التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

17 حزيران/يونيو 2009

التقاليد الحيّة لأميركا الأصلية

 
قماش مزين بالخرز من صنع عائد لقبيلة سيسيتون سو من كاليفورنيا يعود تاريخه إلى عام 1877.
قماش مزين بالخرز من صنع عائد لقبيلة سيسيتون سو من كاليفورنيا يعود تاريخه إلى عام 1877.

بقلم غابرييل تاياك

المؤرخة غابرييل تاياك هي أمينة للمتحف القومي للهنود الأميركيين (NMAI) في واشنطن. وهي تنحدر من قبيلة بيسكاتاواي، التي عاشت في منطقة خليج شيسابيك. جدها رئيس القبيلة تيركي تاياك (1895-1978) كان مداوياً تقليدياً. وهي تناقش في هذا المقال أهمية التصوير الدقيق لتاريخ وثقافة الشعوب الهندية الأصلية.

"أنا والأرض متفقان في الرأي."

- الزعيم جوزيف

الزعيم جوزيف (1840-1904) لعشيرة نيميبو التي تنتمي إلى قبيلة نيز بيرس عاش القسم الأكبر من حياته وسط تعديات المستوطنين البيض الذين تدفقوا على الولايات المتحدة الغربية في فورة ما يسمى بالبحث عن الذهب في التاريخ الأميركي. وعدت الحكومة الأميركية بحفظ أراضٍ لقبيلة نيز بيرس، بما في ذلك مواطنهم التقليدية التي أصبحت الآن ولايات أوريغون وواشنطن وأيداهو. لكن بحلول عام 1863، انخفضت مساحة الأراضي بحوالي 6 ملايين آكر ( 2.4  مليون هكتار) أي إلى عُشر مساحتها الأصلية. وافق الزعيم جوزيف على مضض على أن ينتقل للعيش في المحمية، ولكن ردة الفعل العنيفة للمحاربين الشباب دفعت الجيش الأميركي إلى ملاحقة أفراد قبيلة نيز بيرس. أرغم الزعيم جوزيف على الاستسلام عام 1877، رغم استراتيجيته العسكرية البارعة، لأن الجوع والبرد والمرض أضعفوا من قدرة المقاومة لأفراد قبيلته. تفوّه بالكلمات الواردة سابقاً خلال استسلامه. لم يُسمَح له أبداً بالعودة إلى وطنه المحبوب، والووا فالي. وفي الوقت الحاضر، لم يتمكن أفراد عشيرة نيميبو من البقاء على قيد الحياة فقط، بل يشاركون أيضاً في اقتصاد حديث من خلال صيد الأسماك، وقطع أشجار الغابات، والتعليم والتجارة. اعتقدت مجموعة منا تعمل في المتحف القومي للهنود الأميركيين في واشنطن العاصمة أن قصة الزعيم جوزيف وشعوره نحو الأرض يجب أن يكونا أول ما يصادفه الزوار عند دخولهم إلى المبنى.

أربعة أفكار رئيسية تساعد في فهم الوضع الماضي والحاضر للشعوب الأصلية: أولاً، لديهم ثقافات متنوعة موحدة في المفهوم تقوم على أن بني البشر يجب أن يكونوا المشرفين على العالم الحي. ثانياً، تحدد هويات الأفراد بمجتمعاتهم المحلية القبلية وهم مسؤولون أمامها. ثالثاً، شكلت صدمة المواجهات المدمرة مع المستوطنين الأوروبيين ما نحن عليه في يومنا الحاضر. وأخيراً، تستمر التعابير الخلاقة للقبائل الأصلية، المستعملة في الماضي والحاضر، في المساهمة في الثقافة والعلوم العالمية.

أميركا الأصلية، لكي نفهمها كعالم وصفه أمين المتحف القومي للهنود الأميركيين بول شات سميث (كومانشه)، هي "قديمة وحديثة وتتغير باستمرار."

