29 نيسان/إبريل 2009
بقلم أخيل شارما
رواية أخيل شارما الأولى وعنوانها: "والد مطيع"، فازت بجائزة بن/همنغواي للعام 2000، وكذلك بجائزة "ويتنغ رايترز" للعام 2001. وهو يكتب في مجلتي "ذا نيو يوركر" و"ذي اتلنك مانثلي" الشهيرتين، وذلك بالإضافة إلى إصدارات أخرى. ولقد تمّ إدراج اسمه في لائحة مجلة غرانتا لأفضل الروائيين الأميركيين الشباب في العام 2007.
أستطيع أن أتكلّم عن خبراتي وتجاربي الخاصة فحسب، لذلك يجب أن لا يُفهم بأنني أمثّل جميع الكتّاب الأميركيين الهنود.
بدأت كتابة القصص القصيرة منذ أن كنت في الصف التاسع. وفعلتُ ذلك لأنني كنت شديد التعاسة وكنت أريد جذب الانتباه.
جاءت عائلتي إلى أميركا عام 1979. وكانت العائلة مكونة مني ومن أخي وأبي وأمي. وبعد سنتين من قدومنا تعرّض أخي لحادث في بركة للسباحة أدى إلى إصابته بتلف حاد في المخ. كان عمري آنذاك عشر سنوات، وكان عمر أخي أربع عشرة سنة.
أخي ما زال على قيد الحياة لكنه لا يستطيع المشي ولا الكلام. وآنوب، هذا هو اسم أخي، لا يُمكن إطعامه من الفم، وإنما عن طريق أنبوب معوي يدخل معدته من تحت أضلعه في الجانب الأيمن. ولا يستطيع آنوب أن يتقلب وحده في الفراش أثناء النوم، ولهذا فإن شخصاً ما لا بدّ من أن يلازمه طيلة الليل ليقوم بتقليبه من جانب لآخر كل ساعتين، لكي لا يُصاب بقروح الفراش.
ظل أخي في المستشفى لمدة عامين بعد الحادث إلى أن قرّر والديّ الاعتناء به بأنفسهم. وهكذا أحضراه إلى البيت واستعانا بالممرضات. وعلاوة على القلق المُباشر المتعلق بحالة أخي، فلقد نشأت وأنا يخالجني شعور بالقلقٍ لسبب مزعج آخر، وهو تدبّر المال. ولأننا لم نكن نملك إلا القليل منه، ولأننا كنا نعتمد على شركات التأمين، وعلى المُمرضات، فلقد كان يساورنا دائما شعور بأننا كنّا نتعرّض للخداع، وأن الناس لا يؤدون مسؤولياتهم تجاهنا. وفي أحيان كثيرة كانت هناك مُمرضات يعدن بابتداء نوبة عملهّن في ساعة مُعيّنة من يوم مُعيّن، لنُفاجأ بعد ذلك بعدم حضورهنّ أبداً. وكذلك، وبسبب وجود غُرباء في بيتنا، فقد كنا في خشية دائمة من أن يسرقنا هؤلاء. فإحدى الممرضات التي عملت عندنا سرقت من منزلنا بعض دمى الدببة التي اشترتها أمي من سوق للسلع الرخيصة.
وحتى الصف التاسع، عندما بلغت الخامسة عشرة من عمري لم أكن قد كتبت أي قصة قصيرة، إلاّ مرة واحدة عندما أُعطي لنا ذلك كواجب مدرسي. وفي الصف التاسع كان تدرس لي معلمة، تدعى السيدة غرين، وكانت قد امتدحت حسن استيعابي لواجبات مادة القراءة، وهكذا، ولكي أستلفت انتباهها نحوي بدرجة أكبر بدأتُ في كتابة القصص.
في بداية الأمر كانت جميع القصص التي كتبتها تتضمن شخصيات أميركية من البيض. وأعتقد أن سبب ذلك عائد لكون جميع الروايات التي قد قرأتها، تدور حول حياة البيض. ويُعادل ذلك من حيث الأهمية شعوري بأن تجربتي كأميركي هندي لم تكن ذات قيمة أو أهمية. ولأنني عشت وسط أقلية لا تُشارك غالبية السكان تجاربهم، فلقد شعرتُ بأن تجاربي التي ليست جزءاً من تجربة الأغلبية لا بد من أن تكون أقل أهمية من تجارب البيض. كما أنني شعرت إلى حد ما، بأن خبراتي، ولأنني لم يشاركني فيها أحد، لا يُمكن لها أن تكون حتى حقيقية أو واقعية مثل تجارب الأميركيين البيض.
ومن بين المشاكل التي عانيت منها حينما كنت أكتب عن البيض، أنني لم أكن أعرف شيئاً عنهم، ذلك لأنني دخلت منزل أناس بيض للمرة الأولى في حياتي حينما كنت في الصف العاشر.
وفي الصف العاشر قرأت السيرة الشخصية للكاتب أرنست همنغواي. وأتذكر أنني بدأت قراءتها في صباح أحد الأيام على طاولة المطبخ، وكانت نوافذ المطبخ لا زالت مُعتمة. كنت أقرأ سيرة همنغواي لكي أتمكن من الكذب على الناس، وادّعي أمامهم أنني قد قرأت كتب همنغواي. (كنت أكذب دائماً وادّعي أنني قد قرأت كُتباً لم أكن قد قرأتها).
قرأت الكتاب فدهشت، ومما أدهشني أن همنغواي عاش في فرنسا وأسبانيا، وأنه سافر إلى كوبا وبدا أنه قضى أوقاتاً مُمتعة في حياته. وحتى ذلك الوقت، كنت أظن أنني سأصبح مُبرمج كمبيوتر، أو مهندساً، أو طبيباً. لكني فجأة، وبعد قراءتي للكتاب، بدأت أفكر في أن باستطاعتي أن يكون لي أسلوب للحياة شبيه بأسلوب حياة أرنست همنغواي، وألا تكون حياتي مُملة.
وبعد قراءتي لكتاب سيرته، بدأت أقرأ المزيد من الكتب عن همنغواي. قرأت مزيداً من كتب السيرة الذاتية ومجموعات من المقالات النقدية عنه. ولا بدّ أنني قرأت حوالي عشرين كتاباً عن همنغواي قبل أن أقرأ كتاباً واحداً فعلياً من أعماله. ولقد قرأت كل ذلك عن همنغواي لأنني أردت أن أتعلم كيف يمكنني إعادة تكرار ما فعله هو، ولم أشأ أن أترك أي معلومة دون تفحصها. وفي بداية الأمر، لم أكن في الواقع مُهتماً بكتابات همنغواي نفسه.
إنني أعتبر همنغواي الكاتب الذي ترك لدى أبلغ الأثر. فهذا الكاتب كما تعرفون على الأرجح، كتب عن شخصيات ذات تجارب غريبة بالنسبة للقرّاء الأميركيين. فقد كتب عن رجال العصابات، وعن الجنود في إيطاليا، والصحفيين في باريس. ومن بين الأشياء الكثيرة التي تعلّمتها من همنغواي، ويمكنني القول إن كل خصائصي تقريباً ككاتب بدأت مع همنغواي، أو كردّة فعل تجاهه، وكان إحداها تتعلق بكيفية الكتابة عن الأشياء الغريبة دون الغرق في مستنقع الغرائب. فالنقاد الذين قاموا بتحليل أعمال همنغواي أشاروا إلى أن قصصه تبدأ من وسط الأحداث، وبأنه كان يكتب كما لو أن القارئ يعرف مقدما قدراً كبيراً من المعلومات عن البيئة التي كان يكتب عنها، وأنه عندما يلجأ إلى إعطاء شروح مباشرة، فإن ذلك الخروج على حقيقة التجربة الروائية كان أسلوبه ليقول للقارئ إن السبب الذي جعله يخرج عن التقليد الروائي المتبع هو أنه لا يريد أن يكذب.
وبالنسبة لي، ولأنني بدأت تعلم الكتابة مع همنغواي، ولم أقرأ لأي كاتب غير أبيض إلا بعد أن صرت في الجامعة، فإنني كنت أعتقد دائماً أن الكتابة ليست سوى الكتابة. أي أن الكتابة هي مجرّد سبحة من الكلمات، وسلسلة من الاستراتيجيات التي تولّد الخبرات داخل القارىء. كما شعرت دائماً أنه مثلما لا يكون هنالك تأثير للأصل العرقي للمريض على الجرّاح، حيث إن القلب أو المرارة يبقيان دائما مجرد قلب ومرارة، بصرف النظر عن الأصل العِرقي للمريض، كذلك فإن الأصل العِرقي للكاتب لا أهمية له أيضاً.
جئت إلى أميركا كجزء من موجة هجرة كبيرة. ولأن تلك الموجة من المهاجرين الآسيويين خلقت فضولاً في المجتمع الأميركي لمعرفة ما يعنيه بالضبط انتماء المرء إلى عائلة آسيوية، فلقد كنت محظوظاً بأن أجد من يقرأ كتبي. (إنني أعتبر نفسي كاتبا جيدا، لكنني أستطيع أن أتصور أنني لو كنت كتبت قبل خمسين سنة، فإن كتاباتي كانت ستبدو حينذاك غريبة وسطحية إلى حدٍ كبير بحيث لا تستحق القراءة من القُرّاء العاديين).
فاز كتابي الأول بجائزة بن/همنغواي. وهي جائزة تُعطى لأفضل أول رواية لكاتب تُنشر في سنة معينة.
والشخص الذي قام بتسليمي الجائزة كان أحد أبناء همنغواي. وأعتقد أن باتريك همنغواي هو الذي سلّمني الجائزة. لقد كان ذلك السيد المهذب الأبيض الشعر وقد جلستُ لأتحدث معه في غرفة للاجتماعات لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة. ولم أقل له كم كان والده يعني بالنسبة لي، لأنني خجلت من ذكر ذلك. وبدلاً عن ذلك فإننا تحدثنا عن كيف كان والده يعثر على عناوين لكتبه في "كتاب الصلاة" الذي جمعت فيه الكنائس الأنجليكانية مجموعة من كتب الأدعية والصلوات خلال القرن السادس عشر بعد انفصالها عن كنيسة روما.
في بعض الأحيان عندما أفكر كم كنت محظوظاً، أشعر برغبة في البكاء.