27 نيسان/إبريل 2009
الكتابة بمثابة تحول

بقلم ايماكيوليه إليباغيزا
هاجرت ايماكيوليه إليباغيزا من رواندا إلى الولايات المتحدة عام 1998. وأول كتاب لها بعنوان "بقيت لأخبر قصتي" (2006)، يسجل أحداث تجاربها خلال الإبادة العرقية في رواندا. وآخر كتاب لها هو "يقودني الإيمان" (2008). وهي تلقي محاضرات ملهمة حول السلام والإيمان والغفران.
لطالما أحببت الكتابة. وكان أثمن ما أملكه في صغري دفتر ملاحظات دونت فيه أقوالاً وأمثالاً جمعتها على مر السنين. ورغم عشقي للكتابة لم أحلم أبداً أن أحداً سوف يقرأ أفكاري الخاصة التي سكبتها على صفحات أحد دفاتر ملاحظاتي هذه. لكل امرئ قصة فريدة خاصة به ولكن لا تتوفر الفرصة لكل شخص لسرد قصته للعالم.
في العام 1994 عشت تجربة خلقت لدي رغبة جامحة في مشاطرة قضيتي مع الناس في كل مكان. ففي تلك السنة عدت إلى وطني لقضاء عطلة عيد الفصح التي تدوم أسبوعاً. وقبل يومين من التاريخ المقرر للعودة إلى دراستي وجدت نفسي في خضم إحدى عمليات الإبادة الجماعية الأكثر دموية والأشد أثراً في تاريخ العالم. ففي صباح 7 نيسان/أبريل أُسقطت طائرة الرئيس هابيا ريمانا وبدأ تنفيذ عملية الإبادة الجماعية في رواندا.
وافق والداي، وكلاهما كان مدرّساً، على اقتراح شقيقي بوجوب أن أذهب للاختباء. كنت فتاة وحيدة بين ثلاثة صبيان، وعندما قاومت فكرة الاختباء أصر شقيقاي الاثنان ووالداي على الذهاب. ولحسن الحظ كان شقيقي الثالث إيمابل يتعلم في السنغال في ذلك الوقت، وكنا كلنا نعرف بأنه بأمان.
ذهبت رغم إرادتي، ولمجرد احترام وطاعة والديّ، للاختباء في منزل قريب يقطنه قس لوثري كان ينتمي إلى قبيلة الهوتو في حين كنت أنا من قبيلة التوتسي وكانت قبيلتي هي المطاردة. عند وصولي إلى منزل القس وضعني في غرفة حمام مساحتها 1 × 1.5 متر مع خمس نساء أخريات، وانضمت إلينا امرأتان في وقت لاحق.
طلب منا القس وجوب المحافظة على الهدوء، وأكد لنا أنه لن يخبر حتى أولاده، الذين كانوا يعيشون بنفس البيت، بوجودنا وبأننا لجأنا إلى منزلهم رغم أنوفهم فعلا. قال لنا القس إنه من المحتمل ان لا تدوم الحرب أكثر من بضعة أيام، وبالتأكيد ليس أكثر من أسبوع. ولكن بعد مضي ثلاثة أشهر كنا ما زلنا في غرفة الحمام تلك، جالسات بصمت تام لخوفنا من اكتشاف وجودنا. لم تكن تتوفر لنا في ذلك الوقت سوى كمية قليلة من الطعام، بينما خضع المنزل لعمليات تفتيش متعددة على أيدي معذبينا.
خرجنا من غرفة الحمام لنجد أرض بلدنا الصغير مفروشة بمليون جثة قتيل. اكتشفت في تلك الليلة أن كل واحد من الذين تركتهم ورائي كان قد قتل بوحشية. بقيت أفكر بان كل ذلك كان جزءاً من حلم رهيب وأنه عند نقطة معينة سوف أستيقظ منه ولكني للأسف كنت أعيش واقعاً جديداً. كان هذا الواقع مماثلاً لما كنت أتصور ان نهاية العالم ستكون عليه.
خلال مكوثي في غرفة الحمام مررت بتحول مادي وروحي. هزل جسمي حتى بات وزني 65 رطلا (29.4 كيلوغرام) لكن إيماني وإرادتي ظلتا بصلابة الصخر. يمكنني ان أتذكر اللحظة المحددة عندما توسلت من الله أن يُمكّنني من سرد قصتي للعالم كما الدروس التي تعلمتها خلال سجني في غرفة الحمام.
لم أكن أستطيع تجاهل الرغبة في مشاطرة ما يحصل في قلبي وفي بلدي. لكن الروانديين، من الناحية الثقافية، لا يكتبون في العادة الكتب والروايات. بل يشار إلى بلدنا أحياناً على أنها "أرض الكلمات." فتقليدياً كان شعبنا يتناقل أخبارنا وتاريخنا من جيل إلى جيل شفهياً خلال الاجتماعات العائلية. ولكن لم يعد هناك اليوم من ينقل الأخبار بعد غياب عائلتي وجيراننا.
لم يخطر ببالي مطلقاً بأني سوف أتمكن من كتابة شيء قد يقرؤه الآخرون. ومع ذلك ظلت هذه الفكرة تراودني دون توقف. لم أتمكن من البدء بالتفكير في كيفية تحويل حلمي في الكتابة إلى حقيقة. كنت لا أعرف شيئاً عن الكتابة ولم أكن قد قابلت أي مؤلف على الإطلاق، ولكني كنت أعرف أنه لن يبقى هناك شيء غير ممكن عندما أضع إيماني بالله. مكنني هذا الإيمان في إبقاء الأمل حياً.
تاقت نفسي إلى مشاطرة قصة أهلي والدروس التي ظلوا يعلمونها لي حتى اليوم الأخير الذي رأيتهما فيه. جعلتني كلماتهما الحكيمة المرأة التي أصبحت عليها الآن. كنت أتساءل كيف سيمكنني الاستمرار في العيش بدون القدرة على التحدث معهما أو الرجوع إلى نصائحهما. كنت أدرك ان كلماتهما وذكراهما ستظل معي إلى الأبد، ولكني رغبت في أن أخبر الناس كيف انتهت حياة عائلتي الجميلة.

خلال فترة وجودي في غرفة الحمام تحولت من حالة من الغضب والكراهية تجاه الذين كانوا يطاردوننا إلى حالة من الغفران. عرفت ألم الغضب وأنا أتصور في مخيلتي كيف قتل الذين سعوا لقتلي وقتل من أحببت. جاء الغضب كالسم الذي يسري في روحي، وكان بكل ببساطة عبئاً ثقيلاً جداً في أن تكره ملايين الناس. بدا لي كما لو ان الشر والبغض كانا يخنقاني إلى أن توسلت إلى الله بأن يرشدني إلى كيفية رؤية الخير في الناس، كيف أحب، وكيف ابتسم.
أذكر بوضوح لحظة تحرر قلبي من الغضب. وكان الغفران الكلمة الوحيدة التي تطرأ في بالي عندما أحاول ان أعبر عن كيف أشعر في تلك اللحظة. فلو لم نكن مختبئين، لكنت صرخت بأعلى صوتي وبفرح عظيم إلى الأسيرات زميلاتي في غرفة الحمام كم هن جميلات، رغم انه في الحقيقة كنا جميعاً نبدو كهياكل حية ولم تستحم الواحدة منا مرة خلال أشهر. أدركت أن القتلة كانوا أصيبوا بالعمى بسبب الغضب والكراهية. فهمت اني لا أستطيع ان أغير ما بداخل قلوبهم وأني قد لا أغير أي شيء من خلال منافستهم في مدى الكراهية.
