03 شباط/فبراير 2009
حكاية الأميركيين ذوي الأسماء المركّبة ونشأتهم كمواطنين متعددي الثقافات

بقلم: كريستال غريس أوفوري، المراسلة الخاصة لموقع أميركا دوت غوف
بداية النص
واشنطن،- ينتابني أحيانا شعور بأنني كمن يعاني من انفصام أو ازدواج في الشخصية. فأنا إذ أستخدم اللغة الإنجليزية للحديث والتواصل في العمل والمدرسة، أجدني أتكلم لغة التْوِي (Twi)، لغة قبيلة الأشانتي، التي درجت على التخاطب بها منذ نعومة أظفاري.
دأب والداي، المهاجران من غانا، على تذكيري دوما والتأكد من أنني أعي من أين جاءا وأدرك الثقافة التي ينتميان إليها. لاشك أنني فخورة بكوني أميركية غانيّة، لكن هذا الحال لم يكن مصدر اعتزاز دائما. فمثلي مثل كثير من الأميركيين الذين تربطهم صلة ما بناحية من نواحي العالم، أعتز بأنني ثنائية اللغة، أتقن لغتين، متعددة الثقافات. لكنني وجدت نفسي في مرحلة من المراحل أواجه صعوبة في المزج بين ثقافتي الموروثة وبين ثقافتي الأميركية.
أقمت أربع سنوات في غانا عشتها مع جدّيّ اللذين ما فتئا أن قدّماني وعرّضاني فورا لثقافة كل علمي بها كان من خلال المنظور الذي وفّره لي والداي. فتعلمت المُثل والمبادئ المماثلة لمثلي الأميركية بما فيها العمل الجاد والأمانة وأهمية الأسرة والافتخار في ثقافة الفرد. لكنني عندما عدت لاستئناف حياتي الأميركية، وقد بلغت الثالثة عشرة من سني عمري، المرحلة الحاسمة في سن المراهقة وتكوين الهوية الشخصية، وجدتني أواجه مرحلة من الضياع.
كان من الصعب علي بمكان أن أتكيّف مع حياة المراهقة الأميركية. فبينما كان المراهقون من أمثالي منشغلين بارتياد مجمّعات التسوّق (المول) تستحوذ على مشاعرهم وتأسرها جماعات الفتيان وفرق موسيقى الشباب الذكور، كنت أحاول التعرّف على من أكون أنا، وفهم حياتي الجديدة. تحاشيت في تلك الفترة ثقافتي وتجنبت تراثي الغاني وتحوّلت إلى التمثّل بكل ما هو أميركي في محاولة أليمة لمحو كل السنوات التي أمضيتها في غانا وإزالتها من حياتي. أحسست بالابتعاد والغربة، فحاولت جهدي أن أجد مكاني الذي أتوافق فيه لأنني أردت أن أكون "اعتيادية" منسجمة كالطلاب في مدرستي. فكان شأني شأن كثير من الأميركيين من ذوي الأسماء الموصولة (المركّبة من مقطعين) وعلِقت هائمة في مرحلة انتقالية جامدة بين الحياة التي كنت أنتهجها في أميركا وبين حياة ثقافة أخرى بدت نائية جدا.
سماء بلون الزعفران
واجهت المواطنة الأميركية الإيرانية غيلارِه أسايِش صاحبة مذكرات "السماء الزعفرانية " التحديات ذاتها، كمحاولة التكيّف والتوافق، وهي تحاول في الوقت نفسه العثور على جسر يمهد لها الطريق ويمكنها من العبور جيئة وذهابا بين الثقافتين. قالت أسايش "كانت الأمور بالغة الصعوبة عندما قدِمت إلى هنا أول الأمر، إذ كنت كمن سلخ طبقة من جلده لينبت ويكتسي بطبقة جديدة."

ضحكتُ لوصفها كيف كانت تجربتها في المدرسة الثانوية سلسلة من الصدمات الصغيرة التي هزت نظام كيانها وأدركت توقها للحياة في إيران، تماما كما أحن شوقا للحياة في غانا.
شرحت أسايش في مذكراتها بتفصيل وصراحة الصراع الذي خاضته قبل أن تتوصل إلى تقبّل هويتها في نهاية المطاف. قالت "كان هدفي دوما أن أدمج أميركا في هويتي الإيرانية بدلا من أن أندمج أنا وأذوب. غير أن العملية كانت عملية ابتعاد عن القديم السابق، قبل أن أدرك مقدار ما كان يعنيه لي، فسعيت إلى استرجاعه."
وقد تبيّن لي من خلال تجربة غيلارِه أسايِش أن تمتّع الفرد بامتلاكه ثقافتين نعمة لا نقمة ولا ينبغي له أن يشكل عبئا. كان بدني يقشعر لمجرد ذكر تراثي الغاني أو عندما تشاء أمي أن تتكلم لغة تْوِي علنا. أما الآن فأجد السلوان البهيج في وجود تراث آخر أنتمي إليه.
وتعتقد أسايش أنها تمكنت من خلال زياراتها السنوية لإيران ومكالماتها الهاتفية المستمرة مع أفراد الأسرة وممارسة كثير من عادات وتقاليد بلدها الأصل من العثور على استقرارها الذاتي. وهي تشبّه ذلك بالقول "الهدف هو أن يؤدي المرء رقصة من النوع الذي يجعل الطرفين في حركة دائمة، حيّين، مشتركين في هوية الفرد وحياته."
والآن، أنا أُبقي الهويتين حيّتين، أجد بهجة السعادة في التقاليد والعادات والأزياء والأطعمة الأفريقية، ولذّة في تحدث اللغة وقراءتها وكتابتها. ولذا فأنا أحافظ على الصلة بأهلي وأسرتي في الخارج. فلم يعد ذلك حملا ثقيلا ولا عبئا لأن الثقافتين أصبحتا متداخلتين تتخللان حياتي اليومية.
لقد أدركت أن كوني أميركية غانية يساعدني في الظهور والبروز في هذا المجتمع المتفاعل، تماما كما يبرز الأميركيون الآخرون من أصحاب الأسماء الموصولة، وهو شعور تشاركني فيه أسايش إذ تقول: "إن العالم بحاجة إلى أناس يقدرون على الاكتساء بجلود غير جلودهم."
* كريستال غريس أوفوري طالبة في السنة النهائية في كلية ماونت سانت ماري بولاية ماريلاند حيث تدرس مادتي الإعلام واللغة الفرنسية. وهي تعمل حاليا مراسلة تحت التمرين في مكتب برامج الإعلام الخارجي التابع لوزارة الخارجية.
نهاية النص