التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

27 نيسان/إبريل 2009

كعكة الحظ الاميركية

 
المؤلفة ومراسلة نيويورك تايمز  جنيفر 8 لي.
المؤلفة ومراسلة نيويورك تايمز جنيفر 8 لي.

بقلم جنيفر 8 . لي

جنيفر 8 لي مؤلفة كتاب "حكاية كعكة الحظ: مغامرات في عالم الأطعمة الصينية" (2008) ، ولديها "مدونة للعمل المباشر" تترافق مع كتابها الذي  يتعقب تاريخ كعكة الحظ. وهي تعمل مراسلة لصحيفة نيويورك تايمز.

الأميركيون يعشقون كعك الحظ. لدينا كعك حظ لعيد الميلاد،  كعك الحظ لحفلات الزواج، كعك الحظ لعيد القديس فالنتين، كعك الحظ للهانوكا، وحتى الكلاب لها كعكة حظ خاصة بهم.

هذه الكعكات، المصنوعة من الزبدة والفانيلا وبداخلها قصاصات ورق يكتب عليها حظ الشخص الذي سيأكلها، تنطوي على جاذبية عاطفية لدى الأميركيين. تبيع المخابز كعكات على شكل أكواب. وهناك كعكات حظ من المجوهرات. فمثلا، تباع كعكة حظ مرصعة بالألماس ومصنوعة من  الذهب عيار 14 بمبلغ 1,100 دولار لدى متجر نيمان ماركوس الراقي. وهناك كعكات حظ على شكل معدات الكمبيوتر: إذ يمكنك شراء كعكات حظ على شكل أقراص إدارة صلبة. كما  توجد ألبومات خاصة بكعكات الحظ، تشبه ألبومات الصور، لكنها تُستعمل لحفظ قصاصات الورق الصغيرة الموجودة داخل الكعكات.

يؤمِن الأميركيون بقوة بما يكون مطبوعاً على تلك القصاصات الورقية الصغيرة إلى درجة أنهم يؤمنون بصورة لا يمكن تفسيرها بالأرقام  السعيدة التي تطبع عليها عادةً. في آذار/مارس 2005، ربح 110 أشخاص عبر البلاد مبلغاً وصل مجموعه إلى 19 مليون دولار في اليانصيب لأنهم راهنوا على الأرقام الصغيرة الموجودة في أسفل ورقة كعكة الحظ التي اشتروها. وبعد مرور شهرين، ربح 84 آخرون في نفس اليوم ولنفس السبب تقريباً.

الشيء المضحك: يفترض معظم الأميركيين أن كعكات الحظ تأتي من الصين لأنهم يحصلون عليها في مطاعم صينية. كنت مرة من بين هؤلاء الأميركيين. فقد ولدت في مدينة نيويورك وكنا نحصل على كعكات الحظ من مطاعم صينية كنا نرتادها خلال نشأتنا. ما الذي كنت أعرفه؟ لم تطأ قدمي الصين قبل العشرينات من عمري.

لم أعرف إلا عندما كنت في المدرسة المتوسطة، بينما كنت أطالع رواية شعبية عنوانها "نادي الحظ السعيد" للمؤلفة إيمي تان، أن كعكات الحظ ليست صينية الصنع على الإطلاق، لأن النساء في هذا الكتاب، وهنّ مهاجرات صينيات، كنّ يسخرن لصنعها في مصنع لكعكات الحظ في سان فرانسيسكو.

توقف عالمي عن الدوران. كعكات الحظ ليست صينية؟

كان ذلك كما لو علمت بأني متبناة وفي نفس الوقت أن بابا نويل غير موجود. زعزع ذلك مفهومي للعالم.

غرست هذه الصدمة بذرة الفضول في داخلي حول كعكات الحظ. وكانت لي رحلة بعد ذلك بأكثر من عشر سنوات، تنقلت خلالها عبر الولايات المتحدة وسافرت إلى أركان بعيدة من العالم، البيرو، البرازيل، الهند، الصين، واليابان.أردت ان أكتشف المسار الذي اتبعته هذه الكعكة الغامضة (للوصول إلى الولايات المتحدة).

