27 نيسان/إبريل 2009

بقلم راندال كينان
تشمل الأعمال الأدبية لراندال كينان، التي لاقت استحسان النُقاّد، روايتي "زيارة الأرواح"
(1989)، و "دع الأموات يدفنون الأموات" (1992). وقد طاف عبر أميركا لسنوات عديدة وأجرى مقابلات مع أفريقيين أميركيين من جميع مسارب الحياة لكتاب بعنوان، "حياة الأميركيين السود في أوائل القرن الحادي والعشرين" (2000). أحدث كتبه وعنوانه "النار هذه المرة" (2007) كان بمثابة تكريم جاء في موعده لجيمس بولدوين (James Baldwin ). يُدرّس كينان موضوع الكتابة الإبداعية في جامعة نورث كارولينا، في تشابل هيل.
لم أُشاهد أبداً الكلب الشبح، ولكني أستطيع أن أراه، رغم ذلك. قال بعضهم إنه في الواقع ذئب، رمادي له عينان حمراوان تومضان. بعضهم قال إنه "سونر" كبير (كلمة جنوبية لكلمة هجين أو كلب هجين). ولكن لدى الإبلاغ عن رؤية الكلب الشبح، لاحظ الناس أن الكلب كان أبيض اللون ويشبه الشبح نوعاً ما، وفي غالب الأحيان من نوع كلاب الشيبرد الراعي الألماني الذي يتميز بالأنف الحاد والأذنين المستدقتين. نبيل. ثابت العزيمة.
في كل قصة سمعتها وأنا طفل، كان الكلب مساعداً: أخبرتنا خالة جدتي كيف قادها الكلب إلى خارج الغابة بعد أن ضلّت طريقها في إحدى المرات. كانت هناك أيضاً قصة طويلة تمثّلت فيها جدتي الكبرى، عاصفة، وبغلا، وعربة محطمة، والكلب الشبح البطولي. أفادت إحدى النساء بأن مجموعة من الكلاب هاجمتها وكيف أن هذا الكلب الأبيض الجميل قفز لنجدتها، ظاهراً من لا مكان، ورافقها إلى أن وصلت إلى منزلها سالمة. وعندما استدارت على مدخل باب منزلها كان الكلب قد اختفى.
كان الناس يرون الكلب دائماً على قسم مُعيّن من طريق عام أسفلتي، كان ممراً في أحد الأيام للأميركيين الأصليين، ثم أصبح طريقاً ترابياً، وعندما صرت صبياً أصبح طريقاً رئيسياً يؤدي إلى الشاطىء. كان الطريق العام رقم 50 يجتاز غابة مُدهشة من الأشجار القديمة. بلوط، حور، صنوبر. وبشكل خاص شجرة الصنوبر المهيبة، الشاهقة، الكثيفة الفروع الطويلة الورق التي أصبحت مهددة بالانقراض الآن. بالنسبة لي كطفل كانت هذه الغابة بدائية ومليئة بالأسرار، والأخطار، والساحرات، والعفاريت وجميع أنواع الأعاجيب. قرأت عن ذلك في حكايات الجن للكاتب غريم. وذلك الكلب الأبيض المذهل. الكلب الذي لم أشاهده أبداً ولكنه عاش في خيالي ولا يزال يعيش فيه.
أصبح الآن منطقياً لي تماماً بأني في أحد الأيام سأكتب قصة حول ذلك الكلب الشبح وعن ذلك العالم من جنوب شرق ولاية نورث كارولينا. مقاطعة دوبلين. شينكوابين. بلدة يقطنها فقط حوالي مئتي نسمة. القسم الأكبر منهم فلاحون، عمّال في مصنع دواجن، عمّال في قاعدة بحرية. ولكن تلك الحتمية الظاهرة لم تكن واضحة لهذه الدرجة في ذلك الوقت.
2.
عندما غادرت بلدتي الصغيرة التي تقطنها الأشباح في ولاية نورث كارولينا لأول مرة ، تابعت دراستي الجامعية في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، أقدم جامعة رسمية في البلاد، معقل للفكر الكلاسيكي، التفكير الاجتماعي التقدمي، والفن الرفيع، والأهم بالنسبة لي في ذلك الوقت: الفكر العلمي. كان هدفي في تلك الأيام أن أصبح عالم فيزياء، وما أثار اهتمامي بالعلوم كانت الساعات التي قضيتها في مشاهدة أوبرا الفضاء مثل "الأساس" من تأليف أيزاك أزيموف، و"كثيب الرمل" لفرانك هربرت، في فيلم ستار تريك، والأفكار الخيالية حول ثقافات غريبة، والسفر بأسرع من سرعة الضوء، والثقوب السوداء، والثقوب الدودية، وبنادق الأشعة الباردة. (لن أنسى أبداً اليوم الذي قال لي فيه أستاذ الفيزياء عندما كنت طالباً في السنة الجامعية الثالثة: "أعتقد يا بُني أنك تريد أن تصبح فعلاً كاتب قصص خيال علمي." وعندما امتعضت، محاولاً أن أشرح حصولي على درجة "وسط" في الحساب التفاضلي، قال لي بسرعة: "لا يوجد أي عيب في أن يكون المرء كاتباً. هناك عدد كبير من العلماء أرادوا أن يصبحوا كُتّاباً لو استطاعوا. لذلك كن شاكراً أنك تستطيع ذلك.")
