29 نيسان/إبريل 2009

بقلم غاري شتينغارت
ولد غاري شتانيغارت في لينينغراد وهاجر إلى الولايات المتحدة وهو في السابعة من عمره. وقد صنفت صحف ومجلات رئيسية من بينها مجلتا: "نيويورك تايمز" و"تايم" كتابه بعنوان أبسورديستان (2006)، بين أفضل عشرة كتب لتلك السنة. وكانت روايته الأولى بعنوان، رشن ديبوتنتز هاندبوك (2003)، قد نالت جائزة ستيفن كراين لأول عمل روائي صنف بسببها ضمن أفضل الروائيين الشباب (2007) من قبل مجلة "غرانتا". وهو الآن أستاذ مساعد في برنامج الكتابة الإبداعية بجامعة كولومبيا في نيويورك.
عندما بلغت الرابعة عشرة من عمري فقدت لكنتي الروسية. وصرت، نظرياً، قادراً على أن أتقدم من فتاة وأقول لها: (Oh, hi there) أو "مرحبا" دون أن أبدو وكأنني أقول لها: "أوخت هايزار"(Okht Hyzer) وهو على الأرجح اسم لسياسي تركي. وكانت هناك ثلاثة أشياء أريد أن أحققها في تقمصي الجديد هذا: أن أذهب إلى فلوريدا، حيث فهمت أن أفضل وأذكى أبناء دولتنا قد بنوا لأنفسهم جنة فاسقة من الشواطئ الرملية هناك، وأن أتخذ لي فتاة صديقة هناك، والمفضّل أن تكون مواطنة أصلية، ولكي تقول لي إنها قد أحبتني بطريقة ما، وأن آكل جميع وجباتي في مطعم ماكدونالدز. لم تكن تتوفر لي متعة الأكل في مطاعم ماكدونالدز كثيراً. كان أهلي يعتقدون أن ارتياد المطاعم وشراء الملابس التي لا تباع بالوزن في شارع أورشارد، إنما هي أشياء محصورة على الموسرين جدا فقط أو على الذين هم شديدو الإسراف والتهتك، ربما مثل "ملكات الرفاهة" المسرفات اللواتي كنا نسمع عن أخبارهنّ في التلفزيون. وحتى والدّي اللذان كانا يعشقان أميركا عشقا لا يمكن أن يعشقها مثله سوى المهاجرين إليها، لم يكونا قادرين على مقاومة السحر الفاتن لفلوريدا، ذلك السحر الذي يتمثل بنداء الشاطئ كما بنداء "ماوس" [إشارة إلى ميكي ماوس الشخصية الكرتونية الشهيرة].
وهكذا في عطلة الشتاء في مدرستي العبرية، حشرَ أفراد عائلتين روسيتين أنفسهم في سيارة رصينة مستعملة وسلكوا طريق (I-95) السريع نزولاً باتجاه "ولاية الشمس". وكانت العائلة الأخرى، وهي كناية عن مجرد ثلاثة أفراد، مرآة عاكسة لعائلتنا باستثناء أن ذريتها الوحيدة كانت فتاة، وأنهم على وجه العموم أكثر بدانة، وبالمقارنة، فإن عائلتي بكاملها لم تكن لتزن أكثر من ثلاثمائة رطل إنجليزي. وهناك صورة لنا تحت خط الحديد الأحادي في "إبكوت سنتر" وكل واحد منا يبتسم ابتسامة مختلفة تعبّر عن الشعور بشيء سبق رؤيته وعن السرور للوقوف على أرض أعظم ما في بلدنا الجديد اجتذاباً، وابتسامتي العريضة الأشبه بابتسامة بائع متجول من يهود بداية القرن اللاهث خلف بيعة محتملة عند قارعة الطريق. وكانت تذاكر الدخول إلى ديزني لاند تعطى مجاناً، وإنما كان علينا أن نجلس للاستماع إلى حملة مبيعات لمشروع الملكية المتناوبة في أورلاندو. "انتم من موسكو؟" سأل رجل المبيعات مقوّماً ثوب البوليستر الذي يرتديه والدي فوق جبّته. "من لينينغراد."
"دعني أحزر: إنك مهندس ميكانيك؟"
"أجل إني مهندس ميكانيك... آه ... أرجو أن تعطينا تذاكر الدخول إلى ديزني الآن."
وكان الركوب فوق طريق ماك آرثر السريع المرتفع إلى شاطئ ميامي هو الاحتفال الحقيقي لمكتسبي الجنسية الأميركية. ولقد أردت أن أرى كل ما في هذا المكان – أشجار النخيل، اليخوت التي تتمايل بالقرب من القصور الفخمة المبنية بالعملة الصعبة، بنايات الشقق الفخمة المصنوعة من الاسمنت والزجاج التي تعتز بانعكاس ظلالها فوق صفحة برك المياه اللازوردية المنسدلة تحتها، مما يشير ضمنياً إلى علاقة مع نساء ساقطات. وكنت أستطيع أن أتخيل نفسي على شرفة من شرفات هذه الشقق وأنا ألتهم شطيرة من شطائر ماكدونالد الكبيرة وأرمي ببساطة شرائح البطاطس المقلية من وراء كتفي في الهواء المشبع بملوحة البحر. لكن لا بدّ لي من الانتظار. فالفندق الذي حجزه أقارب أهلي فيه مهاجع نوم للجنود بدلاً من الأسرة، وصراصير يبلغ طول الواحد منها نصف قدم بما يكفي لترفع ما يشبه قبضة يد في وجهنا. ولأننا خرجنا مرتعدين من ميامي بيتش بحيث حلينا في فورت لودردايل حيث قبلت امرأة يوغسلافية إيواءنا في نزل قريب للشاطئ ومنه قاعدة لمشاهدة التلفزيون مجاناً. لقد كنا نبدو دائماً على هوامش الأمكنة: الطريق الخاصة إلى فندق فاونتنبلو هيلتون، أو المصعد الزجاجي الذي يقود إلى المطعم في الطابق الأخير حيث نستطيع للحظة أن نسترق نظرة خاطفة إلى اللافتة التي كتب عليها "الرجاء الانتظار قليلاً ريثما يتم إجلاسكم"، والقائمة عند المحيط اللامتناهي تحتنا، ذلك العالم القديم الذي تركناه خلفنا بعيداً جداً ومع ذلك ما زال بطريقة مخادعة، يبدو قريباً منا.
فالنسبة إلى والديّ وأصدقائهم فإن النزل اليوغوسلافي هو جنة دون ريب، فهو خاتمة سعيدة لمجموعة من أنواع الحياة الصعبة. وكان والدي قد تمدد بجلال تحت أشعة الشمس بلباس البحر المخطط بالأبيض والأسود السبيدو الزائف، بينما تسللت أنا إلى الشاطئ للمرور بالفتيات الآتيات من الغرب الأوسط اللواتي يحمصن أجسادهن بالشمس. "أو، هاي ذير" كانت لهجة الكلمات جاهزة في لكنة أميركية كاملة، ولأنها لم تكن قد تأتيني بحق الولادة، بل بالاكتساب، فإنها علقت بين شفتيّ. لكن التقدم نحو أي من أولئك الفتيات، والتكلم معها بعفوية إلى هذا الحد كان يقتضي مني تجذراً عميقاً في الرمال الساخنة تحت قدميّ، وكان يتطلب حضوراً تاريخياً يكون متجاوزاً لهذه "البطاقة الخضراء" للإقامة المزدانة ببصمة إبهامي، ووجهي المنمش. وفي ذلك النزل، فإن برامج "ستار ترك" التلفزيونية المسلسلة التي يعاد عرضها إلى ما لا نهاية على القناتين 73 أو 31 أو على سواهما من القنوات، والكواكب المتعددة الألوان المضمحلة تبدو لي هنا مألوفة أكثر من التي أشاهدها عندنا.
وعند القيادة في طريق العودة إلى نيويورك، أوثقت نفسي إلى جهاز الووكمان آملا في ذلك نسيان رحلتنا. وفي وقت ما بعد أن انتهت خطوط أشجار النخيل على جانبي الطريق، في مكان ما من جنوبي جورجيا، توقفنا عند مطعم من مطاعم ماكدونالد. وكان في استطاعتي أن أشعر بتذوقي شطيرة الهامبرغر البالغ ثمنها تسعة وستين سنتاً. فصلصة الطماطم فيها أحمر وتقبع فوقه شرائح صغيرة من البصل المبشور، وثم تكتمل بشرائح الكبيس، يكسحها اندفاع الكوكاكولا الطازجة ولذعة الصودا في الحلق. ودخلت إلى برودة ذلك المكان السحري، موئل اللحم المدخن. لكن الروس الأضخم منا كانوا يتبعونني، وهم يحملون بمشقة شيئاً ما كبيراً أحمر. لقد كان عبارة عن برادٍ محشوِ، قبل مغادرتنا للنزل، على يد الأم الأخرى، الأم اللطيفة المستديرة الوجه، الشبيهة لأمي، التي كانت قد أعدت غداء روسياً كاملاً لنا. بيض مسلوق قليلاً ملفوف بورق المينيوم، صلصة الخل والزيت، سلطة شمندر روسية تفيض من حاوية كريما طازجة معاد استعمالها؛ دجاج بارد مقدم بين أتلام بيضاء من البولكا. "لكن إدخال الطعام غير مسموح به"، قلت معترضاً، "ولا بد لنا من أن نشتري الطعام من هنا."
ولقد شعرت بالبرودة، ليست برودة المكيف القارسة لجورجيا الجنوبية، لكنها برودة جسدٍ يفهم تداعيات زواله بالذات وعدم جدوى الأشياء بكاملها. جلست إلى طاولة بعيدة عن والدي وأصدقائهم قدر المستطاع. وقمت بمراقبة مشهد السكان الأجانب الذين تلونت جلودهم حديثاً بأشعة الشمس وهم يتناولون وجبتهم الإثنية- الحنكان يتحركان، ينحرفان- المكونة من بيض مسلوق قليلاً كان يهتز قليلاً قبل وصوله إلى الأفواه؛ أما الفتاة التي في عمري، فقد كانت عابسة الوجه مثلي، ولكن مع مسحة من رباطة الجأش المطواعة؛ أما والدها فيسكبان قطع الشمندر بملاعق بلاستيكية؛ وأما والدي فقد نهضا لاستعمال محارم ماكدونالد المجانية، بينما سائقو السيارات الأميركيون وأطفالهم من ذوي الرؤوس ذات الشعر الناعم الأشقر قد اشتروا لأنفسهم أشهى الوجبات.
لقد ضحك والداي لتعنتي. فها أنذا أجلس وحيداً جائعاً، ما هذا الرجل الغريب الذي أتحول إليه! إنني بعيد الشبه عنهم. كانت جيوبي مليئة بعدة قطع 25 و10 سنت، وهي تكفي لشراء شطيرة هامبرغر، وكوب صغير من الكوكاكولا. فكرت في إمكانية افتداء اعتباري الشخصي، بترك ميراثنا المؤلف من سلطة الشمندر ورائي. ولم يكن والديّ ينفقان أموالهما لأنهما كانا يعيشان تحت وطأة الفكرة القائلة إن المصيبة هي قريبة منهم، وأن اختباراً لوظائف الكبد قد يعود إليهما مرفقاً بوصفة طبية عاجلة من الطبيب تقول إنه يتوجب صرفهما من وظيفتهما لأن لغتهما الإنكليزية غير كافية. كنا جميعاً ممثلين لمجتمع الظل، مرعوبين تحت غيمة من الأنباء السيئة التي لن تأتي. لقد بقيت قطع الفكّة المعدنية في جيبي، أما الغضب فقد حفر مجراه، وتمدد ليكون أساسا لفرحة تصيبني في المستقبل. فلقد كنت ابنا لوالديّ.