ماذا علمت: كعكات الحظ معروفة جيداً في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ولكنها تربك الناس في الصين. إذا قدّمت كعكات حظ إلى صينيين تظهر عليهم علامات الحيرة التامة.  يسألونك أولاً، ما هذه"؟ وبعد أن تجيبهم أنها من أميركا، يهزون رؤوسهم بالموافقة. ثم يتناولون لقمة منها ويذهلون عندما يجدون قطعة ورق صغيرة إما داخل افواههم أو داخل هذه الكعكة. يسألونك عن هذه الورقة وسبب وجودها في الكعكة وتخبرهم "أنها ورقة الحظ"،  فيتمتمون، "حقا إن الأميركيين غريبو الأطوار. لماذا يضعون قصاصات ورق داخل كعكاتهم؟"

اقتفاء أثر قصة كعكة الحظ كان بمثابة سحب قطعة طويلة من الخيوط. اقتفيت أثر مسيرة كعكة الحظ في المخابز التي يديرها مهاجرون يابانيون في كاليفورنيا منذ أوائل القرن العشرين والتي لا يزال بعضها يعمل حتى اليوم. وما أدهشني أكثر هو تمكني من اقتفاء أثر مسيرة كعكات الحظ حتى اليابان حيث لا تزال تصنع في مخابز صغيرة تديرها العائلات في كيوتو. وحتى تجد هناك لوحة يابانية يعود تاريخ رسمها إلى أواخر القرن التاسع عشر، أي قبل أن يأتي ذكر كعكات الحظ في الولايات المتحدة على الإطلاق، تظهر رجلا يرتدي كيمونو ويصنع ما يبدو على أنه كعكات حظ.

تُعرف كعكات الحظ في اليابان باسم تسوجويرا سنباي، وسوزو سنباي، وهذه الكعكات أكبر حجماً وأغمق لوناً من بنات عمومتها الصفراء المصنوعة في الولايات المتحدة. يستعمل السمسم وشراب الميسو لتطييب طعم الجوز أو البندق.

إذاً ما الذي حدث لكي تتحول من شيء يصنع في اليابان إلى شيء يقدم في المطاعم الصينية؟

عندما بدأت أبحث بفضول هنا وهناك، جمعت المعلومات التي حصلت عليها وعرفت أنه خلال الحرب العالمية الثانية اعتقلت الحكومة الاميركية العديد من اليابانيين الموجودين في الولايات المتحدة خوفا من قيامهم بالتجسس ضد البلاد، وكان من بين هؤلاء من يصنع كعكات الحظ. كان ثلثا عدد الذين اعتقلوا في معسكرات خاصة من المواطنين الأميركيين، وفي نهاية الأمر، وبعد انقضاء عقود، اعتذرت الحكومة الاميركية لتصرفها هذا.

لقد استغرق مني الأمر ثلاث سنوات لكي أستوعب جذور اهتمامي بكعكة الحظ: سعيي إلى فهم كعكة الحظ كان بالفعل سعيي لمعرفة ذاتي.

فالصين هي أكبر دولة مصدرة للمهاجرين في تاريخ العالم. والولايات المتحدة هي أكبر دولة مستقبلة للمهاجرين في تاريخ العالم. وأنا، تماماً كما الأطعمة الصينية التي كبرت معها، أجلس عند تقاطع هذين التيارين. 

كعكة الحظ رمز لتكيف المهاجرين الصينيين في البلاد التي تبنوها. كان الأميركيون شديدي التوق للاعتقاد بأن كعكات الحظ الغريبة هذه جاءت من المملكة الوسيطة النائية رغم أن الرسائل الصغيرة داخل الكعكات لم يكتبها حكماء صينيون، وكان الصينيون سعداء لتلبية اعتقاد الأميركيين، فأنتجوا الملايين من كعكات الحظ، التي وصل عددها بسرعة إلى مليارات. لم يعد من المهم أن يظل الناس في الصين ينظرون بحيرة لعقود طويلة إلى كعكات الحظ رغم أن شكلها الهلالي المقرمش يعرفه الأميركيون في كل مكان.  

عندما ينظر الناس في الولايات المتحدة إلى كعكة الحظ فإنهم يفكرون فوراً: "الصين" لكن الواقع أن اليابانيين هم من أدخلوا كعكة الحظ، ثم نشر شعبيتها الصينيون، وفي النهاية يستهلكها الأميركيون.

نقول دائماً في أميركا إن "كعكة الحظ أميركية مثل فطيرة التفاح." ولكن هنا يجب ان نسأل أنفسنا ما إذا كان معيارنا لما هو أميركي هي فطيرة التفاح، فكم مرة يأكل الأميركيون فطيرة التفاح؟ والآن نسأل كم مرة يصادفون كعكات الحظ؟ هناك 3 مليارات كعكة حظ تصنع كل عام، أي 10 كعكات لكل رجل وامرأة وطفل في البلاد.

وبصورة مماثلة، ينظر الناس إليّ أحياناً ويعتقدون أنهم يشاهدون شخصاً صينياً. يسألوني: من أين أنت؟ (الجواب هو مدينة نيويورك حيث ولدت وترعرعت وأقطن الآن). لكنهم إذا أغلقوا أعينهم سوف يسمعون صوت شخص أميركي دون أدنى شك.  

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي