28 شباط/فبراير 2009

قد يكون الأمر أشبه بمشهد من فيلم سينمائي: شابٌ هو ابن عائلة مهاجرة يتفوق في دراسته، وينتسب إلى كلية حقوق أميركية مميزة. ويجد له عملاً في مكتب محاماة ذائع الصيت في نيويورك. وفي أحد الأيام، يدخل إلى المطعم الذي كانت أمه تعمل فيه طاهية لسنوات عديدة، فيخلع قفازاته، ويقول: "أمي تعالي معي إلى البيت الآن. لم يعد ثمة داعٍ يدعوك إلى العمل ثانية."
لكن هذا ليس مشهداً سينمائياً، إنه مجرد جزء من قصة موس (مصطفى) شعيب، 28 سنة، الذي يرأس الآن شركة أنقذت ألافاً من العائلات من خسارة منازلها بسبب حجز المنازل المرهونة التي تعاني منها الولايات المتحدة.
قال شعيب، "إن الشيء الأهم هو أن أكون قادراً على مساعدة الناس على البقاء في منازلهم، فهذا هو الأمر الذي يثيرني أكثر من سواه."
الكلية والعمل
ولد شعيب في بيروت، لبنان، وتعود ذكرياته الباكرة إلى الصدمة والشعور الغريب لحياة طفل خلال أيام الحرب. وفي استمارة طلب دخوله إلى كلية الحقوق، كتب شعيب في وقت لاحق يقول، "إن مثل هذه التجارب... غرست في نفسي شوقا لا يتزعزع للسعي إلى المعرفة والعدالة."
كانت عائلة شعيب المكونة من ستة أفراد قد هاجرت إلى الولايات المتحدة عندما كان هو لا يزال في السابعة من عمره، وقد عاشت العائلة في بداية الأمر في توليدو، بأوهايو، ثم انتقلت إلى ديربورن في ولاية مشيغان. وعندما عانى والده من جلطة، كانت الأولى بين جلطات عدة أخرى لحقتها، اضطرت والدته إلى ان تعمل طاهية في أحد المطاعم بدوام كامل لإعالة الأسرة.
قال، "لم تتذمر أمي مرة بل قالت، ان والدك لن يستطيع إعالتنا، لذلك سأقوم أنا بذلك". وهكذا، أخذت على نفسها العمل في وظيفة شاقة براتب الحد الأدنى... وكل ما كانت تقوله لنا هو التركيز على دراستنا، والتأكد من الحصول على المنح الدراسية، لأنني لا أملك لكم المال اللازم للجامعة في هذه المرحلة من حياتنا."
تخرّج شعيب بدرجة شرف من كلية ألبيون في مشيغان، حيث أسس جمعية الطلبة المسلمين، ثم انتسب إلى كلية الحقوق بجامعة كولومبيا العريقة في مدينة نيويورك، حيث أصبح عضواً في مجلس إدارة جمعية الطلبة الحقوقيين المسلمين.
كان شعيب يلجأ إلى الرياضة للترويح عن نفسه من عناء الدراسة القاسية والعمل، وخاصة كرة القدم الأميركية. "كان حقل اللعب هو المكان الذي أطرح جانباً فيه حواجز اللغة، والفقر، والعرق التي كانت تفرض نفسها في السابق"، كما كتب في استمارة دخوله إلى كلية الحقوق.
عالم القانون
وجد شعيب في كلية الحقوق تحدياً له. قال، "لقد كان الخليط المؤلف من كلية الحقوق والمدينة العملاقة بمثابة صدمة كبيرة لي، ولقد كانت كولومبيا هي البيئة الأكثر تنافسية التي خبرتها في حياتي."
لكن شعيب ثابر حتى نجح. ولقد تلقى جائزة بسبب خدماته الاجتماعية من المعهد العربي الأميركي في العام 2004، كما عمل كاتباً في المحكمة العليا في نيويورك.

وفي العام 2005، انضمّ شعيب إلى مكتب "بروسكاور روز أل ال بي"، وهو مكتب محاماة عريق في نيويورك. لقد ثمّن الخبرة القانونية والعملية التي اكتسبها في ذلك المكتب، مع انه كان يعرف أن عالم الشركات لا يمثل طموحاته المستقبلية الطويلة الأمد.
"أحد الأسباب التي قادتني إلى مكتب بروسكاور أنه أكبر مكتب محاماة يهودي في العالم،" كما قال، ثم أضاف، "وأنا شديد الحماس لبناء الجسور بين جاليتينا المختلفتين."
إنقاذ المنازل
وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2005، بعد تركه كلية الحقوق، قرر شعيب أن اليوم الذي انتظره طويلاً قد أتى. ذهب إلى المطعم الذي كانت والدته تطهو فيه منذ عدة سنوات وقدم لها هدية ترك العمل نهائياً.
قال، "لقد ضحّى والداي كثيراً من أجلنا. فقد تخليا عن الحياة المريحة في لبنان من أجلنا، نحن أولادهما، وأردتهما أن يعرفا أن تضحياتهما كانت تستحق العناء."
وفي العام 2006، عاد شعيب إلى ديربورن لينطلق في مشروعه التجاري، "لون مود دوت كوم." وشركته هذه تقوم بإعادة التفاوض على عقود رهونات المنازل بهدف تجنّب الاستيلاء عليها من قبل البنوك بسبب عجز أصحابها عن تسديد دفعاتهم الشهرية عليها لهذه البنوك بسبب الأزمة الاقتصادية الحالية وانخفاض أسعار المنازل، وذلك بطريقة "تكون مربحة للطرفين" ويستفيد منها مالك المنزل كما المصرف أو المؤسسة صاحبة الرهن العقاري على حد سواء.
فعن طريق إعادة هيكلة ناجحة لقرض الرهن، وعادة بطريقة بسيطة تتمثل في خفض معدل الفائدة، تتمكن الأسرة صاحبة المنزل من البقاء في منزلها ويتجنب المصرف تحمّل كلفة أعلى تنجم عن الإدارة المباشرة للملكية العقارية التي يستولي عليها البنك.
ويعتقد شعيب أن شركته هي الأولى من نوعها في البلاد. "لقد حققنا الريادة في هذا الميدان، بدءاً بمساعدة عمي، ثم بعض الأصدقاء، إلى أن أدركنا أننا قد وقعنا على نموذج قابل للحياة"، هذا ما قاله شعيب.
أنجزت الشركة ما يزيد عن خمسة آلاف عملية تفاوض سمحت للأسر الأميركية بالاحتفاظ بمنازلها، وللمصارف بتجنب النفقات المرتفعة على تنفيذ الرهون العقارية. وتأمل الشركة في إنجاز تعديل 20,000 قرض مع حلول نهاية العام 2009.
نظرة إلى المستقبل
يخطط شعيب لأن يكون لديه ما يزيد عن مئة موظف لتلبية الطلب المتزايد على خدماته. وفي الوقت الذي تمارس فيه الحكومة ضغطاً على المقترضين وعلى مقدمي خدمات الرهون من أجل تعديل محافظهم المالية لمساعدة ملاكي البيوت على عدم فقدان منازلهم، فإن شركة لون مود دوت كوم تجد نفسها في موقع جيد بشبكتها المؤلفة من 19,000 دائرة كاتب عدل في جميع الولايات الأميركية الخمسين. ويقول شعيب "سوف يقوم مستشارونا بمساعدة مالكي المنازل بالنسبة للإجراءات الصحيحة لتنفيذ النموذج الجديد للقرض. وسيقوم كتّاب العدل المتعاونون معنا بمساعدتهم على انجاز الأعمال الورقية من على طاولة المطبخ في منازلهم."
"إن مساعدة الناس على الاحتفاظ بأهم شيء مادي في حياتهم إنما يُشكِّل أفضل مكافأة على الإطلاق،" قال شعيب وأضاف، "فعندما تقوم بإنقاذ منزل ما، فإن هذا يشكل مساعدة للحي، وللمجتمع المحلي، وبالتالي يساعد البلاد بأسرها."
وقد طرأت أيضاً تغيرات كبيرة في المحيط القريب من شعيب. فقد ولدت له ولزوجته طفلة سمياها صوفيا جون، في العام 2008. وكان شعيب قد ترعرع في ديربورن، في نفس الحي مثل زوجته ناتالي، التي تتحدر من أصل نصفه لبناني ونصفه الأخر أميركي هندي.
"أنا محظوظ... وأشعر أنني مبارك فعلاً، دون شك"، قال شعيب "ولكنني وجدت أيضاً انني كلما عملت بكد أكبر كلما ازداد نصيبي من الحظ."