التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

22 حزيران/يونيو 2009

لغتان في الذهن، واحدة فقط في القلب

 
المؤلفة الروائية لويز إردريتش في مكتبتها بمنيابوليس. حياة الأميركيين الأصليين توفر لها المغازي التي تكتب عنها رواياتها.
المؤلفة الروائية لويز إردريتش في مكتبتها بمنيابوليس. حياة الأميركيين الأصليين توفر لها المغازي التي تكتب عنها رواياتها.

بقلم لويز إردريتش

لويز أردريتش، التي تتحدر من قبيلة ترتيل ماونتين أوجيبوي، هي مؤلفة لأكثر من اثنتي عشرة رواية، ومُذكرات، وشِعر وكُتب أطفال وتُعتبر من الكُتّاب الأميركيين الأصليين الرئيسيين. حققت شهرتها الأولى من خلال كتابها "لاف مديسين" (1984) الذي حاز على جوائز. تملك مكتبة بيرشبارك بوكس وهي مكتبة صغيرة مُستقلة في مينيابوليس، منيسوتا. تكتب في هذا المقال حول الإلهام الذي تستمده من لغة أوجيبويموين (أوجيبوي)، لغة قبيلة شيبوا.

وقعت منذ سنوات في حب لغة أخرى غير اللغة الإنجليزية التي أكتب بها، وهذه العلاقة صعبة. في كل يوم أحاول تعلّم القليل من لغة أوجيبوي. اعتدت أن أحمل في حقيبتي جداول تصريف الأفعال مع دفتر ملاحظات صغير احتفظ به دائماً لكتابة الأفكار لكتبي، الأحاديث التي أسمعها، بقايا اللغة، والعبارات التي تراودني فجأة. الآن، أصبح دفتر الملاحظات الصغير يتضمن عددا متزايدا من كلمات لغة أوجيبوي. لغتي الإنجليزية غيورة، أما لغتي الأوجيبوي فمراوغة. وتماماً كعاشق خائن مُحاصر، أحاول أن أرضي اللغتين.

كان باتريك غورنو، جدي لوالدتي الذي ينتمي إلى قبيلة ترتيل ماونتين أوجيبوي، آخر شخص في عائلتنا يتكلم لغة أوجيبويموين، أو أنيشينابيموين، لغة شيبوا، التي كان يستعملها بصورة رئيسية في صلاته. وبما أنني ترعرعت خارج المحمية، اعتقدت أن أوجيبويموين كانت بصورة رئيسية لغة للصلاة، تماماً مثلما كانت اللاتينية في الطقوس الدينية الكاثوليكية. لم أدرك لسنوات عديدة أن لغة أوجيبويموين لغة مُستعملة في كندا، ومنيسوتا، وويسكونسن رغم أن عدد الناس الذين يتحدثون بها يتضاءل. عندما بدأت أدرس هذه اللغة، كنت أعيش في نيو هامبشاير، لذلك استعملت خلال السنوات القليلة الأولى أشرطة تسجيل لتعلّم هذه اللغة.

لم أتعلّم أكثر من بضع عبارات مجاملة بهذه الطريقة، ولكن وَقْع اللغة المُسجّل بالصوت الهادئ الجليل للكاتب باسيل جونسون من قبيلة أنيشينابه ساعدني عبر نوبات الحنين إلى الوطن. تحدثت بلغة أوجيبوي الأساسية وأنا لوحدي في سيارتي أسافر هنا وهناك على الطرق المتعرجة لنيو انغلند. وكنت حينئذٍ، كما الآن أحمل أشرطة التسجيل معي إلى كل مكان.

دخلت اللغة بعمق إلى قلبي، ولكن هذا التوق لم يتحقق. لم يكن لدي أي شخص لأتحدث معه بهذه اللغة، أي شخص يتذكر جدي منتصباً بغليونه المُقدّس في الغابة بالقرب من شجرة البلسان وهو يتحدث مع الأرواح. لم أجد شخصاً يتحدث لغة أوجيبوي لأتعلم معه، ولم أجد معلما لهذه اللغة إلى أن عدت إلى الغرب الأوسط واستقر بي الحال في مينيابوليس.

معلّم مُلهم

جيم كلارك، أو نآوى-غييزيس، أو مركز اليوم، الأوجيبوي المتقدم في السن من ميل لاكس هو مُحارب قديم شارك في الحرب العالمية الثانية، ويتميز ببهجته الجذابة ووجهه المشرق وشعره القصير جداً ولطفه الغامض الذي يظهر في أقل إيماءة يقوم بها. عندما يضحك، كل شيء حوله يضحك، وعندما يكون جدياً تستدير عيناه مثل الصبي الصغير.

عرفني نآوي-غييزيس بالذكاء العميق للغة وأطلقني إلى الأبد في سعي لأتحدث بها لسبب واحد: أريد أن أفهم النكات. أريد أيضاً أن أفهم الصلوات والأديسو كآنوغ، القصص المقدسة، لكن القسم الذي لا يقاوم من اللغة بالنسبة لي هو تفجّر المرح الصاخب الذي يرافق كل دقيقة تمضيها في زيارة لفرد من قبيلة أوجيبوي. وبما أن معظم المتحدثين بها يتكلمون اليوم لغتين، تطعّم اللغة بتلاعب على الكلمات في اللغتين الإنجليزية والأوجيبوي، ومعظمها يتلاعب بغرابة الغيشي-موكومان، أي  السكين الكبيرة أو العادات والسلوك الأميركي.

هذه الرغبة في تعميق معرفتي بلغة بديلة وضعتني في علاقة غريبة مع حبي الأول، اللغة الإنجليزية. فهي في النهاية اللغة الملقنة في أفواه أسلاف والدتي. واللغة الإنجليزية هي السبب الذي جعلها لا تتكلم بلغتها الأصلية، وهي السبب في أني بالكاد أتكلمها. اللغة الإنجليزية لغة تلتهم كل شيء وقد انتقلت عبر أميركا الشمالية مثل أسراب الجراد المذهلة التي غطت السماء والتهمت حتى مقابض الرفوش والمعادن. مع ذلك فالطبيعة الملتهمة للغة الاستعمارية هي هبة للكاتب. ولكوني تربيت على التكلّم باللغة الإنجليزية، فإني أشارك في احتفال هجين.

قبل مئة عام، كان معظم أفراد قبيلة أوجيبوي يتكلمون لغة أوجيبويموين، ولكن مكتب الشؤون الهندية والمدارس الداخلية الدينية عاقبوهم وحقروا الأولاد الذين يتحدثون بلغتهم الأصلية. نجح البرنامج ولا يوجد الآن أي مُتحدّث طلِق اللسان بلغة أوجيبوي في الولايات المتحدة تحت سن الثلاثين. يقدّر متحدثون مثل نآوي-غييزيس اللغة جزئياً لأنها أُهملت من قبل هذا العدد الغفير من الناس. واضطر المتحدثون الطليقو اللسان أن يحاربوا في سبيل لغتهم بأجسادهم، وأن يتحملوا السخرية والخجل وتعهدوا لأنفسهم بإصرار للاستمرار في التحدث بهذه اللغة.

اللغز العظيم

علاقتي هي بالطبع مختلفة جداً. كيف تعود إلى لغة لم تتعلمها ابداً؟ لماذا يتوجب على كاتبة أحبت لغتها الأولى أن تجد من الضروري والأساسي تعقيد حياتها بلغة أخرى؟ أسباب بسيطة، شخصية وغير شخصية. وجدت خلال السنوات القليلة الماضية أني لا أستطيع ان أتحدث مع  الله سوى بهذه اللغة، وأن استعمال جدي لها اخترقني نوعاً ما. صوتها يريحني.

الشيء الذي تسميه قبيلة أوجيبوي "غيزهه مانيدو"، أي الروح العظيمة المُحبة التي تسكن في كل شيء حي، وما يسميه أفراد قبيلة لاكوتا "اللغز العظيم"، يرتبط بالنسبة لي مع انسياب لغة أوجيبويموين. تربيتي الكاثوليكية أثرت فيّ فكرياً ورمزياً، ولكنها على ما يبدو لم تؤثر على قلبي.

هناك أيضاً ما يلي: أوجيبويموين هي إحدى اللغات القليلة المتبقية التي تطورت إلى اللغة الحالية المستعملة في أميركا الشمالية. تكيف ذكاء هذه اللغة على نحو لم يحصل مثله في أي لغة اخرى مع الفلسفة المرتبطة بالأرض، البحيرات، الأنهار، الغابات، النجود القاحلة الشمالية ومع الحيوانات وعاداتهم الخاصة، ومع ظلال المعاني في وضع الحجر بالذات. وكوني كاتبة من أميركيا الشمالية، من الضروري بالنسبة لي أن أحاول فهم علاقتنا الإنسانية بالمكان وفق اعمق طريقة ممكنة، من خلال استعمال أداتي المفضلة، ألا وهي اللغة.

توجد أسماء أماكن بلغتي اوجيبوي وداكوتا لكل مظهر مادي في منيسوتا، بما في ذلك الإضافات الجديدة كالحدائق العامة في المدن والبحيرات التي رفع منها الطين. لغة اوجيبويموين ليست لغة ساكنة، ولا محصورة بوصف عالم ماضٍ بعيد المنال ومقدس. توجد فيها كلمات تشير إلى البريد الإلكترونى، الكمبيوتر، الإنترنت، الفاكس. وللحيوانات الغريبة في  حدائق الحيوانات. "أنآميبيينغ، أو خنزير تحت الماء، تعني فرس الماء. "ناندوكومشيينه"، أو صائد القمل، تعني السعدان.

توجد كلمات للصلاة تستعمل في برامج من 12 خطوة وترجمات لأغاني حضانات الأطفال. أنواع الناس، من غير أفراد قبÝلة أوجيبوي او انيشينابه مذكورين أيضاً: "أئيبئيشآبو كوينينيواغ"، أو ناس الشاي، هم الآسيويون. "أغونغوسينينيواغ ناس الصيدناني (حيوان صغير مخطط الظهر)، هم الاسكندنافيون. لا زلت أحاول ان أجد سبب هذه التسمية.

تعقيد لغة أوجيبويموين

لسنوات، لم أكن أرى سوى السطح الخارجي للغة أوجيبويموين. عند إجراء أي دراسة، ينظر الشخص بعمق إلى مجموعة معقدة مذهلة من الأفعال. لغة أوجيبويموين هي لغة الأفعال. كلها أعمال. ثلثا الكلمات هي أفعال، ولكل فعل يوجد حوالي 6 آلاف شكل. عاصفة أشكال الأفعال تجعل منها لغة يمكن تكييفها بصورة مفرطة ودقيقة للغاية. "شانجيت-إيج" تصف الطريقة التي تتبعها البطة لتلقي بنفسها في الماء ومؤخرتها أولاً. توجد كلمة أيضاً لما يمكن أن يحدث إذا وقع رجل عن دراجة نارية وفي فمه غليون ودخلت ساق الغليون عبر مؤخرة رأسه. يمكن وجود فعل لأي شيء.

عندما يصل الأمر إلى الأسماء، نتنفس الصعداء. لا توجد أسماء كثيرة. من خلال صوابية متواضعة ان لم تكن غير متعمدة سياسياً، لا توجد تسميات تميز الجنس في لغة اوجيبويموين، ولا توجد فيها صيغ للملك او أدوات للتعريف تميز بين الأنثى أو الذكر.

تعرف الأسماء بصورة رئيسية على انها اما حية او ميتة، متحركة او غير متحركة. وكلمة حجر، أسين، هي متحركة. تدعى الأحجار جدودا وجدات وهي مهمة للغاية في فلسفة أوجيبوي. عندما بدأت التفكير بالأحجار على انها متحركة، بدأت أتساءل ما إذا كنت التقط حجراً او انه كان يضع نفسه بين يدي. الحجر لا يعني نفس الشيء لي باللغة الإنجليزية. لا أستطيع ان اكتب عن حجر بدون ان أنظر إليه بلغة أوجيبوي واعترف بأن عالم قبيلة أنيشينابه قد بدأ بحديث بين الحجر.

لغة أوجيبويموين هي أيضاً لغة عواطف، ظلال من الأحاسيس يمكن مزجها كالطلاء. توجد كلمة لما يحدث عندما يبدأ قلبك بذرف الدموع بصمت. لغة أوجيبوي تصف جيداً الحالات الفكرية والنقاط الدقيقة للمسؤولية الأخلاقية.

"أوزوزامنيمأ" تعود إلى سوء استعمال مواهب الشخص وخروجها عن السيطرة. أوزوزاميشيغه تعني ضمناً انه لا زال بإمكانك أن تصحح الأمور. هناك العديد من أنواع الحب اكثر مما يوجد في اللغة الإنجليزية. هناك ظلال لا تحصى من المعاني العاطفية لتسمية مختلف أعضاء العائلة والعشيرة. إنها لغة تعترف أيضاً بإنسانية الله المخلوق، والنشاط الجنسي السخيف والرائع.

زحفت اللغة إلى كتاباتي، بصورة بطيئة، فبت استبدل كلمة من هنا ومفهوماً من هناك، وبدأت تترك أثرها. فكرت بالطبع بكتابة قصص بلغة أجيبوي مثل "نابوكوف" معكوسة. وبما أن معرفتي بلغة أوجيبوي ليست سوى بمستوى طفل حالم بعمر 4 سنوات، فربما لن اكتب هذه القصص.

مع أن هذه اللغة لم تكن في الأصل لغة مكتوبة، فقد كيفها الناس مع الأبجدية الإنجليزية وكتبوها حسب الأصوات. خلال الحرب العالمية الثانية كتب نآوي-غييزيس رسائل بلغة أجيبوي إلى عمه من أوروبا. تحدث بحرية عن تحركاته نظراً لعدم استطاعة أي مراقب مطبوعات أن يفهم ما يكتبه.

ومؤخراً تمّ ضبط نظام تهجئة لغة أجيبوي وفقاً لقواعد متعارف عليها. ورغم ذلك، فإن كتابة فقرة واحدة باستعمال الأفعال في أشكالها المبهمة الصحيحة تستغرق مني يوماً كاملاً. وحتى مع ذلك، توجد لهجات عديدة للغة أجيبوي بحيث أُعتبر بالنسبة للعديد من المتحدثين بها بأني أكتبها بصورة خاطئة.

وبقدر ما كان نطقي بلغة أجيبوي يبدو مروعاً بالنسبة لمتحدث طلق، لم أواجه مطلقاً لحظة تململ أو سخرية. ربما كان الناس ينتظرون خروجي من القاعة. ولكن على الأرجح، حسب ما اعتقد، هناك استعجال لمحاولة التحدث بهذه اللغة. بالنسبة للمتحدثين بلغة أجيبوي فإن اللغة هي كيان يحبونه بعمق. هناك روح أو عبقري خالق لكل كلمة.

قبل محاولة التحدث بهذه اللغة، على الدارس ان يعترف بهذه الأرواح عبر تقديم هدايا من التبغ والطعام. أي شخص يحاول تعلم لغة أجيبويموين يشارك في شيء يفوق تعلم كيفية تحريك لسانه. مهما كانت أسمائي غريبة، وأفعالي غير مستقرة، وتفوهي بالكلمات متعثراً، فإن المشاركة في اللغة تعني مشاركة الروح. ربما ذلك هو ما يعرفه أساتذتي، وما سوف تسامحه لغتي الإنجليزية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي