29 نيسان/إبريل 2009

بقلم ديانا أبو جابر
ديانا أبو جابر مؤلفة كتاب "الهلال" (2003)، وحائزة على جائزة مركز بن في الولايات المتحدة الأميركية للرواية الأدبية، وجائزة مؤسسة ما قبل كولومبس للكتاب الأميركي وذلك عن كتابها: "موسيقى الجاز العربية" (2003)، وكتابها، "لغة البقلاوة" (2005). أما آخر رواياتها فهي، "الأصل" (2007). وهي أستاذة مساعدة في اللغة الإنجليزية في جامعة الولاية في بورتلاند، في بورتلاند بولاية أوريغون.
قررتُ منذ عدة سنوات أنني أريد أن أكتب شيئاً "حقيقياً." أردت أن أكتب مذكرات حول ترعرعي في أحضان عائلتي الأميركية- العربية. لكنني وبشكل ما، وقبل أن أخط بقلمي على الورق، شعرت بالصمت: فالكلمات كانت غائبة عني. كنت قد دأبت على كتابة الروايات منذ مدة طويلة عند تلك النقطة. ولكنني خلال صراعي لشرح الماضي، لتمرير يديّ فوق نسيج طفولتي، والأعشية العائلية، والأحاديث، والرحلات، كلها أشياء بدت وكأنها تغيب عن بالي. بدا الأمر أشبه بالتقاط الغيوم بشبكة اصطياد الفراشات.
لقد ولدت وترعرعت في أميركا، ولكن بسبب تراثي، يُطلب مني أحيانا أن أعلّق حول الشرق الأوسط، كما لو كنت نوعاً ما عالمة من علماء الاجتماع أو علماء السياسية. أما الحقيقة، فإنني روائية، أي أنني أفضل استحضار القصص الغريبة، العصّية على التصنيف، التي تدور حول أفراد، عن وصف الأقواس الواسعة للتاريخ أو الحضارة.
لكن الأميركيين يعشقون "الثقافة"، فنحن نتشوق إلى حس بالارتباط بشيء ما أكبر وأقدم من أنفسنا. ومعظم الناس هنا قدموا من أماكن أخرى، وتخالطوا بالزواج وفقدوا صلتهم بدمائهم وعروقهم القديمة. وفي ما يتعلق بي، فإنني نتاج زواج أب يمكنه إرجاع نسبه البدوي إلى عدة مئات من السنين، بأم لا تعرف ما يتعدّى كون جديها أيرلنديا وبافارية، أو ربما هولندية أو سويسرية، لكنها ليست متأكدة في كل حال. وقد اعتاد والدي تذكيرنا على الدوام، خلال نشأتي مع أخواتي في الولايات المتحدة، بأنه يجب ألاّ تختلط علينا الأمور، أي أننا في الحقيقة بنات عربيات. بنات صالحات، مطيعات، أردنيات.
وما عرفته عن ثقافة والدي إنما تسرب إليّ من خلال الجالية الأميركية العربية في سيراكيوز، بولاية نيويورك. بقلاوتنا المفضلة كانت تأتينا من جارتنا الفلسطينية المرحة الممتلئة القوام. أما دروس اللغة العربية فكنا نتلقاها على يد كاهن عراقي كلداني قاسي الملامح في الطابق السفلي الرطب لكنيسة أرثوذكسية شرقية. وأما دروس الرقص فقد كنا نتلقاها على يد امرأة مصرية ذات ابتسامة مشرقة. وكان والدي يفرش في بعض الأحيان سجادته الحريرية الجميلة القديمة المخصصة للصلاة، لكننا كنا كل يوم أحد نحضرُ القداس في الكنيسة الكاثوليكية الكبيرة التي تؤمها جدة أمي. هذه "الثقافة" كانت بعيدة بعد سنوات ضوئية عن نشأة والدي التقليدية في وديان الأردن.
