29 نيسان/إبريل 2009
بقلم دانيال ألاركون
دانيال ألاركون الروائي المولود في البيرو، كان قد هاجر مع عائلته في العام 1980، من مدينة ليما المضطربة في البيرو إلى الولايات المتحدة عندما كان لا يزال في الثالثة من عمره، لكن العنف استمر في التعرّض لعائلته. وكان عمه المعارض لجماعة الثوار الماويين المدعوة الدرب الساطع" قد اختفى. وقد علمت العائلة في وقت لاحق أنه قتل في العام 1989. وهكذا فإن الحرب تسكن الكثير من كتابات ألاركون. نشر ألاركون كتابه الأول وعنوانه: "الحرب تحت ضوء الشموع" في العام 2006، وقد بلغ كتابه المرحلة النهائية لجائزة: بّن/همنغواي، كما تلقى عدة درجات زمالة فخريّة. وهو محرر مساعد لمجلة نالت جوائز تدعى إيتيكيتا نيغرا، التي تصدر في بلده الأصلي ليما، كما أنه في الوقت الحاضر باحث زائر في مركز دراسات أميركا اللاتينية في جامعة كاليفورنيا، في بيركلي.
وروايته الأولى، "راديو المدينة الضائعة" (2007)، تجري أحداثها في بلد أميركي لاتيني وهمي. وهي قصة عن الحرب والمفقودين، وتتحرى مصير راي، الزوج المفقود لبطلة الرواية صاحبة القضية. وهنا يقوم المؤلف بوصف المشهد الهادئ الذين كان سائداً قبل انجراف راي، الذي كان لا يزال تلميذ مدرسة، في تيار العنف السياسي.
كان سجن المدينة على بعد شارعين من الساحة العامة، حيث كان يتشاطر شارعاً جانبياً هادئاً مع البيوت المتواضعة لخادمات المنازل وعمال البناء. كانت الواجهة الخارجية للمبنى زرقاء باهتة، مزينة بطلاء بدائي من النوع الوطني وكان هذا الطلاء، إذا تمّ تفحصه عن قرب (كما كان يفعل راي)، أغبش وغير دقيق مثل الصور المبقّعة التي تظهر على الصفحات الأولى لجريدة المدينة الوحيدة. شعار هندي قديم – لا تكذب، لا تقتل، لا تسرق- كان مكتوباً بخط اليد بأحرف سوداء حادة فوق عارضة الباب، ربما لتعطي السجن الساكن أهمية لا يستحقها. كان راي يحب هذا السجن: يحب الجلوس مع عمّه الذي كانت وظيفته، كما يبدو، تقوم على مجرد انتظار المتاعب كي تطلّ برأسها. وحسبما يقول تريني، لم يكن هناك ما يكفي منها. كان يتذمر بمرارة من سكون هذه المدينة، وكان يحب سرد الحكايات عن السنة التي قضاها في العاصمة. ولم يكن هنالك من سبيل لمعرفة أي من قصص العم كانت صحيحة، وأيها غير صحيحة. وإذا سمع المرء تريني وهو يرويها، تبدو المدينة كأنها مسكونة باللصوص، والأوباش، والقتلة، بصورة متساوية. ومن يسمعه وهو يروي هذه القصص، فإنه قد يتخيل أنه حيال ماكينة تكافح الجريمة، قوامها شخص بمفرده، فهو العدالة التي تخفر الشوارع المنكودة، متمتعاً بالإصرار والشجاعة. تلك المدينة! كان من الصعب تخيلها: مكان عفن، يحتضر، بل وحتى متحلل ومليء بالظلال. ولكن كيف تبدو تلك المدينة؟ لم يكن راي قادراً على تصوير ذلك: المحيط الأسود الهادر، الشاطئ الصخري المسنّن، الغيوم الكثيفة، الملايين من الناس الذين يحجبهم الغروب الدائم. أما هنا، فالشمس ساطعة، والجبال الحقيقية تُكلّل رواسيها الثلوج. السماء زرقاء وصافية، والنهر متعرج، والساحة مرصوفة بالحصى، وفيها نافورة مياه مترقرقة. والعشاق يداً بيد فوق مقاعد المتنزه، والأزهار متفتحة في جميع مساكب الزهور التابعة للبلدية، وأما روائح الخبز الطازج فإنها تملأ الشوارع كل صباح. والحي الذي يقطنه راي ينتهي على بعد عشرة شوارع من الساحة العامة في أي اتجاه، لتبدأ بعدها الممرات الغبراء والحقول المروية، وبيوت المزارع الصغيرة ذات الأسقف المغطاة بالقش الأحمر. وصف تريني مكاناً لم يكن راي قادراً على تخيله: مدينة أصابها الانحلال الفاتن، مكان مزدان بأضواء النيون والألماس، مكان مدجج بالأسلحة والمال، مكان هو في الوقت نفسه برّاق وقذر.
حقوق النشر محفوظة 2007، أعيد نشرها بإذن من هاربر كولينز.