التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

18 حزيران/يونيو 2009

القوميات الأصلية في القرن الواحد والعشرين

 
العراقة تختلط بالحداثة: أميركي هندي يرتدي الزي الخاص بسكان أميركا الأصليين يهبط من سلم كهربائي.
العراقة تختلط بالحداثة: أميركي هندي يرتدي الزي الخاص بسكان أميركا الأصليين يهبط من سلم كهربائي.

بقلم ويلما مانكيللر

ويلما مانكيللر هي الرئيسة السابقة لموطن الشيروكي وأول امرأة تتولى هذا المنصب. مؤلفة نُشرت كتبها وناشطة في الدفاع عن حقوق القوميات الأصلية منذ زمن طويل. منحت في عام 1998 الميدالية الرئاسية للحرية.

ماذا يحمل المستقبل للشعوب الأصلية في العالم وماذا يعني أن يكون الشخص من سكان البلاد الأصليين في القرن الحادي والعشرين؟

سوف تختلف الإجابات على هذه الأسئلة بدرجة كبيرة بين القوميات الأصلية الموجودة في كل منطقة تقريباً من العالم والذي يتراوح عددها بين 250 و300 مليون نسمة. يوجد تنوع هائل بين المجموعات المختلفة للقوميات الأصلية البالغ عددها 5000 تقريباً، حيث تملك كل واحدة منها تاريخاً ولغة وثقافة ونظام حكم وأسلوب حياة خاص بها. وفي حين تستمر بعض القوميات الأصلية في العيش بالاعتماد على صيد السمك، وصيد الطيور، وجمع الغذاء، فإن الآخرين يديرون مؤسسات متشعبة.

تواجه المجموعات الأصلية عبر الكرة الأرضية بعض التحديات المشتركة في كفاحها لحماية أراضيها ومواردها الطبيعية وممارساتها الثقافية. وتصبح المعركة لحماية الحقوق الإنسانية والأراضي للقوميات الأصلية أشد صعوبة لدرجة يتعذر قياسها نتيجة الواقع الذي يظهر أن القليل من الناس يعرفون الشيء الكثير حول تاريخ هذه القوميات وحياتها المعاصرة. فبدون وجود أي سياق تاريخي أو ثقافي، من غير الممكن تقريباً فهم المسائل الحالية المتعلقة بهذه القوميات.

المشاكل متجذرة في الاستعمار

عند التأمل في التحديات التي تواجهها القوميات الأصلية عبر العالم، من المهم التذكّر أن العديد من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يمكن إيجادها في السياسات الاستعمارية. ترتبط القوميات الأصلية في العالم بالتجربة المشتركة "لاكتشافهم" وإخضاعهم للتوسع الاستعماري في أراضيهم مما أدى إلى خسارة عدد لا يحصى من الأرواح والملايين من هكتارات الأراضي والموارد. تمّ التنكر لحقوقهم الأكثر أساسية وأُخضعوا لسلسلة من السياسات التي صممت لاستيعابهم في المجتمع الاستعماري والثقافة الاستعمارية. وفي أحيان كثيرة كان إرث هذه السياسات الفقر، ومعدل وفيات الأطفال المرتفع، والبطالة المتنامية، والإفراط في تعاطي المواد المسببة للإدمان مع كافة المشاكل التي ترافق ذلك.

نتيجة العمل الدؤوب للعديد من القوميات الأصلية ومجموعات الدفاع، صوتت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة على تبني الإعلان العالمي لحقوق القوميات الأصلية في 13 أيلول/سبتمبر، 2007. وفي حين صوتت الغالبية العظمى من الدول لصالح هذا الإعلان، فإن الولايات المتحدة، ونيوزيلندا، وكندا واستراليا قد صوتت ضده. ولكن موقف هذه الدول الأربع قد بدأ يتغير. أعلن مؤخراً كيفن رود، رئيس وزراء استراليا، ان استراليا سوف تصادق على الإعلان الأمر الذي شكّل خطوة مهمة بالنسبة للشعب الأصلي في تلك البلاد، كما للقوميات الأصلية في كافة أنحاء العالم. ومع انتخاب الرئيس باراك اوباما عام 2008، يأمل العديدون بأن تعيد الولايات المتحدة النظر في تصويتها ضد القرار.

