17 حزيران/يونيو 2009

بقلم جيس ويفر
جيس ويفر هو أستاذ في كلية فرانكلن لدراسات الدين والأميركيين الأصليين، وأستاذ قانون، ومدير معهد برنامج دراسات الأميركيين الأصليين في جامعة جورجيا، في أثينا بولاية جورجيا. يحمل شهادات جامعية في العلوم السياسية واللاهوت والقانون ولذلك تشعبت مواضيع أعماله. كتب أو حرر تسعة كتب ويعمل حالياً على تأليف كتاب مع زوجته، لورا آدمز ويفر حول نقل قبيلة الشيروكي من أرضها. كان مستشاراً للحلقة الثالثة "درب الدموع" من المسلسل الوثائقي "سوف نبقى" الذي أنتجته محطة الإذاعات العامة PBS عام 2009، والذي يعرض التاريخ من وجهة نظر هندية. تعود أصوله إلى قبيلة شيروكي.
عندما شاهد الأميركيون أخبار المساء على التلفزيون في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1969، صُدم معظمهم عندما علموا أن الهنود احتلوا السجن الفدرالي المهجور الموجود على جزيرة ألكاتراز في خليج سان فرانسيسكو. لم تكن دهشتهم بسبب حصول النشاط المتطرف لأن الأميركيين بحلول عام 1969 كانوا قد اعتادوا على مشاهدة الاحتجاجات على شبكات التلفزيون، بل كانت بسبب معرفتهم أن الهنود ما زالوا على قيد الحياة. بالنسبة للعديد من الأميركيين لم يظهر الهنود (أو بالأحرى الأميركيون الأصليون) مطلقاً إلى حيز الوجود في القرن العشرين قادمين من القرن التاسع عشر. لقد غاب عن بالهم أن الهنود ظلوا موجودين بعد انتهاء الحروب الهندية في عام 1890.
يمكن أن نغفر للأميركيين العاديين بسبب جهلهم. لم تفعل وسائل الإعلام أي شيء تقريباً لتغطية المسائل المتعلقة بالسكان الأصليين للولايات المتحدة. لم يشذ هنري لوس عن هذه القاعدة. فالناشر القوي النفوذ لمجلتي تايم ولايف كان يتبع "سياسة مُطلقة لا يمكن كسرها على ما يبدو ضد نشر أية قصص حول الهنود الموجودين في أي مكان في البلاد". اعتبر لوس ان الأميركيين الأصليين المعاصرين هم "دجالون"، وفقاً لألفين جوزيفي في دولة "هنود نيو إنغلاند: في ذلك الوقت" واليوم، وفي "قبيلة البيكو في جنوب نيو إنغلاند: سقوط وصعود أمة هندية أميركية". (1990).
استند الهنود الذين احتلوا سجن ألكاتراز في عملهم بصورة غير واضحة إلى مفهوم معاهدة فورت لارامي لعام 1869 التي وضعت حداً لحرب ريد كلاود رئيس قبيلة أوغلالا لاكوتا ضد الولايات المتحدة وسمحت للأميركيين الأصليين بالمطالبة بالمزيد من الأملاك الفدرالية. احتل الهنود الجزيرة لمدة 19 شهراً. وكانت الأولى بين عدة عمليات احتلال واحتجاج مماثلة.
لم تؤد هذه الأحداث إلى خلق يقظة لدى عامة السكان حول وجود أميركيين أصليين في عصرنا اليوم وحسب، بل استقطبت أيضاً الاهتمام في أروقة السلطة. في تموز/يوليو 1970 وفي رسالة خاصة إلى الكونغرس الأميركي، أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون (1969-1974) اتباع نهج جديد في السياسة الهندية للبلاد، وهي سياسة منحهم تقرير المصير. تشجعت القبائل الهندية عندها على إدارة شؤونها الخاصة. حلت هذه السياسة محل السياسة المتبعة طوال السنوات الخمس والعشرين الماضية ألا وهي "الإنهاء" التي أنهت الاعتراف بسيادة "الدول" الهندية، بقوانينها القبلية وبإشرافها على الأراضي. من خلال الاستيعاب والتشريعات، سعت حكومات الولايات والحكومة الفدرالية إلى وضع حد للعلاقة الخاصة بين القبائل والحكومة التي حددتها المعاهدات، وبصورة أساسية ألغت وجود الهنود كثقافات أصلية متميزة.