لم يعن الغفران أن عليّ ان اجعل من نفسي ضحية عبر السماح لإنسان آخر بإيذائي. كما لم يعن أيضاً ان عليّ تجاهل الحقيقة أو ان أكون ساذجة، فالعدالة قد تكون أيضاً شكلاً من أشكال الغفران إذا مورست بنية تغيير سلوك إنسان ما وليس بنية الإيذاء او الأخذ بالثأر. احتفظت بهذه الدروس في قلبي وعلمت فطرياً أنها ليست لي وحدي بل عليّ ان أتقاسمها مع الآخرين. ولكن السؤال ظل قائماً، كيف أستطيع ان أتقاسم هذه القصة مع الغير؟
في نهاية العام 1998، هدد مرتكبو الإبادة الجماعية بقتلي تماماً كما قتلوا الكثيرين من الذين بقوا على قيد الحياة، لأن الذين شاهدوا عمليات القتل أصبحوا يشكلون تهديداً لهم. كان من دواعي فخري بأن أدلي بشهادتي، لكن الحقيقة هي أني لم أُبلّغ عن أي أحد من القتلة. فأنا لم أشاهد بصورة مباشرة أية عملية قتل وكنت أعرف أن الذين يطاردونني قَتلوا بدون أدنى شك آخرين عديدين، وكنت آمل أن تتم محاكمتهم حسب الأصول. وكما فعل العديد من الذين بقوا على قيد الحياة قمت بزيارة السجن لمشاهدة الذين قتلوا أبناء شعبنا. قابلت رجلاً قتل بعض أفراد عائلتي وعرضت عليه الغفران. كنت أعرف بأني لن أكون جيدة كشاهدة ولكن مع ذلك ظهر اسمي في الصحيفة، بعد وقت قصير من زيارتي للسجن. فتحددت هويتي كشاهدة وأصبحت متهمة بإدخال أناس أبرياء إلى السجن.
وإذ أدركت باني أصبحت معرضة للخطر، اتبعت مشورة أصدقائي الاميركيين وقررت أن أغادر دياري في رواندا وأهاجر إلى الولايات المتحدة. في ذلك الوقت كنت أعمل لدى مكتب منظمة الأمم المتحدة في رواندا وكانت هذه الوظيفة إحدى أفضل الوظائف في البلاد، ولكني أدركت بان علي ان أقوم بهذا الانتقال.
أعتقد بقوة أن انتقالي إلى الولايات المتحدة كان عملاً ملهماُ من الله. لكن لم تكن الأشهر الأولى سهلة بالنسبة لي هنا. وجدت نفسي أعيش في ثقافة أجنبية بالكامل وكنت أجد صعوبة في الاندماج مع محيطي الجديد. لم أكن أعرف فصل الشتاء من قبل، ووصلت إلى الولايات المتحدة في مستهل فصل الشتاء. وما جعل الأمور أسوأ أني كنت حاملاً للمرة الأولى في حياتي.
كانت المرة الأولى التي أعيش فيها أياماً قصاراً فيما الليالي طويلة، والعكس بالعكس، فالطقس في رواندا يتراوح دائماً بين 18 و22 درجة مئوية على مدار السنة. تغيب الشمس في كل يوم عند السادسة مساءً وتشرق عند الخامسة صباحاً. وكانت مدينتي كيغالي ونيويورك بمثابة النهار والليل. فلم يكن ممكناً ان تختلف هاتان المدينتان إلى حد اكبر.
ورغم أنه كان علي التكيّف من نواح عديدة، فقد شعرت بشدة اني ولدت لأعيش في أميركا. كانت دولة يشعر فيها كل عرق وكل قبيلة كما لو انه في وطنه. وعندما كنت أنظر إلى الناس من حولي كانت الحرية ظاهرة في كل وجه شاهدته. كان الأمر كما لو اني أستطيع ان أشم رائحة الحرية في الهواء. فالناس كانوا يلبسون ويفعلون ما يحبون ولا يبدو أن أحداً كان يتعجب من أي شيء. عدد المدارس وفرص العمل كان هائلا. كل حصة تعليم رغبت ان أتابع الدراسة فيها، وكل وظيفة أردت ان أعمل بها، كانت متيسرة تماماً. بدت نيويورك كأنها مركز العالم. كان يوجد فيها تنوعات من الملابس، والسيارات، والناس أكثر مما شاهدته حتى ذلك الوقت في حياتي.
كانت عاطفة الناس واستعدادهم للمساعدة مذهلة. لن أنسى ذلك اليوم الذي فرغ الهواء من إطار سيارتي. لم ألاحظ بأن إطار سيارتي أصبح مفرغاً من الهواء إلى ان اجتازتني سيارة وسدت الطريق أمامي وأجبرتني على التوقف. نزل من السيارة شابان يرتديان قميصين أبيضين بلا أكمام وابتسامات دافئة تعلو وجهيهما ومعهما عدة لتصليح سيارتي. أصلحوا السيارة وأعطوني اطاراً وتركوني بابتسامة ودودة. وإلى هذا اليوم لا زلت أتساءل ما إذا كان هذان الشابان ملاكين أرسلتهما السماء أم اشخاصاً حقيقيين.
بعد مرور بعض الوقت، شعرت برغبة غامرة في كتابة قصتي. استغرقت في كتابة المسودة الأولى ثلاثة أسابيع. وعندما راجعت ما كتبته بعد فترة من الوقت، استغرقت مراجعة المسودة ثلاثة أشهر اخرى لانه في ذلك الوقت كنت قد حصلت على عمل وكنت أحاول أن أتدبّر عملية تحرير المسودة ووظيفتي معاً. وقد شجعني على الكتابة اصدقائي الأميركيون الذين عرفوا قصتي.
بعد ثلاثة أيام من انتهاء الكتابة، اشتركت في ورشة عمل في نيويورك. لم أتوقع أكثر من قضاء بعض الوقت مع أصدقاء. وفي نهاية الورشة قابلت كاتباً سألني عن أحوالي، فأجبت "حسنة"، وبعد كلمة واحدة سألني من أين حصلت على لكنتي. أجبته بأني ولدت في رواندا. عند ذلك فتح عينيه وسألني، "هل تعرفين ماذا جرى هناك؟"
أخبرته ما جرى في بضع كلمات، فكلانا كان على عجل من أمره. كان يوقّع كتاباً له ولم أكن ارغب في عرقلة صف المنتظرين. قال لي عندئذ انه في حال كنت قد أنهيت كتابي فسيساعدني في إيجاد ناشر. وفَى بوعده، وعرّفني بعد فترة قصيرة من اجتماعنا على ناشر كتبه وعلى محرر. وبعد مضي ثمانية أشهر من اجتماعنا نُشر أول كتاب لي الذي حمل العنوان "بقيت لأخبر قصتي." ولشدة دهشتي اصبح من بين اكثر الكتب مبيعاً على قائمة صحيفة نيويورك تايمز بعد مضي أسبوعين فقط على إصداره.
أشكر كثيراً الشعب الاميركي الذي رحب بقصتي بحرارة بالغة. تساءلت كيف يمكن للأميركيين أن يتفهموا مثل هذا الرعب. ومع ذلك فقد تفهموه واستوعبوه. بكوا عندما قرأوا قصة مقتل والدي، وضحكوا معي وأقاموا علاقة وجدانية مع كفاحي بالنسبة للإيمان. سمح سرد قصتي أمام الناس للجرح في قلبي أن يندمل.
في أميركا وجدت موطني، ووجدت الكتف الذي انتحب عليه. أولادي أميركيون وأنا فخورة بأنهم كذلك. لم أعد اشعر باني غريبة. أهلل لكل انتصار وأبكي لكل خبر سيئ يصيب موطني الجديد. والأكثر أهمية اني أنظر إلى مستقبل هذه البلاد بأمل وأصلي من أجل رفاهها. وكفتاة ترعرعت في قرية ماتابا في رواندا، تعلمت ان أميركا هي أرض الفرص. واليوم أعتقد ان ذلك الأمر أصبح صحيحاً أكثر من أي وقت مضى. ففي أميركا أستطيع أن أحكي قصتي.