يحمي إعلان الأمم المتحدة حق تقرير المصير والحقوق المتعارف عليها بموجب معاهدات القوميات الأصلية، بالإضافة إلى حقها في "حرية السعي لتحقيق تطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي". وعندما يسعون وراء هذه الحقوق،  فإن مسألة الحصول والسيطرة على أراضيهم الموروثة تشكل نقطة مركزية لجهود تقرير المصير للقوميات الأصلية، بدءاً بقبائل مانيبوري في الهند ومروراً بشعب الأنديز في البيرو، والإكوادور وبوليفيا.

وعندما تستعيد القوميات الأصلية السيطرة على مساحات أكبر من أراضيها ومواردها، فإنها تعمل على تطوير اقتصادها وإعادة بناء مجتمعاتها المحلية ومواطنها. وفي حين أنه يوجد العديد من المقاولين الفرديين الذين ينتمون إلى هذه القوميات الأصلية، يوجد أيضاً عدد ملحوظ من شركات الأعمال التي تملكها حكومات او مجتمعات قبلية. تتراوح هذه الشركات بين تعاونيات حياكة نسائية على ضفاف نهر ريو نيغرو في البرازيل وشركات المتاجرة بالأسماك لشعب لوو في كينيا. تقام المعارض السنوية لمنتجات القوميات الأصلية في وينيبيغ، بكندا وملبورن بأستراليا. في الولايات المتحدة، يتم تمويل العديد من البرامج الاجتماعية والثقافية من إيرادات المشاريع التي تملكها القبائل مثل نشر الكتب ومتاجر التسوق والكازينوهات.

وعندما تقوم بتطوير الاقتصاد ومعالجة المسائل الاجتماعية، تضع القوميات الأصلية أهمية قصوى على المحافظة على الثقافة، اللغات، فنون المداواة، الأغاني والاحتفالات القبلية. ومن المثير للعجب أنه في وجه المحن الهائلة التي واجهتهم، احتفظ عدد كبير من القوميات الأصلية بالمعرفة التقليدية، والقيم الجوهرية التي ساهمت في استدامتهم عبر الزمن، كذلك ساعدت على الإحساس بالتماسك كشعب قبلي.

مسائل مشتركة

رغم اختلافاتها العديدة، تتشارك القوميات الأصلية عبر العالم ببعض القيم، ومن ضمنها شعور مجزأ أحياناً ولكنه موجود فعلاً في المعاملة بالمثل وإدراك واضح ان حياتهم تُشكِّل جزءاً لا يتجزأ من الأرض. هذا الإحساس العميق بالتكافل مع بعضهم البعض ومع كافة الأشياء الحيّة الأخرى يغذي الواجب والمسؤولية لحماية وللمحافظة على العالم الطبيعي الذي يعتبر مصدر إمداد مقدس للقوت والدواء والغذاء الروحي.

القيم لها أهمية في مجتمعات هذه القوميات، حيث لا يكون الأشخاص الأكثر احتراماً هم الذين جمعوا ثروة مادية او حققوا نجاحاً شخصياً عظيماً. بل يتم تخصيص فائق الاحترام إلى أولئك الذين يساعدون غيرهم، أولئك الذين يدركون أن حياتهم تعبر عن نفسها ضمن مجموعة من العلاقات المتبادلة.