والحقيقة الواجب قولها هي أن اهتمامي بروايات الخيال العلمي قادني إلى دراسة الكتابة الإبداعية، ودراسة الكتابة قادتني إلى دراسة الأدب. ولكننا نتحدث هنا عن نوع الأدب النخبوي الرفيع، المترسّخ، شارلز ديكنز (Charles Dickens)، وإف سكوت فيتزجرالد (F. Scott Fitzgerald) ، ووليام ميكبيس ثاكاري (William Makepeace Thackeray)،. أصبح واضحاً لي في وقت مُبكر أن هناك معتقدات تقليدية موجودة هنا. عندما تكون في الجنوب الأميركي وفي جامعة أميركية جنوبية أولى، يكون الأدب الجنوبي هو الملك والملكة: توماس وولف (Thomas Wolfe)، وليام فوكنر (William Faulkner)، فلانيري أوكونور (Flannery O'Connor)، ريتشارد رايت (Richard Wright)، يودورا ويلتي (Eudora Welty). كان الأدب الجنوبي يعني الواقعية الاجتماعية. كان هؤلاء يشكلون الرموز الأيقونية التي تقدّم لنا كمثل يحتذي به الكتّاب الجنوبيون الطموحون الشباب. وأي ميل نحو الأوهام كان يقابل بعدم التشجيع. وحتى الاستهزاء به. الكتّاب الحقيقيون، الكتّاب الجيدون، يكتبون حول العالم كما هو. "أكتب ما تعرفه" كان النص المقدس لصفوف الكتابة الخلاقة المعششة في حضن دائرة اللغة الإنجليزية، وعند وصولي إلى سنة التخرج، لم يعد اختصاصي الأساسي علم الفيزياء بل اللغة الإنجليزية. كنت أكتب ما أعرفه. كنت أعرف الكلاب الأشباح.
3.
عشرة أشياء حول شينكوابين:
حقول مزروعة بفول الصويا
كنيستان معمدانيتان للسود
أفاعي مجلجلة
بيوت لتربية ديوك الحبش
حقول مزروعة بالخيار
غزلان
اجتماعات عائلية في فصل الصيف
مخازن للتبغ
اجتماعات لإحياء التقاليد في أيلول/سبتمبر
أحذية دون كعوب ذات مقدمة قطنية
4.
عندما وصلت إلى الجامعة في تشابل هيل في خريف عام 1980، كانت نسبة الأفريقيين الأميركيين لا تتعدى 4 أو 5 بالمئة تقريباً. مع ذلك، أثبت هؤلاء المئات من بين الآلاف وجودهم. وبغض النظر عن السبب، كان معظم أصدقائي الحميمين من الأفريقيين الأميركيين. هل كان سبب ذلك الحاجة إلى الألفة؟ الشعور بالترابط؟ الارتياح مع من هم مثلي؟ وكان لي بالتأكيد العديد من الأصدقاء البيض، الجيدين، الحقيقيين، الحميمين- وأصدقاء يابانيون وهسبانيون وهنود ما زلت على صداقة حميمة معهم حتى الآن- لكن انجذاب الثقافة الأفريقية الأميركية جرفني. كتبت لصحيفة الطلاب السود. أنشدت ضمن فريق الكورس الإنجيلي لحركة الطلاب السود.
لم أشعر أبداً بأي ضغط حقيقي لكي "أكتب بالأسود." كان لدي احترام كبير لإنجيل الواقعية الاجتماعية وشريعته وكنت أعرف ذلك جيداً. ولكن لكل سيرة ذاتية قدمتها إلى ورشة العمل، كنت أخط أيضاً قصة تصور ساحراً شعبياً أفريقياً أميركياً، أو محطة فضاء أو كلبا يتكلم. علاوة على ذلك، وبحلول ذلك الوقت، صادفت ثلاثة كتّاب أعطوني ما أحب أن أُسميه الآن بالإذن.
أفضل تدريب يستطيع كاتب الحصول عليه هو المطالعة، المطالعة والمطالعة أكثر وأكثر. هذا شأن أساسي حتى أكثر من الكتابة. ومع أني نهلت من الكتّاب الجنوبيين المكرّسين المذكورين أعلاه بسرور عظيم، وأضفت إلى ذلك الخليط تحقيقاً عميقاً لكتّاب القصص الأفريقيين الأميركيين العظماء، رالف إليسون (Ralph Elison)، جيمس بولدوين (James Baldwin)، غويندولين بروكس (Gwendolyn Brooks)، فقد كنت أقع على كتّاب خارج جدران تلك الحديقة ممن كان لهم تأثير هائل على الطريقة التي أنظر فيها إلى عالم الرواية النثرية. أيزاك باشيفيز سينغر (Issac Bashevis Singer)، يوكيو ميشيما (Yukio Mishima)، أنطوني بيرجس (Anthony Burgess). كتّاب لم يكونوا من النظرة الأولى أبطالاً واضحين لرجل أسود شاب من الجنوب الشرقي الريفي لولاية نورث كارولينا.
كانت طوني موريسون(Toni Morison) ، التي أصبحت لها شعبية في ذلك الحين، وقبل سنوات من نشر كتابها "المحبوب" وحصولها على جائزتي بوليتزر ونوبل، هي التي علمتني شيئاً مهماً يفتح العقل. ما عدا استثناءات قليلة، كان الأدب الأفريقي الأميركي يقع تحت مظلة الأدب "الاعتراضي" الذي تعود جذوره إلى القرن التاسع عشر ووفرة روايات العبيد الشهيرة. وحتى في وقت متأخر في العام 1970، السنة التي نشرت فيها موريسون أول رواية لها، كانت معظم الروايات الإفريقية الأميركية تتعامل بدرجة كبيرة مع مسائل تتعلق بالحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية للسود. لكن موريسون أخذت كموضوع أولي لرواياتها الناس السود أنفسهم وليس المفهوم العرقي أو السياسي. اختارت بدلاً من ذلك التركيز على الديناميات الشخصية والعائلية، شؤون القلب والروح. في عالمها قد يمر مشهد الناس البيض دون أن يأتي ذكره في مئات الصفحات. بالنسبة لعقلي البالغ من العمر 18 سنة كان ذلك اكتشافا.
كانت كتابات المؤلف الكولومبي العظيم غابرييل غارسيا ماركيز(Gabriel Garcia Marquez) أول تعريف لي بما أصبح يعرف شعبياً بالواقعية السحرية. لن أصبح أبداً نفس الإنسان مرة أخرى (في محاضرته عندما حصل على جائزة نوبل، شدد غارسيا على عدم وجود أي شيء خيالي في عمله. فالعالم الذي يكتب عنه هو عالم حقيقي دون أي شبيه. فهمت رأساً بالضبط ما عناه). فهنا كاتب كتب حول الأشباح ومدينة تعاني من فقدان الذاكرة الجماعية وعواصف من الفراشات والنساء اللواتي يطرن إلى السماء بنفس لغة الواقعية الاجتماعية، وفي حقيقة الأمر فإن الكتّاب الثلاثة المفضلين له كانوا فوكنر، وإرنست همينغواي، وفيرجينيا وولف.
صعقتني زورا نيل هيرستون (Zora Neale Hurston) كقنبلة نيوترونية، وكانت قد بدأت إعادة اكتشاف كتبها التي ظلت مهملة لمدة طويلة عندما كنت في الجامعة. فهنا كانت عالمة الانثروبولوجيا المُدّربة هذه، القادمة من فلوريدا، هذه الأفريقية الأميركية، التي دمجت بسلاسة الفولكلور مع الحياة الفولكلورية والواقعية الاجتماعية مع الخيال. ومثلها مثل موريسون، التي تعلمت الكثير من هيرستون، لم تضع السياسة العرقية فوق الجوهر الوجودي للثقافة السوداء.
"نشيد سليمان"، "مئة سنة من الوحدة"، "عيونهم تراقب الله"، كان ذلك كما لو كانت كل هذه الروايات تقول لي بصورة جماعية: انطلق واكتب يا ولد. أكتب شيئا خاصا بك.
في موضوع أطروحة برنامج مساق الشرف (هونورز) الدراسي، أعددت عدة فصول من رواية مقترحة جرت أحداثها في بلدة صغيرة في نورث كارولينا تشبه كثيراً بلدة شنكوابين، وتُسمى تيمز كريك. تحدثت عن شخصية محام شاب، ابن المدينة، الذي أصبح محامياً ناجحاً في واشنطن العاصمة. ولكن في فصل صيف مشؤوم، لدى عودته إلى تيمز كريك مملوءاً باضطراب عاطفي معين، التقى بساحر رقاه، وفي الليلة التالية، تحت نور البدر، يتحول إلى غول. أطلقت على الرواية اسم "الرماد لا يحترق."
ارحموني، ارحموني.
5.
تصوّر كيف سيكون الأمر إذا كانت أول وظيفة تشغلها بعد تخرجك من الجامعة العمل لدى ناشر كتب لبطلين من أبطالك الأدباء. دار نشر ألفريد إي نوف (Alfred A. Knopf). في مدينة نيويورك. هذا الناشر القديم لكتب طوني موريسون. الناشر الجديد لكتب غابرييل غارسيا ماركيز. 1985. وما لبثت أن أصبحت مساعداً لمحرر مؤلف كتاب "الحب في زمن الكوليرا." بالنسبة لكاتب طموح كان ذلك كالدراسة عند أقدام مرلين.
ولكن كان هناك تعليم آخر يحدث لي. سوف أقضي سنوات في كوينز ومن ثم في بروكلين. كنت التقي يوميا في قطارات الأنفاق، في الشوارع، في المتاجر، وفي نهاية المطاف في المنازل بأناس سود من كافة أطياف الشتات الأفريقي. تعرّفت على أناس سود من غانا، ترينيداد، هايتي، تورونتو وهيوستون، بتكساس. تحدى هذا اللقاء كافة هذه المفاهيم الوثيقة عن ماذا يعني أن يكون المرء أسود، وجعلني أنظر إلى الوراء إلى العالم الذي ترعرعت فيه بعينين جديدتين كليا. وفجأة فإن أمورا مثل السمك المقلي، وفرق كورس الكنيسة غير المتناغمة، والساعات التي تقضيها تحت أشعة الشمس المحرقة في حقول التبغ، ومدرسة تعليم الإنجيل خلال العطلة المدرسية، وقتل الخنازير البرية، وقصص الكلاب الأشباح، أصبحت مهمة نوعاً ما، مهمة للكتابة حولها.
كان كتاب "الرماد لا يحترق" يشكو من عيب أساسي واحد، وبالنظر إلى الوراء، أشكر أساتذتي في جامعة نورث كارولينا، المُشبعة بالواقعية الاجتماعية، لمساعدتي في إدراك ذلك الحاجز. لم يكن للعائد إلى البلدة أي شيء يتعلق بظاهرة الاستذئاب، وبكلام بسيط: لم أكن محام بعمر تجاوز الثلاثين يمر بأزمة لدى عودته إلى الديار. لم أكن أكتب حول ما "أعرفه." ولكني كنت ولدا في نفس ذلك المنزل، وهكذا، شيئا فشيئا تغيرت القصة التي كنت أكدح لكتابتها. أبقيت الشخصيات الخارقة للطبيعة التي كنت متأكدا أنها تقطن تلك الغابات السوداء. لم يتغير المنظر الطبيعي على الإطلاق، وفي الواقع من المحتمل أنه ازداد ثراءً وعمقاً، والسبب الجزئي لذلك كان حنيني له، واستجابة للمدينة المؤلفة من ستة مليارات قدم، والحلم بالغابات والغزلان، وبحقول الذرة.
القصة التي كتبتها بسرعة وبمثابرة في الأمسيات، في قطارات الأنفاق، في عطل نهايات الأسبوع، نشرت في نهاية الأمر في صيف عام 1989 تحت العنوان، "زيارة الأرواح." وللعجب، فإنها لا تحتوي على قصص كلاب أشباح بل على الكثير من الأشباح والمخلوقات الأخرى، أرواح من العالم ومن العقل، ممزوجة بجرعة سليمة من الواقعية الاجتماعية التي جرى تعليمي إياها بدقة كبيرة، والتي احترمها بإعجاب كبير.
بالنسبة لي الآن، تبدو هذه المقاربة وكأنه لا يمكن تجنبها. صحيح. الطريق الوحيد لي هو أن أقوم بها. مع ذلك فإن المسار نحو تلك الرؤية الخيالية لم يكن مستقيماً ولم يتحقق بسهولة، بل انه يستحق كل منعطف أو طريق غير نافذ.
آمل ان أعود إلى الاستذئاب في يوم قريب. هناك شيء في تلك الأسطورة يتناسب جيداً مع تيمز كريك، شينكوابين. وبالطبع، آمل أن يظهر كلب شبح سريعاً في إحدى رواياتي. يقفز للإنقاذ فقط ليختفي من جديد في الخيال.