وبالفعل ظلت السياسة الحكومية تجاه السكان الأصليين للبلاد سياسة تتأرجح لمدة 233 سنة، بين تشجيع الاستمرار الثقافي والاستيعاب المقدام. ومع انتهاء عصر كل سياسة وتمهيد الطريق أمام العصر الذي يليه، كان الهدف في كل مرة حل المشكلة الهندية. بالنسبة لصانعي السياسات، تمثّلت المشكلة في تحديد الوضع الخاص للهنود والقبائل الهندية، أو ما يسمى في كندا "المواطنية-زائداً" (وهو قانون مماثل للقانون والسياسة في الولايات المتحدة). كانت القبائل الهندية هيئات مستقلة منفصلة ضمن النظام الفدرالي. كانت دولاً ضمن الدولة، وهذا الوضع قد ثبتته المعاهدات والدستور الأميركي. أفراد القبائل المعترف بها من الحكومة الفدرالية يكونون بذلك مواطنين مزدوجين للولايات المتحدة ولدولتهم الأصلية. سعى المشترعون في كل تغيير في السياسة إلى إخراج الحكومة الفدرالية من القضية الهندية.
السلطة على الهنود
من أجل فهم السياسة الهندية الأميركية ومركز الأميركيين الأصليين فهما حقيقيا، يجب على المرء أن يعود إلى الوراء، إلى ما قبل بداية الفترة الاستعمارية. بعد انتهاء الحرب الفرنسية والحرب الهندية عام 1763، تنازلت فرنسا عن "فرنسا الجديدة" (كندا والأرض الواقعة بين نهر المسيسيبي وما يسمى الجبال الشرقية) إلى بريطانيا العُظمى، ومن أجل إدخال النظام إلى الأراضي المكتشفة حديثاً، أصدر الملك جورج الثالث مرسوما ملكياً ينص على منع الأفراد أو المستعمرات من شراء أو الاستيلاء على أراضٍ من الهنود. وهو بذلك أصبح التاج الوحيد الذي يحق له أخذ الأراضي من الهنود، وكانت هناك طريقة واحدة فقط للحصول عليها وهي تتمثل في توقيع معاهدة تتنازل بموجبها القبيلة عن أراضيها. كما سعى الإعلان الملكي إلى إنشاء "خط دائم لاستيطان البيض" في شمال أميركا. كان هذا الخط بالنسبة للمستعمرات الأميركية الثلاث عشرة سلسلة جبال أبالاشيا التي تحدد الحدود الفاصلة وقد تمّ انتهاكه حتى قبل تحديده.
بعد الثورة الأميركية (1775-1783)، اتبعت الولايات المتحدة خطى بريطانيا. خول الدستور الأميركي (المادة 1، الفصل 8) الكونغرس سلطة تنظيم التجارة مع القبائل الهندية. مع مرور الزمن، فسرت المادة على أنها تمنح الحكومة الفدرالية سلطة حصرية شاملة على الهنود. في عام 1790 صادق الكونغرس على قانون التجارة والعلاقات الذي عكس مضمون المرسوم الملكي. كتب جورج واشنطن قبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة ان السياسة والواقع العملي يشيران بقوة إلى ... أنه من الأفضل شراء أراضيهم بدلاً من محاولة طردهم منها بقوة السلاح خارج بلادهم، وهو عمل يشبه، وفق ما شهدناه، طرد الوحوش البرية من الغابات الذين سوف يعودون إليها حالما تتوقف مطاردتهم ويهاجمون ربما من بقي في هذه الغابات وعندما تتمدد مستوطناتنا بصورة تدريجية سوف يؤدي ذلك بالتأكيد إلى انسحاب الوحش كما الذئب وكلاهما وحش مفترس رغم اختلافهما في الشكل (جورج واشنطن، رسالة إلى جيمس دوان، 7 أيلول/سبتمبر 1783، مقتبسة عن فرانسيس بول بروشا، محرر، "وثائق حول السياسة الهندية للولايات المتحدة" (1990)).
اتبع الرئيس واشنطن (1789-1797) سياسة استيعاب الهنود في مكان وجودهم، وتمدينهم ودمجهم في الدولة الجديدة التي كانوا فيها.
رغم أن موقف واشنطن بقي السياسة الرسمية لمدة 40 سنة حتى تاريخ بدء إدارة الرئيس توماس جيفرسون (1801-1809)، ظهرت إشارات تدل على التغيير. كتب جيفرسون مردداً صدى سياسة واشنطن ولكن مُلمحاً إلى سياسة جديدة: سوف تحيط مستوطناتنا بصورة تدريجية بالهنود وتقترب منهم، ومع مرور الوقت عليهم إما أن يندمجوا معنا كمواطنين للولايات المتحدة أو سوف نقوم بنقلهم إلى أماكن أبعد من نه? Ãلمسيسيبي. لا شك ان الوضع السابق يعني إنهاء تاريخهم السعيد جداً لهم (توماس جيفرسون، رسالة إلى وليام هنري هاريسون، 27 شباط/فبراير 1803). بعد أن اشترى ولاية لويزيانا، اقترح حتى جعل نهر المسيسيبي الخط الدائم الجديد لاستيطان البيض في أميركا الشمالية. مع أن جيفرسون تخلى بسرعة عن الفكرة، أصبحت عملية نقل الهنود إلى الغرب جزءاً من النقاش العام وازداد عدم إمكانية تجنّب اتباع هذه السياسة. في عام 1830، صادق الكونغرس على قانون نقل الهنود. من عام 1831 حتى عام 1839 أُعيد إسكان القبائل الرئيسية في الجنوب الشرقي، المُسماة القبائل المتمدنة الخمس، في الأراضي الهندية (أوكلاهوما في الوقت الحاضر). صممت عملية النقل لهدف إزالة عائق يقف في سبيل استيطان البيض، ولكن كان القصد منها أيضاً السماح للدول الأصلية بالاحتفاظ بحكوماتها وثقافتها خارج نظام الولايات المتحدة.
تراجع الدعم لعملية النقل، ويعود الأمر بصورة رئيسية إلى وحشية الترحيل القسري لقبيلة الشيروكي إلى الغرب، هذه الرحلة التي عرفت فيما بعد بدرب الدموع. بعد عام 1839، سيطرت على برنامج العمل السياسي الخلافات الإقليمية بين الشمال والجنوب التي أدت بالتالي إلى اندلاع الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865). أهمل البحث بقضية الهنود بدرجة كبيرة. لكن بعد انتهاء الحرب الأهلية بدأ من جديد التوسّع باتجاه الغرب وبرزت مرة أخرى ضرورة نقل الهنود لكونهم يشكلون عوائق أمام استيطان البيض. أدخل هذا العمل الولايات المتحدة في فترة سياسة المحميات.
كان القصد من المحميات أن تكون إجراءات مؤقتة بينما يتم إعداد الهنود للمواطنية من خلال تعليمهم فنون الزراعة والعلوم الميكانيكية. أمسكت الحكومة الفدرالية بالمحميات بصورة مجتمعة وأصبحت وصية عليها نيابة عن الهنود القاطنين هناك. في عام 1887، وكأداة إضافية لتمدين السكان الأصليين، قرر الكونغرس منحهم أملاكاً خاصة. بموجب قانون التخصيصات العامة، تمت تجزئة المحميات إلى قطع صغيرة مُنحت إلى أميركيين أصليين أفراد كما وإلى عائلات الأميركيين الأصليين. مع التخصيص، عاد عقرب ساعة السياسة إلى الاستيعاب القسري. في عام 1901، أطلق الرئيس ثيودور روزفلت "آلة ساحقة جبارة لتقطيع الكتلة القبلية" (ثيودور روزفلت، أول رسالة سنوية إلى الكونغرس، 3 كانون الأول/ديسمبر 1901). نتيجة التخصيص، أصبحت بين عام 1887 وعام 1934 نسبة 60 بالمئة من الأراضي الهندية خارج أيدي القبائل الأصلية.
الصفقة الجديدة للهنود
وكما حصل بالنسبة لكل سياسة سبقتهما، فشل مبدأ المحميات والتخصيصات في تحقيق الأهداف المطلوبة وحل المشكلة الهندية. تحوّلت الرياح السياسية، وتُرك الأمر لابن عم الرئيس ثيودور روزفلت لإرجاع السياسة باتجاه المحافظة على سياساتهم وثقافاتهم. خلال رئاسة فرانكلين روزفلت (1933-1945)، صمم وزير الداخلية هارولد آيكس مع مفوض الشؤون الهندية جون كوليير الصفقة الجديدة للهنود.
كان الحجر الأساس في الصفقة الجديدة للهنود قانون إعادة تنظيم القبائل الهندية للعام 1934. شجع القانون القبائل على وضع مسودات خطية لدساتيرها وحكم نفسها، بإشراف مكتب الشؤون الهندية. رغم ان بعض دول القبائل عارض قانون إعادة تنظيم القبائل الهندية لكونه ينتهك السيادة القومية القبلية، فإن حقبة السياسة الجديدة مثلت تغيراً رئيسياً إلى الأفضل. أنهى القانون أيضاً التخصيص وشرّع ممارسة الديانات التقليدية للهنود (التي حُرمت ممارستها خلال فترة تخصيص الأراضي).