تختلف أيضاً الطرق التي تحكم القوميات القبلية نفسها من منطقة إلى أخرى. ففي الولايات المتحدة توجد أكثر من 560 حكومة قبلية لها علاقات مباشرة من حكومة إلى حكومة مع الحكومة الفدرالية. تمارس هذه الحكومات مجموعة من الحقوق السيادية تشمل إدارة أنظمتها الثقافية وقوات الشرطة التابعة لها، وتشغيل المدارس والمستشفيات وإدارة مجموعة واسعة من المؤسسات التجارية. تخلق الحكومات القبلية عشرات الآلاف من فرص العمل وتضيف ملايين من الدولارات إلى اقتصاد الولايات التي تعمل فيها. يستفيد من هذه التقديمات كل فرد في المجتمع المحلي وليس فقط أبناء القبائل. ونجد تشابكاً بين تاريخ الحكومات القبلية وحياتها المعاصرة ومستقبلها في الولايات المتحدة وفي البلدان المجاورة.

تتنوع قاعدة الأرض للحكومات القبلية بين حكومة تسيطر على ملايين الهكتارات وحكومة لا تملك أكثر من 25 هكتاراً من الأرض. ويتراوح عدد السكان بين 250 ألف نسمة لقبيلتي النافاهو والشيروكي و100 نسمة لبعض الحكومات القبلية. من المهم الملاحظة ان عدد السكان او القاعدة الأرضية للحكومة القبلية السيدة لا يحدد الدرجة التي تتمتع بها بحقوق الحكم الذاتي. فكما ان إمارة موناكو الصغيرة تتمتع ببعض نفس الحقوق الدولية التي تتمتع بها الصين والولايات المتحدة، فالحكومات القبلية التي تملك قاعدة أرض صغيرة من السكان هي كيانات سيدة لها نفس السلطات التي تملكها قبيلة ذات عدد كبير من السكان او قاعدة أرض واسعة.

تواجه القوميات الأصلية خلال مسيرتها في القرن الحادي والعشرين العديد من التحديات الحرجة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ويتمثل أحد أكبر التحديات في تطوير نماذج عملية لالتقاط وحفظ أنظمة المعرفة والقيم التقليدية ونقلها إلى الأجيال القادمة. لا شيء يستطيع ان يحل محل الإحساس بالاستمرارية الذي يجلبه معه الفهم الحقيقي للمعرفة القبلية التقليدية. لا شك أنه في بعض مجتمعات القوميات الأصلية، قد فُقدت اللغات والاحتفالات وأنظمة المعرفة الأصلية ولا أمل في استرجاعها، ولكن في العديد من المجتمعات الأخرى لا زالت الثقافة تنبض بالحياة ، ولا زالت اللغة محكية ولا زالت تقام المئات من الاحتفالات التي تحيي ذكرى تغير المواسم في العالم الطبيعي وفي حياة بني البشر. في كل سنة تطور القوميات الأصلية عدداً أكبر من المشاريع للمحافظة على الأوجه المميزة للثقافة، كاللغة والأعشاب الطبية.

لاستشراف مستقبل هذه القوميات، ينبغي على المرء أن ينظر إلى الماضي. فإذا كانت هذه القوميات على درجة من التشبث بالبقاء بعد خسارة مذهلة في الأرواح، والأرض، والحقوق والموارد، فإنها تبدو مجهزة جيداً للبقاء مهما كانت التحديات الكامنة. في أقسام عديدة من العالم، تمكنت القوميات الأصلية من البقاء على قيد الحياة والازدهار أيضاً. ففي أميركا الجنوبية حيث يوجد حوالي 40 مليون شخص من القوميات الأصلية، يقود زعماء ذوو رؤية متبصرة ينتمون إلى هذه القوميات مثل ايفو موراليس، رئيس جمهورية بوليفيا، والحائزة على جائزة نوبل ريغوبرتا مينشو نهضة سياسية وثقافية.

يبدو المستقبل في الولايات المتحدة أفضل نوعاً ما بالنسبة للشعوب القبلية ويعود ذلك بجزء كبير منه إلى جهود الحكم الذاتي وتقرير المصير التي تقوم بها الحكومات القبلية. توجد قصص ملهمة عديدة حول قيام حكومات وقوميات قبلية بإعادة بناء وإنعاش مجتمعاتها المحلية ومواطنها.

