29 نيسان/إبريل 2009

بقلم بيرسيس كريم
بيرسيس كريم المولودة في الولايات المتحدة هي شاعرة ومحررة مقتطفات أدبية مختارة بعنوان، "دعني أقول لك أين كنت: كتابات لنساء من الشتات الإيراني" (2006). وهي مؤلفة ومحررة مشاركة لكتاب "عالم ما بين: قصائد، وقصص قصيرة، ومقالات بقلم أميركيين إيرانيين" (1999). وهي حاليا أستاذة مساعدة للغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة سان هوزيه، بمدينة سان هوزيه، كاليفورنيا.
إن أحد الأوجه المميزة لكون المرء أميركياً هو أن ذلك يضعه بالمعنى الحرفي على صلة مع العالم. فكابنة لمهاجرين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ترعرعت وأنا أشعر بأن الولايات المتحدة هي مكان للفرص والملجأ الآمن، وأنه بالنسبة إلى والديّ، كان خيارهما في أن يصبحا أميركيين يعني الحصول على الميزات كما تحمل المسؤوليات. فبالنسبة إلى والدي الإيراني، الذي شهد تغيرات دراماتيكية في بلاده نتيجة اكتشاف النفط وسياسات الحرب الباردة، فإن المجيء إلى الولايات المتحدة كان يمثل بالنسبة له فرصةً لإعادة تكوين وتجديد إمكانيته وأهدافه الفردية. فبعد أن عاش خلال فترة الاحتلال السوفياتي والبريطاني لإيران أثناء الحرب العالمية، فكّر كثيرا حول ما ستصبح عليه إيران وما ستؤول إليه حياته الخاصة. وكرجل في مقتبل عمره، فإنه كان قد قرأ عن المثل الديمقراطية الأميركية التي يجسدها الدستور الأميركي، والفكرة التي تقول إن أميركا تمثل، من ناحية المفهوم، قبلة للناس الذين يشعرون بالتضييق السياسي عليهم من الدول القومية، التي كانت تخرج من تحت نير الإمبريالية والتحكم الاستعماري. أما بالنسبة لوالدتي، المهاجرة التي قاست ويلات الحرب والاحتلال في فرنسا، فإن الولايات المتحدة كانت بمثابة المكان الذي يمكن لها فيه أن تعاود التواصل مع إطلالات القيم الأميركية الجريئة التي كانت قد لاحظتها في صفوف الجنود الأميركيين بينما كانت هي تقوم بتدريسهم اللغة الفرنسية في السنوات الأخيرة من الحرب. فبالنسبة إلى كلّ من والديّ، كانت أميركا أشبه بحلم فاتنٍ يتيح لهما بدء حياة جديدة. ولقد جاءا إلى هنا إلى حدّ ما، عن طريق الصدفة، لكن نيتهما بالبقاء، وبأن يصبحا أميركيين، إنما كانت قراراً متعمداً جداً.
لقد نشأت في شمالي كاليفورنيا في ضاحية ذات غالبية انغلوسكسونيه بيضاء وذلك بإحساس معقد بهويتي الخاصة. وبدون وعي مني، حاولت أن أتخذ لنفسي هوية تنتسب إلى كاليفورنيا وأميركا. ولكن منذ وقت مبكر في حياتي، شعرت بإحساس قوي بأنني مختلفة. لم تكن عائلتي محاطة بمجتمع إيراني أو فرنسي، أو بأي من أقاربنا. ولكن رغم كل ذلك، بقيت أشعر بأنني متميزة عرقياً. لربما كان السبب يكمن في إسمي، أو في مظهري، أو في الطعام الذي نتناوله (فيه كثير من الأرز ولحم الخروف) أو ربما كان السبب يكمن في انجذابي الشديد إلى فكرة "الآخر" التي صارت اشد رسوخاً عندما صرت أكثر إلماماً بأخبار العالم. فحرب فيتنام كانت أول ما أثار انتباهي إلى العالم الواقع خارج الولايات المتحدة، لكن الأحداث التي تلتها هي التي دفعت بي إلى وعي أكبر بهويتي الأميركية الإيرانية.
خلال السبعينات، عندما شرعت الولايات المتحدة بلعب دور أكثر نشاطاً وانفتاحاً في سياسات الشرق الأوسط، فإن فضولي حول إيران غدا أكثر حدةً. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى مرحلة الدراسة المتوسطة، كانت إيران قد أصحبت الشاغل الأكبر للسياسة الخارجية الأميركية. ووالدي الذي لم يخدعه الانقلاب العسكري الذي جرى تحت رعاية الولايات المتحدة في العام 1953، وبانتخاب رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، صار خلال فترة مراهقتي أكثر مجاهرة بانتقاداته للدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في بلده الأصلي. وبالرغم من أنه لم تكن لديّ آراء سياسية دقيقة، بل معرفة محدودة فقط عن إيران، فقد ابتدأت بطرح الأسئلة حول ما معنى أن يكون المرء أميركياً. وفي الوقت الذي حصلت فيه أزمة خطف الرهائن الاميركيين ونشوب الثورة الإيرانية عام 1979، بدأت تقصياتي الخاصة حول تراث أبي، وصرت أشعر بصورة متزايدة بالحاجة لفهم هذا الجزء من تراثي وسبر أغواره.
فتحت الكتابة أمامي أهم نافذة على تراثي الإيراني. وعندما كنت طفلة، شاركني والدي بشغفه بالشّعر. كان يقرأ بصوت عال باللغتين الإنجليزية والفارسية الأعمال الشعرية لكبار الشعراء الفارسيين مثل حافظ، وجلال الدين الرومي، وعمر الخيّام، مثلما كان ينشد قصائد الشعراء الإنجليز والأوروبيين من أمثال بودلير، وشيلي، وشكسبير. فمحبته للأدب والمطالعة كانت مُعديةً، حتى هي صارت طريقتي الأكثر أهمية لإشباع فضولي المتنامي حول إيران والثقافة الإيرانية. وفي ذلك الوقت، كانت إيران تشهد غلياناً، وكانت الصحافة الأميركية تصرّ على إظهار صورة إيران وشعبها بطرقٍ قاسيةٍ وسلبية. فحتى الثقافة الشعبية هنا لم تكن وديّة تجاه الشرق الأوسط، وقد ساد أثناء سنوات مراهقتي النعتُ الشائع: "راعي الجمال"، كما راجت الأغنية الشائعة التي تذاع من محطات الراديو "آهاب العربي." وكشابة صغيرة، وجدت نفسي راغبة في الدفاع عن بلاد أبي وشعبه ضد التهم الموجهة إليهم بأنهم "متطرفون، وإرهابيون، وخاطفو رهائن." ففي المدرسة، وعبر شوارع المدينة، وعلى التلفزيون، كانت وسائل الإعلام تنادي "اقصفوا إيران"، و"أيها الإيرانيون ارجعوا إلى بلادكم!"
وفي البيت، كنت أصغي إلى تحليلات أبي السياسية الفطنة والأكثر تعقيداً للأحداث التي تنكشف في طهران. بدأت أفهم أن تلك الأحداث لم تكن لتأخذ مجراها إلا لأنها نتيجة لمشاكل من صنع بلدي، الولايات المتحدة، بقدر ما هي نتيجة لأعمال فئة قليلة من المتطرفين أخذت بعض الأميركيين رهائن في السفارة الأميركية في طهران. تلك الأحداث، وما رافقها من شدة التبسيط لصورة الموقف في إيران في الصحافة، جعلني أكثر فضولاً لمعرفة ما الذي يجري في ذلك البلد. وبدلاً من أن أصبح أكثر انكماشاً بسبب الغضب والعدوانية الظاهرة تجاه الجالية الإيرانية المهاجرة، فإنني أصبحت أكثر إصراراً وعزماً على المعرفة بإيران، وبهويتي الإيرانية. وفي خلال تعلمي، ومن وقت لآخر، كنت أعود دائماً إلى الأدب وإلى السلطة التمثيلية التي يمنحها للكاتب. وشيئاً فشيئاً، بدأت أشعر بنشوء ذاتي الفردية الناتجة عن ميراث من اختلاط الدم المهاجر. ثم وجدت نفسي منساقة مع فكرة الكتابة السردية بصيغة "المتكلم"، ورواية قصتنا "نحن." لقد صارت مساعدتي لرواية هجرة الجالية الإيرانية إلى الولايات المتحدة تشكل نوعاً من الرسالة بالنسبة لي، رسالة استمرت بالتنامي في الوقت الذي كانت فيه أحداث الثورة، وأزمة الرهائن، والحرب العراقية الإيرانية تأخذ مجراها، كما كانت تزداد الصورة الدامغة السلبية لإيران التصاقاً في طريقه التفكير الأميركية. فشرعت في رحلة لأستعيد شيئاً من إيرانيتي عن طريق استكشاف الطرق التي جعلت إيران والثقافة الإيرانية تؤثر فيّ ككاتبة وكمواطنة أميركية.
فككاتبة، بدأت أرى قيمة، بل وحتى أفضلية، التعبير عن الملامح المعقّدة والدقيقة في فروقاتها المرتبطة بكوني أنتمي إلى خلفية أميركية غير كاملة. ولقد أردت أن أسخّر، وأن أطورّ وجهة نظرٍ وصوت ككاتبة تشكل جزءاً من الفترة الزمنية التي ترعرعت خلالها. كما أردت أيضا أن أكتب عن كل الطرق المتعددة التي ساعدني فيها تراثي واختلافي ودفع بي في عملية تحديد الذات التي لم تكن ممكنة إلاّ في الولايات المتحدة، وهي مكان لا يكون فيه تعريف الذات إعلاناً ثابتاً بقدر ما هو عملية دينامية متحولة على الدوام، وتؤثر فيها الحوارات الثقافية والسياسية التي هي جزء من الإطار المحيط بحياة المرء لمجرد كونه أميركيا. لقد اقتضى الأمر بعض الوقت للقراء الاميركيين كي يقدروا التعقيدات، والصعوبات، والجمال في تجربة المهاجر الإيراني، والأعمال الأدبية التي تصف الآن تلك التجربة. وقد نشأ في نهاية الأمر أدب يافع، لكنه مزدهر، للشتات الإيراني. هذا الأدب الأميركي الإيراني يمتلك حساسية يلطفها الإحساس بالخسارة وبالتهجير الذي لاقاه الجيل الأول من المهاجرين الإيرانيين، ولكن أيضا الإحساس باستحسان للأشياء التي جعلتها الهجرة ممكنة بالنسبة إلى الجيل الثاني الناشىء. فالإيرانيون الأميركيون يكنون تقديرا شديداً لحرية التعبير وللفرصة المهيأة لخلق ثقافة أدبية جديدة تتضمن أصوات الكتّاب الذين كانوا تاريخياً معزولين أو مهمشين في تقاليد الثقافة في إيران. وهذه تشمل أصوات النساء، والأقليات الدينية والثقافية، وكذلك أصوات المعارضين السياسيين.
وفي رحلتي الخاصة ككاتبة، حاولت أن أجد الخيوط وأن أقوم بربطها مع ميراثي الثقافي المُركب. فلقد غرفتُ من المعين الغني لرحلة والديّ إلى الولايات المتحدة، وهي رحلة تندرج في سياق النتائج العَرضية اللاّ مقصودة التي لا تُعد ولا تحصى للحرب العالمية الثانية. فلقد كانت حرباً غيّرت اتجاه الحكومات في كل زاوية جغرافية وسياسية على سطح الكرة الأرضية، ولكنها أيضا تماوجت بتكرار بحيث أثّرت في حياة ملايين الأفراد، ولتقود في نهاية المطاف والديّ من وطنيهما إلى نفس قاعة الرقص في شيكاغو في زمن وفّر لهما إحساساً كبيراً بالأمل وبالفرص. فككاتبة، أغرفُ بشدة من الفكرة القائلة إن أولاد المهاجرين عليهم أن يقوموا برواية شيء ما من قصصهم الخاصة، ليس فقط لمجرد أنهم أطفال ولدوا في هذه القارة فحسب، ولكن أيضا لكونهم أناسا أتوا من قارة أخرى. أما فرصي الذاتية للتعبير عن نفسي فقد تأثرت بشدة باعتقادي حول ما هو ان أكون كاتبة أميركية. أدرك أن المرء لا يستطيع أن يعيش في الولايات المتحدة ويتجاهل الطرق الإشكالية أو المفيدة التي تؤثر بواسطتها هذه الدولة في الكثير من شؤون هذا العالم بما لها من قوة سياسية وثقافية. ومع ذلك، فإنني أعي أيضا أن علينا أن نغرف دائماً من فكرة كوننا دولة مراهقة شديدة الانغماس بإحساسها الخاص بصيرورتها. وفي مثل هذا السياق، أن يكتب المرء عن ميراثه الثقافي والخاص هو أمر ليس سوى مجرد بداية. وإذا كانت تحدوني رغبة في الاعتقاد أن قصص أمي وأبي التي استحوذت عليّ وأعطتني دافعاً لأروي شيئاً عن مسار حياتهما المرسوم بالتحدي، فإن دوري ككاتبة هو أن أتحرك حيال قصصهما وحيال كل ما هو إثنيّ في تراثيهما قد ورثته كي ابتدع شيئاً جديداً.
أعتبر ما أقوم به، كأديبة، وكشاعرة، وكمؤلفة، بأنه التعبير النهائي عن هويتي الأميركية الهجينة. أكتب عن ما أصير إليه من خلال الحوادث العرضية للتاريخ والحوادث العرضية لحياة والديّ، لكن كتاباتي أيضا تتأمل وتشترك في الحس الدينامي وفي الإمكانية التي هي أساسية بالنسبة إلى شخصيتنا الأميركية. تلك الشخصية هي الغراء اللاصق الذي يشدّ هذا البلد إلى شيء من الحس بالوحدة الاجتماعية، لكنه يخلق أيضا الصدوع التي تسمح لوجهات النظر الجديدة، وللأصوات الجديدة كي تدخل وتتسرب من الهوامش إلى المركز. وفي حين إن إنتاجي ليس مدفوعاً على الدوام بطريقة واعية بوجود هذه الصدوع، فإنها تشكل حاجة مطلقة تدعم أفضل ما عندي حول مطالبتي بهويتي الأميركية كما بهويتي الأميركية المنقسمة.