29 نيسان/إبريل 2009

بقلم تميم أنصاري
تميم أنصاري مؤلف كتاب "غربي كابول، شرقي نيويورك" يقوم الآن بإدارة ورشة سان فرانسيسكو للكُتّاب وهي أقدم ورشة مُستمرة للكتّاب المستقلين في أميركا. يكتب محاضرات حول أفغانستان، والتاريخ الإسلامي، والديمقراطية، والكتابة الإبداعية، وقضايا أخرى تستلهم مخيلته.
عندما أعود بذاكرتي إلى "العوامل المؤثرة" على كتاباتي، فإنني أجد أن منابع التأثير الأصلية كانت شفهية. فلقد ولدت في عائلة ورِثت تقاليد الشعر، والرواية، والتصوّف، والفلسفة، منذ ألف سنة مضت أي إلى الخواجة عبد الله الأنصاري من مدينة حِرات. ورغم أنني عندما كنت طفلاً لم أقرأ مرة أعمال أسلافي، إلا أنني سمعت كلماتهم، وكان لروحيتهم رجعٌ وصدى في أحاديث أبي مع إخوته وأبناء عمومته وأصدقائه، الذين كانوا يجتمعون كل يوم لترديد القصائد، وسبك العبارات، والتداول بمسائل عميقة وهم يرتشفون أكواب الشاي التي لا تنتهي، وأنا أجلس على الأرض بقرب والدي أُصغي إلى ما يدور حولي دون أن ينتبه إليّ أحد."
ثم كانت هنالك العائلة البارعة في فن سرد القصص، التي كُنت قد نشأت فيها، وعلى رأسها جدتي كوكه التي لم تطأ عتبة المدرسة أبداً، والتي لم تكن تستطيع حتى أن تكتب اسمها، ومع ذلك فإنها كانت تستطيع أن تنسج عوالم كاملة حولنا، عوالم مسكونة بالعمالقة، والسحرة، والمحتالين، والأبطال الذين يطوفون في أماكن سريالية، حيث يُمكن للأشجار أن تُزهر بمُقل من العيون، وحيث يُمكن للخيول أن تطير ثم تنفجر إلى كرات من النار: كانت تأتي إلينا كصوت من العتمة، فتجمعنا، نحن الأطفال، حولها كالجِراء الصغيرة لنُصغي إليها بأنفاس محبوسة.
لم أكن لأكتفي بما سمعته من تلك القصص، وبالحرف الواحد: كان الراشدون من حولي قليلي العدد وكثيري الانشغال بشؤونهم بما لا يُتيح لهم إرواء ظمأي هذا، لذلك كان عليّ أن أبدأ باختلاق القصص بنفسي.
وبحلول ذلك الوقت كنت قد تعلّمت القراءة، وبهذه الوسيلة صار يُمكنني أن أكسر أقفال خزانة أخرى غنية بالكنوز، خزانة مقفلة تتضمن مجموعة من الكتب يبلغ عددها عشرين مجلداً تحت عنوان "كتاب المعرفة". وكانت هذه المجموعة دائرة معارف مصورة للأطفال. في كل يوم، وبعد أن يذهب الكبار من حولي إلى أعمالهم أو مدارسهم كنت أقوم بالتنقيب في تلك المجلدات مكتشفاً كيف تكوّنت النجوم، وكيف بُنيت الأهرام، وكيف يمكننا تمييز الفيلة الهندية عن سواها الأفريقية، وعندما كانوا يعودون إلى البيت لم أكن أطيق صبراً لإخبارهم بما عرفت.
وكل ما أكتبه الآن ترجع جذوره إلى تلك المصادر المُبكرة، كما أعتقد: فإنني ما زلت أنقب في كتب المعرفة، وما زلت أتحرق لأخبر الناس بما تعلمت، وما زلت أحاول إعادة تركيب ذلك الصوت الآتي إلي من العتمة بروايات عن رحلات خرافية ومن صور لأحصنة النار، وإنني ما زلت مستغرقاً في تلك الأحاديث التي كان يعقدها والدي مع أقرانه، والتي كنت يوماً جزءاً منها، ولا يختلف الأمر الآن إلاّ في أنني قد ارتقيت من الجلوس على الأرض إلى الجلوس خلف المناضد، أمّا المنضدة فقد امتدت وامتدت عبر العالم، وأمّا الأصوات فهي تأتي الآن من خلال العديد من منابع الإعلام، التي نحاول جميعاً من خلالها أن نُفسّر أحجية ما الذي يدور حوله كل هذا العالم وأن نُخبر بعضنا البعض ما استطعنا أن نكتشف من أسراره.