يحدد حوالي 4 ملايين شخص أنفسهم على أنهم هنود أميركيون أو أنهم متحدرون من قبائل هندية أميركية. ينتشر الهنود الأميركيون عبر البلاد ولا تعيش نسبة 70 بالمئة منهم في المحميات، أي الأراضي التي خصصت للقبائل بموجب معاهدات. يتزاوج عديدون مع أشخاص من أصول إثنية وعرقية أخرى، ويمثل هذا التزاوج أعلى نسبة لدى أي مجموعة إثنية في الولايات المتحدة. رغم المكاسب الاقتصادية الأخيرة، وعلى وجه الخصوص من خلال نوادي القمار والكازينوهات التي سمحت لهم بها السيادة القضائية التي تملكها القبائل في محمياتهم، لا زال الهنود الأميركيون يعانون من صحة أضعف، ودرجة فقر أعلى، وتحصيل تعليمي أقل من أية قطاعات أخرى من سكان الولايات المتحدة.

تتنوع القبائل بدرجة هائلة، وتملك كل قبيلة ثقافتها التقليدية ولغتها وتاريخها وحكومتها. يسعى معظم السكان الأصليين لأميركا إلى تحقيق توازن بين الثقافات المتوارثة من الأسلاف والمشاركة في بيئة عالمية متزايدة الاتساع.

وبسبب التمييز وسوء الفهم في المجتمع الأوسع، ظل الأميركيون الأصليون لسنوات عديدة لا يلقون التقدير، وكان الاعتقاد بأن ثقافاتنا في طريقها للزوال، ولكن خلال السنوات الثلاثين الماضية، وبفضل الجهود الجماعية لأشخاص من كافة الخلفيات، بدأت تأتي حياة جديدة إلى القبائل في حقبة يتزايد فيها التعبير عن الذات. وكان متحفنا الذي فتح أبوابه عام  2004، نتيجة ذلك الكفاح. تأسس المتحف القومي للهنود الأميركيين بموجب قانون أصدره الكونغرس عام 1989. جلب المتحف مجموعة مقتنيات خاصة مهمة تضم ما يزيد عددها على 800 ألف قطعة إلى الإشراف العام تحت إدارة مؤسسة سميثسونيان. وربما الأهم من كل ذلك هو أن المتحف يجعل السكان الأصليين يتحدثون باسمهم لتفسير تواريخهم، وفلسفاتهم وهوياتهم إلى الجمهور العالمي.

يؤشر المتحف إلى حصول تحول عميق في تقدير الثقافات الأصلية. يلعب المتحف دوراً أساسياً في تثقيف الناس وتعريفهم بالسكان الأصليين من وجهة نظرهم الخاصة. وفي حين يصعب التطرق إلى الصور النمطية بين الراشدين، فإن أملنا الحقيقي يكمن في التشكيل المستقبلي لوجهات نظر الأطفال. تلاميذ المدارس يشكلون الجمهور الرئيسي لمتحفنا، ووزارة التعليم لدينا تعمل مع علماء ينتمون إلى قبائل من أجل إعداد مواد دقيقة لاستعمالها في الصفوف. تتوفر أيضاً موارد على شبكة الإنترنت، بما أن معظم الناس في البلاد لن تتوفر لهم الفرصة لقضاء الوقت في المتحف. وتبين هذه الموارد مجموعة متنوعة من الثقافات الأصلية المتعلقة بمواضيع في الفنون والعلوم. فعلى سبيل المثال، قد يكون أشخاص عديدون يعرفون الثقافة الأميركية ملمين بتقليد الاحتفال بعيد الشكر وبأنه عشاء خاص يقام في تشرين الأول/أكتوبر ويستند إلى التعامل السلمي الذي جرى في القرن السابع عشر بين الأميركيين الأصليين والمستوطنين البيوريتانيين. لكن حتى في الولايات المتحدة لا يُدرك إلاّ القليل من الناس أن فكرة الاحتفال بعيد الشكر تستند إلى ممارسة احتفالية يومية تقليدية يقوم بها السكان الأصليون للتعبير عن الشكر والمسؤولية عن الوفرة في العالم. مواسم مختلفة تجلب معها أعياد شكر مختلفة، مثل عيد الشكر للفراولة الذي تمارسه القبائل الشمالية الشرقية في كل شهر حزيران/يونيو.

العوالم الحية

"أتحدث بجمال، فأنا في سلام وتناغم"

- بَرَكة لقبيلة نافاهو

التعاليم العميقة للثقافات الأصلية المتنوعة تُعرَف في أحيان كثيرة بأنها "تعليمات أصلية" تعني بأن طرق الوجود في العالم نقلها إلى بني البشر خالق أو كائنات روحية أخرى. انتقلت هذه الأفكار من جيل إلى آخر بصورة شفهية، وتجسّدت في قصة، وأغنية أو رقصة لأن الهنود الأميركيين القاطنين شمال المكسيك لم تكن لديهم أنظمة للكتابة إلى أن تمّ اقتباس الأشكال الأوروبية للكتابة من قبل القبائل. لا توجد فلسفة واحدة للقبائل الأصلية، بل توجد المئات منها. العيش في توازن مع العوالم الطبيعية والروحية، واحترام دورنا في العالم كبشر، واعتناق المسؤولية العائلية والمجتمعية هي قيم ثقافية مشتركة القصد منها توجيه شعوبنا في عالم اليوم.

نعطي مثالاً على ذلك قبيلة النافاهو التي وردت بَرَكتها أعلاه، وهي تسمي نفسها "دينية" أو الناس. يعيش أفراد هذه القبيلة في محمية تبلغ مساحتها حوالي 7 ملايين هكتار (26 ألف ميل مربع) في المناطق القاحلة المحيطة بحدود ولايات أريزونا ونيو مكسيكو ويوتا. يبلغ حالياً عدد أفراد قبيلة النافاهو حوالي 300 ألف نسمة وهم يشكلون أكبر قبيلة في الولايات المتحدة. الناس أو "الدينية" الذين ينتمون إليها هم تقليدياً رعاة غنم وحائكون رغم أنه يمكنك اليوم رؤية أفراد منهم في كل مهنة وفي كل قارة. المبدأ الجوهري في فلسفة "دينية" هو "هوزهو" التي تبسط معناها باللغة الإنجليزية "بالجمال". ولكن هوزهو أشد تعقيداً من ذلك. فهي تنقل قيم الكمال والتوازن والتجدد. العديد من احتفالات وممارسات "دينية" تُكرّس لتجديد التناغم لدى الأفراد والمجتمعات الأهلية وفي العالم. ولذلك عندما يقول شخص "أتحدث بجمال" فإنه يعبر عن فكرة أكثر تعقيداً بكثير، عن أن أفكارهم يجب أن تكون متجددة وشاملة ومتوازنة. ومع استعادة "الدينية" السيطرة على أنظمة التعليم والحكم الخاصة بهم خلال العقود الماضية بدأوا يدخلون هذه الفلسفة في ما يجب أن يوجّه مدارسهم ومحاكمهم واقتصادهم.

فلسفات الشعوب الأصلية غنية ومتنوعة فالناس من جميع الخلفيات يبدون اهتماماً متزايداً في تعلم المزيد حول هذه الأنظمة القديمة التي لا زالت تحتفظ بصلتها بالموضوع. بالنسبة للقسم الأكبر من التاريخ الأميركي لسوء الحظ، كانت ديانات وفلسفات الشعوب الأصلية غير مفهومة في أحسن الحالات ومحرمة قانونياً في أسوأ الحالات. تعمل قبائل أصلية عديدة بجهد كبير لاستعادة التقاليد التي ضاعت وللمحافظة على ما بقي منها.

المجتمع المحلي

"أن يكون الشخص هندياً لا يعني أن يكون شيئاً ما من جزء، بل أن يكون جزءاً من شيء ما"

- أنجيلا غونزاليس (هوبي)، (2007)

العلاقات هي جوهر هوية الشعوب الأصلية. فالإحساس بالارتباط العائلي يمتد في أحيان كثيرة إلى أبعد مما نراه في الولايات المتحدة المعاصرة، التي تكون فيها معظم العائلات مصغرة، وتتألف بصورة أساسية من الوالدين والأطفال. في ثقافات الهنود الأميركيين، تشمل العائلة ليس فقط الأقارب بحكم الدم، بل وأيضاً العشيرة أو العلاقات المجتمعية. الانتماء إلى القبيلة يُشكِّل أيضاً المفتاح إلى الهوية التي تُحدّد استناداً إلى درجة الإرث الهندي، أو "كمية الدم" المقبولة للانتماء إلى القبيلة. أن يكون الشخص هندياً أميركياً لا يعني ببساطة أن يكون عضواً في مجموعة إثنية أو عرقية أوسع نطاقاً، بل وأيضاً أن ينتمي إلى مجتمع محلي معين يحدد عضويته. ترجع بعض القبائل أصولها عبر الأم، وأخرى عبر الأب، وتبنت قبائل أخرى القواعد التي وضعتها الحكومة الأميركية في أوائل القرن العشرين. كل قبيلة فريدة بحد ذاتها.

الأميركيون الأصليون والأميركيون الأفريقيون لديهم الكثير من الأشياء المشتركة لكونهم خضعوا لسياسات التمييز العنصري. كان العديد من الأميركيين الأوروبيين ينظرون إلى الأميركيين الأصليين والأميركيين الأفريقيين بأنهم أدنى منهم من الناحيتين البيولوجية والثقافية. وُضعت قوانين تمنع تزاوج البيض معهم، قوانين كان تطبيقها أشد صرامة بالنسبة للأميركيين الأفريقيين. ومن المثير للاهتمام هو أن كلا من الأميركيين الأصليين والأميركيين الأفريقيين كانوا يتقاسمون أساليب حياتية خاصة بهم، مكنتهم من إيجاد صلة مع بعضهم لدى أول لقاء. نجد في أوائل التاريخ الاستعماري بعض حالات التزاوج بينهم في منطقة ساحل الأطلسي. كما أن عملهم من أجل إلغاء نظام التمييز كان مترابطاً. وبتشجيع من حركة الحقوق المدنية التي نشطت في الستينات من القرن العشرين، بدأ كثيرون من الهنود الأميركيين بتنظيم حركات اجتماعية خاصة بهم لاستعادة حقوقهم. ربما كانت هوية الهنود الاميركيين أحد المواضيع التي أثارت أكثر النقاشات بين الهنود الأميركيين نفسهم. فالتوترات التي تثيرها الالتزامات تجاه مجتمع محلي قبلي والعيش في عصر العولمة المتغير بسرعة جعل أشخاصاً عديدين يشعرون بأنهم يلعبون باستمرار "في عالمين". مع ذلك، فعندما تغيرت السياسات والمواقف الاجتماعية بشأن قيمة ثقافات الهنود الأميركيين، بدأ الجيل الجديد من الأميركيين الأصليين يستكشفون أنهم يعيشون فعلاً في عالم واحد كشعب واحد يملك هوية قبلية يمكنها التكيّف مع أية ظروف.

تعبير

"الطريقة الهندية هي تقليد فكري"

- جون موهوك، حوالي العام 1990

تألق الثقافات الأصلية متشعب. يستطيع الفرد ملاحظة العبقرية الخلاّقة في الابتكارات الزراعية القديمة، والفن المعاصر ومفاهيم الحكم التي سادت قبل الاتصال بالبيض، أو تقاليد المحافظة على البيئة. كان لدى الشعوب الأصلية الكثير لتقديمه إلى العالم حتى وهم ينقلون هوياتهم القبلية والحقائق المعاصرة العالمية إلى عالم واحد.

___________

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة الأميركية

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي