19 شباط/فبراير 2009

أحب أميركا ليس لأنني واهم بأنها مثالية كاملة، بل لأنها تسمح لي المشاركة في تقدمها رغم كوني إبناً لمهاجرين مسلمين من الهند، وتتيح لي مكانا في ما تنطوي عليه من وعد، ولعب دور لنفسي في ما تنطوي عليه من إمكانيات.
لقد عبّر جون وينثروب، أحد أول المستوطنين الأوروبيين في أميركا، عن الإحساس بهذه الإمكانية إذ قال لأقرانه من المواطنين إن مجتمعهم سوف يصبح أشبه بمدينة على تلة، منارة مشعة للعالم. كان هذا الأمل متجذر في الإيمان المسيحي الذي آمن به وينثروب، وليس هناك من شك بأنه تصور مدينته القائمة على تلة يتوسطها برج كنيسة. وعلى مرّ القرون، بقيت أميركا بلداً متديناً بعمق، ولكنها في الوقت نفسه أصبحت بلداً تعددياً بشكل ملفت.
والواقع هو أننا الشعب الأكثر تديناً في الغرب والبلد الأكثر تنوعاً دينياً في العالم. وقد أصبح الآن برج الكنيسة القائم على التلة في وسط المدينة محاطاً بمآذن المساجد الإسلامية، وبالنصوص العبرية المحفورة على المعابد اليهودية، وبتراتيل المعابد البوذية، وبتماثيل المعابد الهندوسية. والواقع، إن عدد المسلمين يبلغ الآن أكثر من عدد البروتستانت الأسقفيين في أميركا، وهو الدين الذي كان يعتنقه الكثير من الآباء المؤسسين لأميركا.
ولمئة عام خلت، حذّر الباحث الأميركي الأفريقي، وليام ادوارد بورغارد ديبوا أن مشكلة القرن ستكون حاجز اللون. ومن المرجح أن يسيطر حاجز مختلف على القرن الحادي والعشرين، ألا وهو حاجز المعتقد. فالأسئلة الأكثر إلحاحاً التي يواجهها بلدي (أميركا)، وديني (الإسلام)، وجميع شعوب الله في العالم، قد تكون هذه: كيف سيتمكن الناس الذين قد تكون لديهم أفكار مختلفة حول ما في السماء من التفاعل معاً على الأرض؟ هل سيتعلم برج الكنيسة، ومئذنة الجامع، والكنيس اليهودي، والمعبد البوذي، والهيكل الهندوسي مشاركة المكان مع سواه في مدينة جديدة قائمة على التلة؟
إني أعتقد أن أخلاقيات أميركا، التي تجمع بين التسامح والإجلال، قد يكون لها دور خاص للمساهمة في حل هذه المسألة.
تُشكِّل أميركا تجمُّعاً عظيماً للأرواح البشرية، الأكثرية الساحقة التي جاءت من مكانٍ آخر. تكمن العبقرية الأميركية في إتاحة الفرصة لهؤلاء الناس للمساهمة بنسيجهم الاجتماعي في التقاليد الأميركية، وفي إضافة أنغام جديدة إلى اللحن الأميركي.
أنا أميركي بروح مسلمة. في طيات روحي تاريخ طويل يضم أبطالاً وحركات شعبية وحضارات سعت للخضوع إلى مشيئة الله. سمعت روحي عظات النبي محمد صلى الله عليه وسلم حول الرسالة الأساسية للإسلام: التوحيد والزكاة، والعدل الرحيم، ووحدانية الله. وفي العصور الوسطى، طافت روحي الشرق والغرب، وهي تصلي في المساجد وتدرس في مكتبات مصر، وبغداد، وقرطبة، هذه المدن الإسلامية العظيمة التي كانت قائمة في القرون الوسطى. لقد هامت روحي مع جلال الدين الرومي، وقرأت ما كتبه أرسطو وأبقراط، وجالت على آسيا الوسطى مع نصير خوسرو. وفي الحقبة الاستعمارية، تحركت روحي المسلمة في سبيل العدالة. ومشت مع عبد الغفار خان، وخوداي خدمتغارس، في مقاومتهما اللاعنفية (الساتياغرا) لتحرير الهند. وقفت روحي مع فريد اسحق، وابراهيم موسى، وراشد عمر، بالإضافة إلى حركة الشباب المسلم في نضالها لجعل جنوب أفريقيا بلدا متعدد الثقافات.
أرى بعيني الأولى هذه النظرة الإسلامية القديمة للتعددية، وأرى بعيني الثانية الوعد الأميركي. وفي قلبي أصلي كي تتحقق هذه الإمكانية: مدينة تقوم على تلة لتتشارك فيها، باحترام، مجتمعات دينية مختلفة تتشاطر حيزا واحدا وتخدم جماعياً الخير العام، عالم تتعاون فيه الأمم والشعوب المتنوعة بعضها مع البعض الآخر، في روح من الإخاء والفضيلة، قرن نحقق فيه حياة مشتركة معاً.
------
كاتب هذه الكلمات ايبو باتيل، هو المدير التنفيذي لجماعة الشباب للحوار بين الأديان في شيكاغو، بولاية إلينوي، وهو أحد قادة حركة الحوار بين الأديان.