أما هيأتي كشقراء فلم تكن لتساعد على جلاء الأمور في أي حال. فعندما كنت صغيرة جداً، كنت ألاحظ أن أقاربنا من الأردنيين كانوا يسترقون النظر إلى أخواتي وقريباتي، وإليّ عندما كنا نلهو ونلعب. وكان من عادتهم أن يغمغموا في ما بينهم قائلين، "ها هي – تلك الأميركية!" وحتى بعد مرور ذلك الزمن، فقد كنت أحس بأن تلك العبارة كانت تدلُ على التمييز والاستثناء، أي نوع من سموّ المنزلة لكن ليس بالضبط من صلب الزمرة. وكانوا يشيرون إلى أختي ذات البشرة الزيتونية، بوصفها "العربية." والأميركيون أيضا كانوا يجدون أن عليهم دائماً أن يذكرونني بأنني "لا أبدو عربية"، كما لو أن ذلك ينقص من حقي في أن أكون "عربية أميركية." وكنت أكره ذلك، وامتعض من الطريقة التي يعتقد الناس بها أنهم يعرفونني أو يعرفون كيف أشعر من خلال شكلي.
وفي يوم من الأيام أثناء دراستي الثانوية، قررت معلمة حسنة النية أن تجري اختباراً عمليا وهي تحاول أن تشرح لنا ما تعنيه عبارة "الهوية العنصرية." وهكذا انحنت السيدة هارو الشقراء الرشيقة فوق منضدتها وطلبت من التلامذة الذين يعتبرون أنفسهم "ملونين" أن يذهبوا إلى الجانب الأيمن من غرفة التدريس، ومن أولئك الذين يحسبون أنفسهم "بيضا" أن يذهبوا إلى جهة اليسار. ولدهشتي، فإن الصف قد بدا سهل الانقسام على نفسه، بشكل طبيعي...إلى أن بقيت وحدي جالسة في وسط غرفة التدريس. وبكل أمانة أقول إنني لم أدر إلى أية جماعة ينبغي عليّ أن أنضم. وبينما كان معظم تلامذة الفصل يعتبرون ذلك أمراً مثيرا للضحك، لكن معلمتي بدت منزعجة كما لو كنت أعاندها عن قصد. فالواضح أن السيدة هارو لم تعرف أبداً التنافر بين تفكيرها عن نفسها بطريقة ما، بينما يقوم الآخرون بتصنيفها في خانة أخرى. وكان بوسعي فقط أن أحسدها على ذلك التناغم السهل، فكم يبدو رائعاً إحساس المرء بنفس الشيء الذي يعتقده الناس عنه.
ولحسن الحظ فإن الولايات المتحدة شاسعة، وفيها الكثير من أنواع الطرق التي يمكن أن يجد الناس فيها أنفسهم. فكثير من المهاجرين يجدون ملاذاً لهم في تجمعات، أو في تقاربات عشائرية: كالبلدات الكورية، والأحياء الإيطالية وهايتي الصغرى. وخلال نشأتي، لم يكن هناك ما يكفي من الأردنيين حولنا لكي نشكّل معهم مجموعتنا العِرقية الحصرية، وهكذا عشنا في وسط خليط متنوع من العائلات والأصدقاء، وفي العادة كان هؤلاء من القادمين الجدد الذين يتشكلون من مروحة من البلدان العربية الأخرى المختلقة، ومن وقت لآخر كان الخليط يضم حتى مسافرين من أماكن مثل إيطاليا وتركيا واليونان. وكان الأمر يبدو كما لو انه من غير المهم كثيراً أن يتشاطر المرء تماماً مع سواه الطعام أو الدين، بقدر ما كان يهمه مشاطرة سواه بنفس الإحساس، إيقاعا أكثر بطأ لوتيرة الحياة، شغفا بالحديث، سلوكا أخلاقيا صارما، وولعا بالأطفال.
كان عالم طفولتي منقسماً بشكل فضفاض، إلى عالم داخلي ("العرب" والأصدقاء) وعالم خارجي (الأميركيون). ولكن، بالطبع، لم يكن في وسع المرء أن يتفحص هذا الانقسام إلى درجة دقيقة وإلاّ فإنه يبدأ بالانهيار. فمن جهة أولى، كان والدي وإخوته متزوجين من أميركيات. ولكن في عطلة كل نهاية أسبوع كنا نشهد حفلات تستغرق نهاراً كاملاً في منزلنا، مليئة بالطعام التقليدي والموسيقى والنقاشات الصاخبة، ومعظمها باللغة العربية، وأكثرها يدور حول السياسة. وبالنسبة لطفلة فإن الانفصال بين عطل نهاية الأسبوع (المليئة بالضجيج، والفكاهة والإثارة والخوف) وبين أيام الأسبوع العادية (المليئة بالهدوء، والفعالية، وبعض الرتابة) كان أشبه بممارسة صدمة ثقافية مستمرة. لقد تعلمت من الاجتماعات في بيت أهلي أن الكشف عن "الحقيقة" – بمعنى الحقيقة الخصوصية حول رغبات المرء ومخاوفه، ومعتقداته- كانت إحدى أكثر الأشياء مدعاة للخوف والمجازفة التي يمكن للمرء أن يفعلها في هذه البرية الأميركية.
فأبي كان يبدو وكأنه يتحول صباح كل يوم اثنين من طاه صاخب يجاهر برأيه إلى مدير مكتب أكثر حذراً وتحفظاً. وإنني لأشك في أن يكون قد أبدى آراءه علناً أمام زملائه، مع أنه كالعادة يعود إلى البيت ساخطاً وغاضباً بسبب جهل الناس بالشرق الأوسط. يبدو من غير المرجح أن يكون معارفه الأميركيون يعرفون عن توقه لامتلاك مطعمه الخاص به أو عن رغبته بالعودة بنا إلى الأردن. كل ما عرفوه عنه هو شخصيته الخارجية المركبة بعناية. والإجماع بين المهاجرين الذين عرفناهم بدا كما لو أن أميركا مكان رائع للدراسة وتأمين حياة مهنية، ولكن أن الأميركيين هم أيضا خطرون، ومجانين نوعاً، وغير جديرين بالثقة. فكل كلمة تقولها لهم يجب أن تكون محسوبة بكل عناية.
لقد بدا كما أنه لا يمكن التنبؤ بما قد يفعله الأميركي، خاصة إذا كان الأميركي صبياً. وكان هذا الشعور أقوى بشكل خاص لدى والدي المسكين بعد أن صار له ثلاث بنات، أي نحن كنا "حريمه" كما كان الناس يشيرون إلينا. فبالنسبة لوالدي لم يكن الصبيان المحليون سوى مجانين جنس عنيفين محتملين، ومدمني كحول ومخدرات. وكان الظاهر أن الفتيات الأميركيات كنّ آمن جانباً، لكني كنت دائماً أصاب بالصدمة بسبب خشونة صديقاتي وعدم إطاعتهن لأهلهن. كما كنت مندهشة للسهولة التي تقوم بها صديقاتي بالكشف عن أفكارهن حول مختلف أنواع شؤونهم الخاصة، فهن يتكلمن علناً عن أصحابهن الشباب، وعن عائلاتهن، كما عن طموحهن. ولقد أعجبت بثقتهن بأن آراءهن سوف تقبل، على الأقل، حتى وإن لم يتم تبنيها. أما أنا فلم أجد مثل هذه الثقة التامة لدى أهل هذه الدنيا، سواء أكانوا عرباً أم أميركيين. وقد كان هذا الأمر يتأكد عند مشاهدة أخبار المساء. فإن والتر كرونكايت قد يقول شيئاً معينا- عن فيتنام أو عن ريتشارد نيكسون أو عن الشرق الأوسط- ولكن والدي سيرد على كلامه بلهجة غاضبة وبمعلومات وآراء مغايرة. لقد تعلمت من الأخبار أن العالم، مرة جديدة، منقسم إلى جانبين. الأناس في الداخل (الأميركيون) وهم دائما على حق، والأناس في الخارج (أي كل ما عدا الأميركيين)، وهم لا قيمة حقيقية لهم ولآرائهم. ولكن بالطبع، كانت المشكلة بالنسبة لطفلة ابنة مهاجرين، في وسط بلاد مهاجرين، هي كيف يمكنها أن تعرف من هم بالضبط أولئك الناس الذين في الداخل وما يفترض بهم أن يكونوا.
****
ولقد وجدت أن محاولة إيجاد خبرة ثقافية مميزة (فريدة) هي أشبه بمحاولة النظر إلى شيء يطوف فوق سطح العين مباشرة. فخارج الحقائق الفجة حول اللغة والجغرافيا، كنت أكافح لكي أتيقن ما إذا كان هنالك شيء من شأنه أن يجعل قصة أي كان "عربية- أميركية" مميزة. فالصراع من أجل الهوية وتمثيل الذات، والتوتر بين المحافظة على الإرث وبين اعتناق الجديد، هي كلها مسائل حقيقية بالنسبة إلى الجالية الأميركية العربية. لكنها أيضا شائعة بالنسبة إلى جميع أنواع المهاجرين الآتين من كل تلك الأمكنة الأخرى.
وعندما صرت راشدة، بدأت أحس أن التجربة الأميركية العربية كانت تدور بنسبة أقل حول شيء يختص بالعالم العربي بالذات وبنسبة أكبر حول الطريقة التي يفهم بها الأميركيون "العروبة" ويستجيبون لها. وهكذا فإن هذه الحرب بين الشخصيتين، العامة والخاصة، صارت واحدة من المواضيع الرئيسية في كتاب مذكراتي. فلقد كنت أكتب مسودة تلو الأخرى التي أتلفها، مجاهدة ضد نفسي، وذاكرتي المجزأة، واستجاباتي العاطفية المشتتة. لقد عملت عبر عدة طبقات، وأجزاء من الصور، والأحاديث، وأشغال الإنسان اليدوية مثل وصفات الطعام لبلوغ قالب روائي أصلي.
رفضت إطلاع أحد على مخطوطتي، لأنني كنت قلما أستطيع التغلب على خوفي من كشف الحقيقة الذي تملكته ذاتياً بعناية، ذلك الخوف الذي هو موضع احترام كبير. فلقد خشيت أنه إذا اعترض عليها أحد أفراد عائلتي، قد يصبح من المستحيل عليّ متابعة كتابة أي شيء على الإطلاق. ثم، وبعد ثلاث سنوات من إعادة الكتابة، ومن البحث داخل ذاتي، وبعد أن قمت أخيرا بتقديم ما اعتقدت أنه قد يكون مسودة مقبولة إلى وكيلتي، فإنها ما لبثت أن أعادت المخطوطة إلي قائلة، "عليك إعادة كتابتها من جديد. وعليك هذه المرة أن تقولي لنا ما لم تقوليه."
وكدت أن أستسلم كلياً بالنسبة لهذا المشروع. وبدأت أعتقد أن أهلي قاموا بحمايتي أكثر من اللزوم، بحيث أصبحت شديدة التمزق بين ولاءاتي لبلدي القديم ولعائلتي وبين فني الأدبي الأميركي، بحيث أنني لم أعد قادرة على قول الأشياء التي لم أكن أقولها. وفي لحظة يأسٍ أفضيت بهمّي إلى والدتي مخبرة إياها بما يعذبني حول مذكراتي، وعن خوفي من أن أعرضها بطريقة خاطئة، وخوفي من إيذاء مشاعر الآخرين. وبعد صمت مستغرق بالتفكير فإن والدتي الرقيقة، الهادئة الصوت، والتي هي معلمة في مدرسة ابتدائية، ما لبثت أن قالت لي أخيراً: "حسناً يا عزيزتي، لقد فهمت أنك تحرصين على أن تكوني مراعية لشعور الآخرين ومحترمة لأحاسيسهم. وإني أعرف أنك تحبين عائلتك وتريدين أن تكوني منصفة للجميع. ولكن في نهاية الأمر، أنت تعرفين ما أقول؟ إنني أقول، إذا كان احد ما لا يعجبه كلامك، فليذهب إلى الجحيم!"
حسنا،ً لقد صدمني جوابها فوقعت في صمت مطبق. لكن الصدمة ما لبثت أن تحولت إلى شعور بالراحة. فإن أمي الأميركية قد زودتني بذلك الجزء الاستثنائي من الثقة، زودتني باعتقاد في نهاية الأمر بأن من حقي أن أكتب قصتي الخاصة، وأن أنادي بها علناً. لقد بدأت مرة أخرى بالكتابة. وبعد ذلك بسنة واحدة، كان كتاب "لغة البقلاوة" قد أخذ طريقه إلى النشر.
ويتساءل الناس عادة، لماذا لا أكتب بنفس القدر عن أمي. والحقيقة هي أن أبي هو بكل بساطة موضوع أسهل للكتابة. ولست أدري ما إذا كان ذلك يعود إلى الفارق الثقافي، أو أنه يقتصر على شخصيته، لكنه أكثر مرحاً وهزلاً، وأعلى صوتاً، وأكثر غرابة من معظم الناس الذين التقي بهم. وفي الوقت نفسه، فإنني أعتقد أيضا، وبشكل مجرّد، أنني ما كنت لأصير كاتبة لولا المثال الذي وفرته أمي. فبالرغم من أنها لا تملك شجرة نسب غير اعتيادية، فإنها مع ذلك كله قد أصغت إلى الموسيقى نفسها مثل جميع الأميركيين الآخرين، وهي لم تكن شغوفة لا بشؤون الطبخ ولا بشؤون السياسة، ولم يكن مهماً بالنسبة إليها من أي بلاد أتت: كانت عميقة التفكير، تحترم الغير، وذكية. فلطالما جلبت لي الكتب، وسألتني عن شؤوني، وعلمتني حسن الإصغاء والملاحظة، وكيفية التفكير والقراءة.
وبعد صدور "لغة البقلاوة"، وجدت أنني أريد أن أتوغل أكثر فأكثر في ماضيّ الأميركي، ولهذا كتبت كتاب "الأصل"، وهو عبارة عن رواية قتل غامضة، يكون فيها البطل الرئيسي يتيماً نشأ في سيراكيوز، ولا يعرف أي شيء عن والديه الطبيعيين. لقد كان هذا الكتاب مختلفاً عن أي كتاب كنت كتبته من قبل، وبسبب صفته الجديدة وحدها كان يشعرني بإرضاء عميق.
هذا لا يعني أنني أتخلى عن استكشاف جذوري الأردنية، أو أنني لم أعد مهتمة بها، لكنه يعني بكل بساطة، ومثلي في ذلك مثل جميع الأدباء، احتاج إلى أن أستمر في دفع نفسي باتجاه طرق أخرى للبحث عن الحقيقة، والكتابة عنها. وإن الأمل والامتياز الأكبر لأي كاتب يكمن في الاندفاع إلى أقصى حدود حريته الفنية، إلى حقه في إعادة الخلق الخيالي. فمن جوانب كثيرة، ومهما كانت تربيتي أحيانا صارمة، فإنني ممتنة الآن لأنني امتلكت كلا من الثقافتين، ليس من أجل توسيع مجال إحساسي بهذا العالم فحسب بل وأيضاً من أجل أن أصقل نفسي في مواجهته. لأنني، وفي بعض الأحيان، أعتقد، أنه من الأفضل ألا يقول المرء كل شيء. وأحيانا من الجيد أن تترك الأشياء قليلاً لكي تختمر في الصمت والفكر.
وكنت في الآونة الأخيرة قد اشتركت في ندوة قراءة في مكتبة صغيرة في نيويورك. وخلال فترة الأسئلة والأجوبة اللاحقة فإن امرأة من الحاضرين هزت رأسها بالموافقة وقالت لي، "إنك تكتبين كعربية."
وفي حين أني لم أكن متأكدة تماماً ما الذي تعنيه تلك المرأة بذلك السؤال، لأن القصة كانت حول شخصيات أميركية ومكتوبة بكل تأكيد باللغة الإنجليزية، فقد شعرت بسرور غريب بسبب ذلك الحسّ التأكيدي، وبسبب ذلك القبول. فبعد عدة سنوات من عدم التلاؤم، فإن الأمر بدا، في نهاية المطاف، كنوع من الاعتراف. ابتسمت وقلت لها، بكل امتنان، "شكرا لك."