أنجزت جامعة هارفرد حديثاً أكثر من عقد من الأبحاث الشاملة التي نشرتها في كتاب واعد يحمل عنوان "حالة المواطن الأصلية". تشير الأبحاث إلى ان معظم المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية تتحرك باتجاه إيجابي، وان العديد من الحكومات القبلية قوية، وان مستويات التحصيل العلمي تتحسن، وانه توجد نهضة ثقافية في العديد من المجتمعات القبلية.

وتجد داخل مجتمعات القوميات الأصلية العديد من المناقشات حول ما يعنيه ان تكون فرداً من القوميات الأصلية التقليدية الآن وما سوف يعني ذلك في المستقبل.

أن ينتمي الفرد إلى القوميات الأصلية في القرن الحادي والعشرين يعني ان يكون جزءاً من مجتمع واجه الفقر والاضطهاد المدمر عبر عقود من الزمن،  ومع ذلك يجد لحظات عديدة من النعمة والراحة في القصص واللغة والعادات والثقافة التقليدية.

أن ينتمي الفرد إلى القوميات الأصلية في القرن الحادي والعشرين يعني أن يكون عضواً في مجموعة تملك بعضاً من المعرفة هي الأثمن  والأقدم على وجه الأرض، شعب لا تزال لديه علاقة مباشرة مع الأرض وإحساس مرهف بالمسؤولية تجاهها.

أن ينتمي الفرد إلى القوميات الأصلية في القرن الحادي والعشرين يعني أن يثق بتفكيره من جديد ولا يعبّر فقط عن رؤيته للمستقبل بل يملك أيضاً داخل المجتمعات مجموعات المهارات والقدرات القيادية لجعل تلك الرؤية حقيقية.

أن ينتمي الفرد إلى القوميات الأصلية في القرن الحادي والعشرين يعني أن يكون لا يزال قادراً، رغم كل شيء، على ان يحلم بمستقبل يدعم فيه الناس في جميع أنحاء العالم حقوق الإنسان وتقرير المصير للشعوب الأصلية. يُمكن استعمار الأرض والموارد ولكن لا يمكن أبداً استعمار الأحلام.

أن ينتمي الفرد إلى القوميات الأصلية في القرن الحادي والعشرين يعني التواصل وتقاسم المعلومات التقليدية وأفضل الممارسات مع مجتمعات القوميات الأصلية في جميع أنحاء الأرض من خلال استعمال هاتف الانترنت، جهاز بلاك بيري، مواقع فايس بوك وماي سبيس ويو تيوب وكل أداة تقنية أخرى تصبح متوفرة.

أن ينتمي الفرد إلى القوميات الأصلية في القرن الحادي والعشرين يعني أن يكون مقاولاً، طبيباً، عالماً أو حتى رائد فضاء تطأ قدماه سطح القمر ثم يعود إلى الأرض للمشاركة في احتفالات أقامها شعبه منذ بداية التاريخ.

أنا امرأة أنتمي إلى القوميات الأصلية في القرن الحادي والعشرين وكما كان الأمر مع أسلافي كرست حياتي للعمل ضمن مجموعة من العلاقات المتبادلة مع أفراد من مجتمعي، موطن الشيروكي، عائلتي البيولوجية وعائلتي المختارة.

أن ينتمي الفرد إلى القوميات الأصلية في القرن الحادي والعشرين يعني تكريم أسلافنا الذين ابقوا رؤيتهم ثابتة حول المستقبل بغض النظر عما جرى ويجري الآن.

أن ينتمي الفرد إلى القوميات الأصلية في القرن الحادي والعشرين يعني الاعتراف بالظلم الذي مضى ولكن عدم السماح أبداً بأن يشلنا الغضب حول الماضي أو مجموعة التحديات التي تواجهنا اليوم.

يعني اتباع نصيحة أقربائنا، قبيلة الموهوك، الذين يذكروننا بأنه من الصعب رؤية المستقبل بوضوح والدموع تترقرق في مقلنا وعيوننا.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تمثل بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة الأميركية

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي