكومة الكندية والمكتب الأميركي للشؤون الهندية من هذه الاحتفالات واعتبرتها هدراً للثروة فمنعت ممارستها خلال معظم سنوات القرن العشرين. ومع أن احتفالات بوتلاتش كانت تمارَس للتفاخر ولبناء الهيبة أو استعادتها، فقد شملت معان أكثر بكثير مما فهمها الأوروبيون. فكلمة "بوتلاتش" مشتقة من كلمة "بات شاتل" في لغة نوتكا، وتعني "العطاء". ويمكن القول ان تكديس الثروة الشخصية بينما يُشكِّل عادة اجتماعية مستحبة في الثقافة الأميركية السائدة فإن العكس هو الصحيح بالنسبة للثقافات الهندية الأميركية. قال القائد العظيم لقبيلة داكوتا "سيتينغ بول" في إحدى المرات: "شعبي يحبني لأني فقير للغاية".

تقليد العطاء كاحتفال احتفال لتقديم الشكر من خلال إظهار الكرم العظيم ينتشر في مناطق الهنود في أميركا الشمالية. أعرف عائلة من قبيلة شايان في ولاية مونتانا وعدت بتقديم هدايا كثيرة في حال عاد ابنها سالماً من فيتنام. خلال المدة التي أمضاها في الخارج، جمعت العائلة كميات ضخمة من الأشياء لمنحها، مثل الحرامات والأطعمة المُعلبة وجميع أنواع الأشياء. وعندما عاد ابنها سالماً، وزعت هذه الأشياء ولم تكتفِ بمنح كل هذه الأشياء التي جمعتها بل وكانت سعيدة للغاية عندما منحت أيضاً الثلاجة، والتلفزيون، وجهاز تسجيل الاسطوانات، والراديو والشاحنة الصغيرة وكافة ملابس أفرادها. وأخيراً وقّعت العائلة تنازلاً عن منزلها. لم تظهر هذه العائلة مدى حبها العظيم لابنها فقط بل وأيضاً مدى اعترافها بالفضل لماهيو، اللغز العظيم، وصنعت اسماً لها في مجتمعها. رغم ان العائلة هي الآن فقيرة، فإنها ثرية جداً في أعين أفراد قبيلتها.

في أفضل حالاتها، كانت بوتلاتش طريقة لإعادة توزيع الثروة المادية بدلاً من تركها بين أيدي أفراد قلائل. إن عدم التوازن في احتفالات بوتلاتش التي جرت في أواخر القرن التاسع عشر والتي تمّ فيها ليس فقط توزيع الحرامات والسلع الأخرى، بل وحرقها أيضاً، يبدو انه كان نتيجة تدفق السلع الأوروبية واحتمال تكديس ثروة زائدة من جانب الذين يتعاملون مع البيض. واليوم أُعيدت ممارسة احتفالات بوتلاتش ف? مواطن قبلية عديدة في الشمال الغربي احتفالاً بتقديم الشكر واكتساب الشرف من خلال العطاء.

تُذكرنا الاحتفالات، من خلال الأغاني، والقصص، والرقص، والملابس، ومن خلال السلوك الطقسي والتضحية، بأننا نشكل كياناً واحداً مع كل شيء يحيط بنا. أن نكون على توازن في داخلنا ومع العالم المحيط بنا هو الطريق الصحيح والطبيعي. نستطيع من خلال الاحتفالات أن نعترف بالتوازن وأن نستعيده في نفس الوقت.

قصصنا تتذكر، بقلم جوزيف بروشاك

حقوق النشر 2003، دار فولكروم للنشر، جميع الحقوق محفوظة.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي