التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

24 ايلول/سبتمبر 2008

مناخ من التغير

 

بقلم جيف رينيكه

 

أظهرت الأبحاث التي أجرتها الوكالة الأميركية للمسح الجيولوجي أن الأنهر الجليدية التي أطلق اسمها على منتزه الأنهر الجليدية القومي (Glacier National Park) تقلصت إلى ثلث الحجم الذي كانت عليه قبل أكثر من مئة عام. كما أصبحت المستنقعات العذبة، المسماة أفرغلايدز (Everglades) في فلوريدا، مُهددة بدخول  المياه المالحة القادمة من خليج فلوريدا المجاور، إليها. وبالتالي، فإن تغير المناخ  يشكل واقعاً حقيقياً بالنسبة لنظام المنتزهات القومية، وقد بوشر باتخاذ خطوات شاملة لتخفيض كميات ما ينبعث من غاز الكربون.

جيف رينيكه أستاذ في مدرسة حفظ الطبيعة (Conserve School) في نورث وودز في ولاية ويسكونسن.

نُشر هذا المقال لأول مرة في عدد خريف 2007 من مجلة المنتزهات القومية (National Parks)، المجلة التي تصدرها جمعية المحافظة على المنتزهات القومية، وهي منظمة لا تبغي الربح تُكرّس جهودها لحماية وتعزيز المنتزهات الأميركية.

ما من ركن من أركان نظام المنتزهات القومية في مأمن من وصول يد تغير المناخ الحارة إليه، بدءاً من ازدياد مزيج الضباب والدخان في جبال غرايت سموكي وصولاً إلى فقد المواطن المجوّفة اللازمة لتوالد الطيور المائية. ويقول مارك وينزلر، مدير برنامج الهواء النظيف التابع لجمعية المحافظة على المنتزهات القومية، "إن هذا هو أكبر تحدٍ واجهناه حتى الآن، إنه تحدٍ يهدد بتغيير نسيج الأماكن نفسها التي نُسميها منتزهات قومية". وقد أوجدت حقيقة ذلك التحدي الواقعة ما أسماه وينزلر، "إحساساً حقيقياً بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة."

وكان أحد نتائج تلك الضرورة الملحة إنشاء برنامج المنتزهات الصديقة للمناخ (CFP)، وهو جهد تعاوني بين الوكالة الأميركية لحماية البيئة ووكالة المنتزهات القومية. وقد بدأ تنفيذ البرنامج عام 2003، وكانت له ثلاث أهداف: تدريب موظفي المنتزهات على مواجهة تغير المناخ؛ ومساعدة المنتزهات في تقييم ورصد تأثير المنتزهات نفسها على البيئة وتقليصه؛ وتثقيف الزوّار بشأن تأثير تغير المناخ المحتمل على المنتزهات، وشرح الطرق التي يستطيعون من خلالها المشاركة في الحل. ويُطلب من إدارات المنتزهات إقامة ورش عمل لبرنامج المنتزهات الصديقة للمناخ، ووضع خطط عمل، ورصد وتقييم تقدّم مسيرتها بشكل متواصل لكي تُصبح منتزهات صديقة للمناخ. وقد أقامت، حتى هذا التاريخ، 10 منتزهات قومية ورش عمل من بينها: يوسميتي (Yosemite)، وديلاور واتر غاب (Delaware Water Gab)، وغلايشر باي (Glacier Bay)، وإفرغلادز (Everglades)، ، وزيون (Zion)، في حين تعد منتزهات أخرى الترتيبات لمثل هذه الورش. ويقول شون نورتن،  أحد مُنسقي البرنامج،  عنه "إنه رؤيا جديدة لمنتزهاتنا،" وعندما طُلب منه أن يصف المنتزه الصديق للمناخ تماماً وبشكل مثالي تحدث بحماس من لديه رؤيا.

يقول نورتن، "المنتزه الصديق للمناخ بشكل مثالي هو أولاً وقبل كل شيء منتزه خالٍ من الكربون ولا يضيف أي انبعاثات غازية مضرة إلى الجو." إنه منتزه تعطى عندما تدخل إليه معلومات حول الممارسات المستديمة مع خريطة مسار وبطاقة الدخول إلى المنتزه. وبدلاً من زمجرة عدد كبير جداً من السيارات الخاصة الملوثة التي تتدافع لاحتلال المواقف القليلة جداً، تركب نظام نقل مكوكي يعمل بطاقة بديلة لكي ينقلك بسرعة وهدوء ونظافة إلى أي مكان تود الذهاب إليه في المنتزه. أما مركز الزوّار فيندمج بدرجة تجعله غير مرئي تقريباً ضمن خلفية الطبيعة بسبب هندسته المعمارية وتصميم الأراضي الطبيعية من حوله بحيث يشمل "سقفاً أخضر"، مكوناً من نباتات محلية. ويستخدم المركز الطاقة النظيفة مستفيداً من الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الطاقة الحرارية الأرضية، وتكنولوجيا الدايودات المولدة للضوء والضوء الطبيعي. وسيكون الطعام الذي تشتريه من مطعم الوجبات السريعة في المنتزه المثالي الصديق للبيئة طعاماً عضوياً يُنتج محلياً، والأعمال الفنية المعروضة للبيع في متجر الهدايا  مصنوعة من مواد أُعيد تدويرها كالزجاج والألومنيوم. وستكون الاستراحات مُزودة بمراحيض تستخدم قدراً ضئيلاً من الماء وصنابير مياه توقف تدفق الماء آلياً للاقتصاد في استهلاكه، وسيتم تنظيفها من خلال استعمال مواد تنظيف غير سامة. ولن تصدر سيارات حرّاس المنتزه الذين يقومون بالدوريات فيه أي غازات ملوثة ضارة. وستكون المباني النائية في المنتزه المثالي الصديق للبيئة مزودة بخلايا فلطائية ضوئية تعمل بالطاقة الشمسية لتلبية احتياجاتها الخاصة من الكهرباء. كما تُنصب في أماكن عديدة من المنتزه لافتات تفسيرية لكافة هذه الأمور موجهة إلى زوار المنتزه، وتقدم لهم أفكاراً مُفيدة حول طريقة تخفيف تأثيرهم على البيئة وهم في داخل المنتزه ولدى عودتهم إلى منازلهم.

ويؤكد نورتن أن ما يقوله ليس مجرّد حلم من أحلام اليقظة المستقبلية. ويقول: "لسنا بعيدين إلى هذا الحد عن جعل الكثير مما قلته حقيقة واقعة. فنحن نستطيع تقليص استهلاكنا للطاقة بدرجة كبيرة، كما يمكننا تخفيض الانبعاثات الغازية التي نولدها بدرجة لا يستهان بها. ويمكننا تقليص استهلاكنا للماء إلى حدٍ كبير باستعمال التكنولوجيات المتوفرة حالياً، وإذا ما اندفعنا بحماس لتحقيق ذلك فإننا نستطيع إنجازه  في كل منتزه تقريباً خلال عشر سنوات. لقد بدأنا تطبيق هذه الأمور للتو، ولكننا نشاهد يومياً مزيداً من المنتزهات التي تبدأ السير على نفس الطريق."

ومنتزه زيون، في ولاية يوتا، واحد من هذه المُنتزهات. ففي عام 2000 حل نظام مكوكي للتنقل عبر المنتزه، قوامه 30 أوتوبيساً تعمل بغاز البروبان، محل السيارات الخاصة الخمسة آلاف التي تزور المنتزه كل يوم. وقد أدى ذلك إلى التخلص من  حوالي 14 ألف طن من غازات الاحتباس الحراري التي كانت ستنبعث لولا نظام التنقل المكوكي في سماء المنتزه خلال عام. وهناك الآن مركز جديد "أخضر" لاستقبال الزوار يستفيد من الطاقة الشمسية لتأمين نسبة 30 بالمئة من احتياجاته للكهرباء، ويستفيد من النور الطبيعي لتأمين نسبة 80 بالمئة من احتياجاته للإضاءة الداخلية، ويتميز بأبراج كبيرة للتبريد تؤمّن تكييف هواء بكمية قليلة من الطاقة خلال فصل الصيف، مع نظام مُعادل للتدفئة يعمل بأشعة الشمس مزود بجدار نوع ترومبه (Trombe) (جدار يواجه الشمس مصنوع من مواد ممتصة للحرارة كالطين أو الحجارة) للاحتفاظ بالحرارة في الأيام الأكثر برودة. ويقلص هذا المركز، الذي يعتبر مرفقاً نموذجياً لمنتزه، استهلاك الطاقة بنسبة 75 بالمئة ويحول دون انبعاث أكثر من 300 ألف رطل من غازات الاحتباس الحراري كل عام.

ومن الأمور التي تُلاحظ بشكل أقل ازدياد است?مال مواد البناء الصديقة للبيئة ومواد التنظيف غير السامة والزيادة الهائلة جداً في جهود إعادة تدوير النفايات داخل المنتزه. ويقول جوك ويتوورث، المشرف على منتزه زيون، "سمحت لنا مبادرة المنتزهات الصديقة للمناخ بمعالجة الإدارة البيئية وتغير المناخ في نفس الوقت الذي نحدد فيه أولوياتنا لأنظمتنا الخاصة بإدارة البيئة. لقد أصبح لدينا الآن فكرة أفضل حول تأثير تغير المناخ على موارد المنتزه الطبيعية والثقافية ويمكننا أن نتوصل إلى الحلول الممكنة."

لقد أصبح واضحاًُ أن التغير بدأ يصل إلى منتزهاتنا القومية، أما الأمر الذي لم يتضح بعد فهو الشكل الذي سيبدو عليه هذا التغير وكيف سيتكيف موظفو المنتزهات وزوار المنتزهات والمنتزهات بحد ذاتها مع هذا الواقع الجديد. ويقول بوب كرومناكر، المشرف على منتزه أبوسل آيلاند (Apostle Island) حول ذلك:" إننا في وكالة المنتزهات القومية منخرطون في مجال الديمومة. إن منتزهاتنا ستظل باقية مهما حصل من تغير في المناخ. وقد تكتسب منتزهاتنا حتى أهمية أكبر، في ضوء تغير المناخ العالمي، بصفتها بعض أكثر الأماكن احتفاظاً بطبيعتها الأصلية ونقاء وأهمية إيكولوجية على سطح كوكبنا."

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الولايات المتحدة.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي