15 كانون الثاني/يناير 2009
زعيم الحقوق المدنية الأميركية كافح في سبيل مبادئ قابلة للتطبيق أينما كان

من مايكل جاي فريدمان، المحرر في موقع أميركا دوت غوف
بداية النص
واشنطن،- في ثالث يوم إثنين من شهر كانون الثاني/يناير، يحتفل الأميركيون بذكرى ومنجزات القس مارتن لوثر كينغ (1929-1968) الحائز على جائزة نوبل للسلام في العام 1964 وأكثر من يرتبط اسمه بالانتصارات التي حققتها حركة الحقوق المدنية للإميركيين الأفريقيين في فترتي الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وكان كينغ، المنظم السياسي والخطيب المفوه والمنادي بالاحتجاج غير العنيف، محورا أساسيا في إقناع بني وطنه الأميركيين بإنهاء الفصل العنصري الذي ساد في الجنوب وفي أجزاء أخرى من مناطق البلاد، وفي إشعال جذوة التأييد لقانون الحقوق المدنية الذي وضع الإطار القانوني للمساواة العنصرية في الولايات المتحدة.
وتعتبر المناسبة عطلة فدرالية رسمية. وتصادف هذا العام 2009، يوم الاثنين 19 كانون الثاني/يناير اليوم السابق لتنصيب أوباما أول رئيس أميركي أفريقي للولايات المتحدة.
كان كينغ واحدا من أبطال العدالة الذين تجاوز تأثيرهم الحدود الوطنية. وهو كتلميذ لفلسفة ومبادئ اللاعنف التي أطلقها المهاتما موهاندس غاندي (1869-1948) سافر كينغ إلى الهند في العام 1959 حيث تعمق في دراسة أثر الرجل الذي وصفته أرملته كوريتا سكوت كينغ في ما بعد بـ"معلمه السياسي." وبالمقابل، أعلن نلسون مانديلا عند قبوله جائزة نوبل للسلام في العام 1993 أن كينغ كان سلفه الذي سبقه في بذل جهود حل مشكلة العنصرية والكرامة الإنسانية بعدل وإنصاف.

مارتن لوثر كنغ، الابن، هو ابن مارتن لوثر كينغ الأب الذي كان قسيسا شهيرا في أتلانتا بولاية جورجيا أيضا. حصل كينغ على شهادة الدكتوراه في علوم اللاهوت من جامعة بوسطن وهو في السادسة والعشرين من عمره. وبينما كان يعد أطروحته للدكتوراه في العام 1954 عرض عليه منصب راعي كنيسة دكستر أفنيو المعمدانية في مونتغومري بألاباما، فقبل. وفي مونتغومري أيضا وبعد سنة من إقامته فيها، سجنت الحائكة الأميركية الأفريقية روزا باركس لأنها رفضت أن تخلي مقعدها لراكب أبيض في حافلة ركاب تابعة للبلدية ومفصولة عنصريا. وأدى الحادث إلى مقاطعة أتوبيسات مونتغومري والتي رفض فيها أهالي المدينة من الأميركيين الأفريقيين مناصرة نظام الفصل العنصري بين ركاب الأتوبيس. وتزعم مارتن لوثر كينغ تنظيم حركة المقاطعة وقادها وأصبح وجه الحركة الظاهر ولقي قبولا بروح من الأخوة الأميركية عند البيض. وبرز كينغ كزعيم وطني قومي عندما قررت المحاكم الفدرالية على أثر رأي المحكمة العليا في قضية براون ضد مجلس التعليم أن الفصل العنصري في الأتوبيس غير دستوري.
وفي العام 1957، كان كينغ من بين مؤسسي مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية. وكان ذلك عبارة عن تحالف من القساوسة السود والكنائس الذين تضافروا للسعي في سبيل العمل المباشر اللاعنفي ضد الفصل العنصري. وكان أولئك القادة يأملون في تغيير الرأي العام وإكمال التحديات والقضايا القانونية للفصل العنصري التي كانت تتزعمها الرابطة القومية لتقدم الملونين. وأصبح كينغ قوة محركة في مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية وبرز كشخصية قادرة على جمع التبرعات وكمخطط سياسي بارع استطاع أن يحقق نجاحا في تكوين التحالفات مع البيض المتعاطفين في الشمال. وسافر كينغ في العام 1959 إلى الهند حيث قابل أتباع غاندي وعمل على صقل وتهذيب أفكاره بالنسبة لاحتجاج المجتمع بغير عنف.
نظّم كينغ بالتعاون مع مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية، عدة احتجاجات سلمية ضد مؤسسات الفصل العنصري. وفي أيار/مايو من العام 1963، أطلق مفوض الشرطة في بيرمنغهام بألاباما يوجين كونور الكلاب البوليسية وخراطيم الضغط العالي للمياه على المتظاهرين المسالمين الذين كان معظمهم من طلبة المدارس. وقد أثارت مشاهد ذلك الحدث موجة من السخط والاشمئزاز في أنحاء البلاد. واعتُقل كينغ خلال المظاهرة وصاغ في زنزانته مقولة رسالته الشهيرة "رسالة من سجن مدينة بيرمنغهام" التي قال فيها بأن الذي يخالف قانونا جائرا كي يستنفر ضمير مجتمعه "يكون في الواقع معبرا عن أسمى احترامه للقانون" شرط أن يتصرف "علنا وبنية حسنة وباستعداد لتقبل العقوبة." وفي شهر آب/أغسطس من تلك السنة، نظم الزعماء الأميركيون الأفارقة مسيرة إلى واشنطن للمطالبة بالأعمال والحرية. وهنا، وعلى مشهد مما يقدر بربع مليون مؤيد للحقوق المدنية احتشدوا عند نصب لنكولن التذكاري في واشنطن، ألقى كينغ خطابا ما زال يعتبر من أقوى وأبلغ الخطابات في التاريخ الأميركي. وقد تعلمت أجيال متعاقبة من طلاب المدارس سطورا من خطابه الجليل: "لدي حلم" الذي ابتهل فيه من أجل اليوم الذي "لا يحكم فيه على الناس بلون بشرتهم بل بما تكنه طبيعة شخصياتهم."
ساعدت مشاهد وصور بيرمنغهام وواشنطن على بلورة التأييد لقانون الحقوق المدنية للعام 1964 الذي وقعه الرئيس ليندون جونسون في 2 تموز/يوليو 1964 وأصبح ساري المفعول. ثم جاء رد الشرطة العنيف في سِلما بألاباما في العام 1965 ضد مسيرة مؤيدة للحقوق الانتخابية ليحدث طفرة أخرى في تأييد كينغ وحركة الحقوق المدنية وللتشريع الذي يكفل حق المشاركة السياسية. ونتيجة لذلك أقر تشريع حقوق التصويت وأصبح قانونا ساريا في 6 آب/أغسطس 1965.
واستمر كينيغ، مع صدور قوانين الحقوق المدنية تلك، في استخدام استراتيجيته بعدم العنف في تنظيم احتجاجات المجتمع رغم ما نادى به بعض القادة الشباب آنذاك من اللجوء إلى استخدام وسائل راديكالية. ووسع كينغ برنامج عمله مضيفا إليه التركيز على لفت الانتباه إلى الفقر الذي يعانيه الأميركيون الأفريقيون. وكان كينغ في مدينة ممفيس بولاية تنيسي لإبداء تأييده لإضراب بدأه عمال جمع النفايات السود عندما اغتالته وأطاحت به رصاصة قاتل يوم 4 نيسان/أبريل 1968 وهو في الـ 39 من عمره.
يكرم الأميركيون ذكرى مارتن لوثر كينغ، الابن، بالاحتفال بعطلة قومية يوم الاثنين الثالث من شهر كانون الثاني/يناير من كل سنة، وبإقامة نصب تذكاري وطني له قريبا على مشهد من نصب لنكولن التذكاري قريبا من المكان الذي ألقى فيه خطابه الذي ألهم الأميركيين بما عبّر عن أحلامه في تحقيق العدالة والمساواة العنصرية. وهناك اليوم عدد لا يحصى من الناس والمنظمات، بما فيها مركز كينغ في أتلانتا، يحمل رسالته ويواصل عمله.
نهاية النص