01 كانون الثاني/يناير 2009
ساحة "تايمز سكوير" ظلت على الدوام مركزا للتسلية واللهو والأحلام
من مايكل فريدمن، المحرر في موقع أميركا دوت غوف
بداية النص
واشنطن،- إذا كانت بداية العام الجديد تمثل مناسبة لطوي صفحة وفتح أخرى، فإن ملايين الأميركيين كل عام يعتبرون ساحة "تايمز سكوير" في مدينة نيويورك، المكان المناسب والمفضل لإلقاء تحية الوداع على سنة راحلة واستقبال عام جديد بالهتاف والمرح. ففي بلد أسس على مبدأ أن لدى الفرد فرصة لإعادة تغيير حياته، فإن كبرى مدنه كانت دائما رائدة التغيير وتوفر همزة الوصل بين طاقات الفرد وطموحاته واندفاعه.
وعلى مدى ردح طويل من القرن الماضي كان هذا الحي الذي يقع على تقاطع جادة برودواي والشارعين السابع والثاني والأربعين يشهد تبدلا مرة تلو الأخرى، الا أنه ظل المكان الذي يرتاده لغرض اللهو والتسلية لفيف من سكان نيويورك "ذوي الفطنة والذكاء والكرم بغير غباء" على حد تعبير المعلق الأميركي أندريه كيدريسكو الذي هاجر الى الولايات المتحدة من مسقط رأسه رومانيا.
وفي كل عشية عيد رأس السنة الميلادية، ومهما كانت حالة الطقس، يتقاطر عدد يصل الى مليون نيويوركي الى ساحة تايمز لمشاهدة هبوط كرة مصنوعة من البلور والأضواء المشعة من عامود شاهق. وعلى مدى دقيقة تهبط هذه الكرة لتستقر في قاع العامود بينما يعد الجمهور الثواني ويطلق الهتافات بالضبط عند منتصف الليل، أي بداية السنة الجديدة. ويراقب الملايين في جميع أنحاء العالم هذا المشهد على شاشات التلفزة والمواقع الإلكترونية.
عشية راس السنة الميلادية في نيويورك عبر التاريخ
مع افتتاح قطارات الأنفاق التي تخترق وسط مدينة نيويورك في 1904، انتقلت بعض المؤسسات التجارية الى هناك من حي وول ستريت المالي. وكان من بين هذه المؤسسات يومية نيويورك تايمز التي انتقلت الى مكاتب في برج جديد في قلب ساحة لونغ إيكر الذي أعيد تسميته لاحقا بساحة تايمز. وأحيت الصحيفة هذه المناسبة بتنظيم حفل عشية رأس السنة تخللته ألعاب نارية، وكما كتبت الصحيفة في اليوم التالي: "لا توجد صورة أكثر روعة من صورة اختطتها أضواء نارية على شاشة منتصف الليل."
وفي العام 1907، منعت بلدية المدينة الألعاب النارية الا أن الإحتفالات تواصلت وتمحورت على "إسقاط الكرة" وهو تقليد استمد من إشارات الوقت في الميناء. ففي الساعة 11:59 من كل يوم 31 كانون الأول/ديسمبر كانت تهبط كرة من بلور "ووترفورد" بعرض ستة أقدام وتزن نصف طن من أعلى عامود مركز على مبنى "1 تايمز سكوير". وبعد هبوطها تصل الكرة البلورية الى أدنى العامود بالضبط بعد دقيقة واحدة، إيذانا ببداية العام الجديد. وهذا الحدث العادي يشاهده عن قرب جمهور بمئات الآلاف. اما صور المحتفلين والذين هم من صغار السن ويتكئون الواحد على الآخر في درجات حرارة دون الصفر وبرد قارس فتبث في جميع أنحاء الولايات المتحدة وجزء كبير من العالم.
في غضون ذلك، وفي الشوارع والأحياء المحيطة بالساحة، يحضر الآلاف مسرحيات في مسارح واقعة على جانبي جادة برودواي ويستمتعون بالعزف الموسيقي في مرقص بي بي كينغ وفي مطاعم إثنية. وقد تبدلت حفلة رأس السنة في ساحة تايمز على مدى الأعوام المئة الماضية وستظل تتغير، الا أن هذا الحي العريق والخصوصي جدا إنما يعرض رواية حقيقة عن الحياة الأميركية والنشاط والتجدد.
عاصمة التسلية في القرن العشرين
وقبل أن يصبح هذا الحي ما وصفه الكاتب جيمز تراوب بـ"العاصمة العالمية للثقافة الشعبية" كانت الساحة مرتعا للاصطبلات او مراكز تأجير عربات الخيل. ومع حلول القرن العشرين حلت المسارح مكان الخيل، وفي العام 1985 شيّد أوسكار هامرستاين الأول، وهو والد كاتب الأغاني الشهير أوسكار هامرستيان الثاني، مسرح أوليمبيا في ساحة لونغ إيكر. ومع قدوم سنة 1910 كانت ساحة تايمز تفتخر بوجود 40 مسرحا بما فيها ميدان لسباق الخيل يتسع لـ5200 مقعد وكان الأكبر في العام وقتئذ. وأصبح ذلك الجزء من جادة برودواي الذي يمر قي منطقة المسارح المضاءة لافتاتها بالأضواء الساطعة يعرف بـ"الطريق البيضاء العظيمة".
وسرعان ما اصبحت مسارح ساحة تايمز مركز مسرحيات جادة وهزلية ضمت عروضا موسيقية وكوميدية وممثلين من الطراز الجديد. وشهد عام 1907 وصول ما كان يعرف بـZiegfield Follies وهي عروض كانت تضم مطربات حسناوات في جوقات شيقة.
ومع إندلاع الحرب العالمية الأولى أصبحت الأفلام السينمائية او الصور المتحركة تشكل جزءا هاما من تجربة "تايمز سكوير". فقد تحول عدد من المسارح الى دور سينما وارتفعت قصور سينما هائلة ومزخرفة على مقربة من الساحة. وشهد عقد العشرينات من القرن الماضي تطوير المغناة الأميركية وهي عرض مسرحي يجمع بين الموسيقى والأغاني والرقص والحوار. وعلى مدى عدة عقود أصبحت المغناة في برودواي ربما المصدر الأكثر إنتاجية للموسيقى الشعبية الأميركية. وكانت تعرض مسرحيات موسيقية لمشاهير مثل إيرفينغ بيرلين، وجيروم كيرن، والأخوين جورج وآيرا غيرشوين وغيرهم من الملحنين والفنانين.
وحتى في الوقت الذي برزت فيه ساحة تايمز كعاصمة التسلية خيمت عليها ظلال قاتمة. ففي حين كان المتنزهون يستمتعون بلافتات النيون الكهربائية ذات المشاهد المتحركة، واكبت الشدائد الكساد العظيم الذي حل في عام 1929 والتي احتلت حيزا هاما. وتصور روايات الكاتب دامون رانيون (1880-1946) شخصيات لاعبي القمار واللصوص والممثلين وأفراد العصابات في تلك الحقبة الحافلة.
ويربط ملايين الأميركيين بين نهاية الحرب العالمية الثانية وساحة تايمز. ويذكر البعض أن الرئيس ترومن "أعلن استسلام اليابان" في رسالته التي بثت بواسطة شريط الأخبار الكهربائي الذي يظهر على مبنى مرتفع، فيما التقط المصور الشهير ألفرد أيزنستات في تلك الساحة الصورة الشهيرة لبحار وهو يقبل ممرضة محتفلا بنهاية الحرب العالمية الثانية.
الساحة تدخل القرن الحادي والعشرين بنبض حيوي ومتجدد
خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن المنصرم ساهم عدد من العوامل في تغيير الحي بصورة مثيرة للقلق. فقد انتقل أميركيون الى ضواحي المدينة واستأثر التلفزيون بالكثير من وقت تسليتهم. وظل الأميركيون يحتشدون في الساحة عشية يوم رأس السنة لكنهم بدأوا يختلطون في تلك الساحة مع مروجي أشكال تسلية إباحية وما واكبها من إزدياد الجريمة وتعاطي المخدرات.
وحتى في الوقت الذي مجدت المسرحيات الموسيقية في برودواي مواضيع التجدد الفردي بدأت الشوارع المحيطة بالساحة اختبار تجدد من نوع آخر. فقد آلت الجهود التي بذلتها سلطات البلدية الى خفض الجريمة وتقليص التسلية الإباحية الى حد كبير. كما شجعت القوانين وتراخيص البناء على إنشاء مجمعات سكنية جديدة لكن مع الحفاظ على مسارح كلاسيكية عريقة وانقذتها من الهدم.
وتختلف ساحة تايمز في يومنا هذا بطرق مختلفة عن سابقاتها الا أنها تظل مفعمة بالحيوية وغريبة الأطوار وتتسم بالتنوع. ويجري بيع حوالي 1.5 مليون تذكرة مسرحيات درامية وموسيقية سنويا بنصف السعر في كشك يعرف بـTKTS. ولا يزال يجتذب الزوار والمقيمين الى الساحة التسوق الرائع والنوادي الموسيقية والعروض السينمائية – الجديدة منها جنبا الى جنب مع ذكريات الماضي.
والواقع هو أن ساحة تايمز لا تزال، كما وصفها الكاتب جيمس تراوب في حقبة سابقة من تاريخ المدينة، "مكانا ديمقراطيا إلى أبعد الحدود للترفيه واللهو ومقصدا لشتى التأثيرات التي تأتلف رغم تباينها لتجعل من الثقافة الأميركية صرحا وطيدا." ويوم 31 كانون الأول/ديسمبر أحس الأميركيون بذلك فيما اتخذوا قراراتهم الشخصية وتعهدوا بتنفيذها في العام الجديد.
نهاية النص