وكما أن الأحداث التي سبقت الحرب المدنية أخرجت الهنود من الأجندة السياسية، كذلك فعلت الحرب العالمية الثانية. خلال السنوات التي تبعت الحرب، أعادت القوى التي حاربت سيادة القبائل الأصلية تأكيد نفسها وانطلقت إلى تفكيك الصفقة الجديدة للهنود. في عام 1948، أنشأ الكونغرس لجنة خاصة للحكم برئاسة هربرت هوفر. وعندما تولى منصب الرئاسة (1929-1933)، كان هوفر قد أوقف بصورة فعالة نظام التخصيص ولكنه لم يفعل شيئاً لتحقيق أي تغيير في السياسة. رغم المكاسب المحققة خلال إدارة فرانكلين روزفلت، أبلغ تقرير لجنة هوفر ثيودور روزفلت بالقول: "لقد أزيل الأساس للثقافة الهندية التاريخية. تحطّم التنظيم القبلي التقليدي قبل جيل... يجب ان يكون الاستيعاب هدف السياسية العامة. (مقتبسة في كتاب تشارلز اف ويلكنسون المعنون "كفاح الدم: نهوض الدول الهندية الحديثة (2005). سياسة "الإنهاء التي حاولت الحكومة الفدرالية بموجبها قطع علاقتها مع حكومات الدول الهندية، والقضاء فعلياً على القبائل، أصبحت سياسة فدرالية. العنصر الأساسي لهذه السياسة كان عملية النقل إلى أمكنة أخرى، وهو برنامج صمم لإغراء الهنود بالخروج من المحميات إلى المدن التي كانت في أمس الحاجة للأيدي العاملة. عين الرئيس هاري ترومان (1945-1953) ديلون اس ماير لإدارة برنامج الإنهاء وإعادة النقل كمفوض للشؤون الهندية. حصل ماير على خبرته السابقة مع الاقليات الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية عندما ترأس إدارة إعادة النقل خلال الحرب، وهي الوكالة التي أشرفت على إدارة معسكرات الاحتجاز للأميركيين اليابانيين. أدى التخصيص إلى خسارة نسبة 65 بالمئة من الأراضي الهندية بسبب برنامج الإنهاء وإعادة النقل، وتعيش في الوقت الحاضر نسبة تزيد عن 70 بالمئة من الاميركيين الأصليين خارج المحميات.
تقرير المصير
أنهى الرئيس جون اف كينيدي (1961-1963) جهود الإنهاء الفدرالية، ولكنه ترك للرئيس نيكسون أن يعلن تقرير المصير. بقيت هذه السياسة متبعة رسمياً حتى اليوم الحاضر. خلال السنوات الأربعين الماضية، تولّت دول السكان الأصليين بصورة متزايدة السيطرة على مصائرها، وحُكم نفسها بنفسها وحكم مواطنيها.
توجد اليوم 562 قبيلة معترف بها فدرالياً. مع ان التفاوتات في الفقر والعناية الصحية لا تزال تُشكِّل مشاكل خطيرة. حقق بعض القبائل استقلالاً اقتصادياً بفضل قرار محكمة العدل العليا في قضية "كاليفورنيا ضد عشيرة كابازون" التي تنتمي إلى قبيلة ميشين (1987) والذي نص على ان الولايات لا يمكنها ان تمنع ألعاب القمار على الأراضي الهندية ذات السيادة. وزادت دول القبائل منطقة السيادة القبلية.
حديثاً، وفي كتاب مهم، ناقش جيف كورنتاسل وريتشارد ويثمر ان عقارب الساعة السياسية قد استدارت مرة اخرى. وأكدا اننا نعيش في عصر "الفدرالية القسرية" لانه منذ عام 1988 مع إصدار قانون تنظيم ألعاب القمار الهندية (استجابة لقرار كابازون)، طلب الكونغرس من دول القبائل الهندية أن تتفاوض مع حكومات الولايات فيما يخص إنشاء الكازينوهات ويُشكَّل هذا تدخلاً من جانب الولايات في السيادة القبلية لم يحصل منذ سياسة الإنهاء.
مع أنه من المبكر في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما معرفة الاتجاه الذي سيتبعه في سياسته الهندية، فإن هناك إشارات تدل على أنه سوف يستمر في سياسة تقرير المصير وحتى إنه سيعززها. خلال الحملة الرئاسية للعام 2008، عبر الرئيس أوباما عن آراء تؤيد بقوة سيادة القبائل الأصلية. وقد عيّن لاري ايشوهوك، العالم القانوني والخبير في القانون والسياسة الفدرالية الهندية وينتمي إلى قبيلة باوني، رئيساً لمكتب الشؤون الهندية. رغم هذه الإشارات المشجعة، يظل الأميركيون الأصليون حذرين. فقد علّمهم التاريخ أنه، وإن لم يكن اليوم فعلى الأقل في وقت ما في المستقبل، سوف يتغير عقرب الساعة مرة أخرى من سياسة السيادة والبقاء إلى سياسة الاستيعاب والإفناء.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة الأميركية