03 ايلول/سبتمبر 2008
بقلم مايكل جاي فريدمان
منذ أن تأسست الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر، عرّف الأميركيون عن أنفسهم ليس على أساس هويتهم العرقية أو الدينية أو الإثنية بل على أساس قِيمهم المشتركة وإيمانهم بالحرية الفردية.
مايكل جاي فريدمان هو مُؤرخ وكاتب في مكتب برامج الإعلام الخارجي التابع لوزارة الخارجية الأميركية.
"أنا في الحالة العقلية لنيويورك".
- بيلّي جويل
في العام 2000، كان 35.9 بالمئة من الناس القاطنين في نيويورك من المولودين في الخارج.
- مكتب الإحصاء الأميركي
سنة 1782، أي بالكاد بعد ست سنوات من إعلان قيام الولايات المتحدة الأميركية كدولة، قدّم بنجامين فرانكلين بعض "المعلومات للذين سوف ينتقلون إلى أميركا". كان فرانكلين من بين المجموعة المتألقة من المؤثرين التاريخيين الكبار الذين أصبح الأميركيون يعتبرونهم "السلف المؤسس"، وكان من أوجه عديدة، الأميركي الأكثر نموذجية: فإذا كان جورج واشنطن جليلاً مترفعاً، وتوماس جفرسون مُولعاً بالكتب، وجون آدامس صارماً، فان فرانكلين، ذلك المخترع العملي، ورجل الأعمال الداهية، والمحفز المدني الدائم الانشغال، هو الذي فهم أكثر من غيره أن مواطنيه كانوا، كما سَيُسمّيهم لاحقاً المؤرخ وولتر ماك دوغال، أمة من "المتشاطرين". في ارض كهذه، قال فرانكلين موجهاً كلامه للذين يرغبون في ان يصبحوا من المهاجرين:
لا يسأل الناس الأجنبي من هو؟ بل ما يمكن أن يفعل؟ إذا كان يجيد حرفة مفيدة، فأهلاً به، وإذا قام بممارساتها وكان سلوكه جيداً، سوف يحترمه جميع الذين يعرفونه.
كانت ملاحظة فرانكلين تستند إلى مشاهدات مباشرة: سنة 1750، تعدّى عدد المهاجرين الألمان المجموعات الانكليزية في مستعمرته الأم، بنسلفانيا. كان يُنظر إلى القادمين الجدد على أنهم كادحون ويحترمون القانون. فقد دأبوا على تحسين الأراضي بصفتهم مزارعين ماهرين، وحفزّوا النمو الاقتصادي. وعندما حدّد الكونغرس، سنة 1790، أول معيار قومي للمواطنية الناجمة عن منح الجنسية، لم يطالب باختبار إثني أو ديني، أو ما له علاقة بالقراءة والكتابة، ولا بالملكية، بل بسنتي إقامة، وطباع حسنة، والقَسَم باحترام الدستور. ولأن الهوية الأميركية، كما فهمها فرانكلين، تقوم على الأفعال والمواقف وليس على الهوية العرقية أو الدينية أو الإثنية، فإن الأميركيين يختلفون عن العديد من الشعوب الأخرى إن من حيث كيفية التعريف عن أنفسهم أم من حيث أنواع الحياة التي يختارون عيشها. فالانتماء إلى المجتمع القومي، كما كتب الباحث الثقافي مارك باشتر، "يتطلب فقط القرار بأن يصبح المرء أميركيا."
هذه الهوية الأميركية المرتبطة بالجماعة تشمل تعدّدية تتجاوز الحدود الفاصلة العرقية، والدينية، والإثنية. إنها تشمل أيضاً إلتزاماً مدنياً قوياً إزاء الحرية الفردية ونظام الحكم التمثيلي المحدود السلطات التي تكون محدّدة بوضوح بحيث تحترم الحريات.
كانت تتجاذب الصورة الذاتية الأميركية على الدوام توترات خلاقة بين التعدّدية والانصهار. فمن جهة، كان يُتوقع تقليدياً من المهاجرين أن ينغمروا في "البوتقة" الأميركية، وهي استعارة اكتسبت شعبيتها بفضل دراما الكاتب المسرحي إسرائيل زانغفيل سنة 1908 بعنوان، بوتقة الانصهار، حيث يعلن أحد ابطالها:
"عليك أن تفهم أن أميركا هي بوتقة الله، بوتقة الانصهار الكبرى حيث تنصهر كافة أعراق أوروبا وتتشكل من جديد! تبّاً لضغانكم وثأركم! الألمان والفرنسيون، الايرلنديون والإنكليز، اليهود والروس، انخرطوا في البوتقة جميعاً! فالله هو الذي يصنع الأميركي."
لم تكن مشاعر زانغفيل جديدة. فسنة 1782، وصف جاي هكتور سان جون دو كريفكور، المهاجر الفرنسي والمراقب المتوقّد الذكاء للحياة الأميركية، مواطنيه الجدد على انهم:... خليط من الإنكليز، والاسكتلنديين، والايرلنديين، والفرنسيين، والهولنديين، والألمان والسويديين... ما هو، إذاً، الأميركي، هذا الإنسان الجديد؟ فهو ليس أوروبياً وليس متحدراً من اصل أوروبي واحد. من هنا جاء هذا الخليط الغريب في الدم، الذي لن تجده في أي بلد آخر. بإمكاني أن أدلّك على عائلة كان الجد فيها إنكليزياً، وكانت زوجته هولندية، وتزوج إبنه امرأة فرنسية، وأصبح لدى أبنائه الأربعة الآن أربع زوجات من دول مختلفة... تاركاً وراءه كافة انواع الاحقاد والعادات القديمة...غير أن بوتقة الانصهار كانت تترافق دائماً مع أنموذج ينافسها بحيث تحتفظ فيه كل مجموعة متتالية من المهاجرين بجزء من صفاتها المميزة وتُغني بها المجتمع الأميركي ككل. دعا المفكر العام راندولف بورن سنة 1918 إلى قيام "أميركا التي تتجاوز الحدود القومية". قال بورن إن المستوطنين الإنكليز الأوائل "لم يأتوا للانصهار في بوتقة الانصهار الأميركية... لقد جاءوا لتأمين حرية العيش كما يرغبون ... ولتحقيق النجاح في بلاد جديدة". وأردف قائلا إن المهاجرين الذين جاءوا لاحقاً لم يتم انصهارهم في نوع من الأميركية المتجانسة التي "لا طعم لها ولا لون"، بل أضافوا مساهماتهم المُميّزة إلى المجتمع الأوسع.كان التوازن بين بوتقة الانصهار والمثل العليا المتجاوزة للحدود القومية يتفاوت مع الزمن والظروف، دون أن يتمكن أي من النموذجين من تحقيق السيطرة التامة. على الرغم من ذلك، فما من شك أن الأميركيين قد أضفوا على أنفسهم صورة ذاتية تشمل طيفاً من الأعراق، والمعتقدات، والألوان. انظر إلى الأفلام الشعبية التي تصف الجنود الأميركيين خلال قيامهم بالقتال خلال الحرب العالمية الثانية. لقد أصبح ذلك كليشيه هوليوودية مبتذلة حيث تضم كل فصيلة من الجنود فتى مزارع من آيوا، ويهودي من بروكلين، وبولوني من مصنع للحليب في شيكاغو، وحطّاب من جبال الأبّلاش، وأمثلة مختلفة أخرى من رجال منتصف القرن العشرين في أميركا. يحاولون أولاً التغلب على فروقاتهم، لكنهم يترابطون جميعاً في نهاية الفيلم كأميركيين. قد تكون الحياة الفعلية أكثر تعقيداً، وليس أقلها لأن الجندي الأفريقي الأميركي ربما يكون قد خدم في وحدة مُنفصلة عنصرياً. ومهما يكن الأمر، فقد وصَفت هذه الأفلام هوية أميركية يؤمن بها، أو يرغب بها، الأميركيون.الشخصية الفردية والتسامحإذا كانت الهوية الأميركية تشمل كل أنواع الناس، فإنها تقدم لهم أيضاً تشكيلة واسعة من الفرص لصنع أو إعادة صنع أنفسهم. لقد احتقر الأميركيون تقليدياً الجهود الرامية للاستفادة من "مصادفة الولادة"، مثل الثروات الطائلة الموروثة أو المركز الاجتماعي المرموق. تحظّر المادة الأولى من الدستور الأميركي على الحكومة منح أي لقب نبالة، كما أن الذين يتصرفون بصورة فوقية إزاء زملائهم الأميركيين يُستَخَف بهم بوجه عام بسب "تظاهرهم"، أو ما هو أسوأ.على العكس من ذلك، يحترم الأميركيون النساء والرجال العصاميين، لا سيما عندما يكونون قد تغلبوا على عقبات كبرى لتحقيق النجاح. استطاع كاتب القرن التاسع عشر الأميركي، هوراشيو ألغر، الذي اعتبرته الموسوعة البريطانية ربما أكثر كُتّاب جيله الأميركيين من حيث نفوذه الاجتماعي، التقاط الروح الشعبية هذه في رواياته العديدة التي تتحدّث عن الانتقال من الفقر إلى الغنى بحيث يتمكن الفتيان الارتقاء من ماسحي أحذية فقراء أو أولاد شوارع معدمين، بفضل قوة طموحهم وموهبتهم وثباتهم، إلى الثروة والشهرة.في الولايات المتحدة، يصيغ الأفراد أنفسهم تعريفاتهم للنجاح. فقد يتمثل ذلك بالثروة المالية. العديد من هؤلاء ترك المدرسة وعمل في كاراج والديه على أمل اختراع الشيء الجديد على غرار غوغل، أو مايكروسوفت، أو آبل كومبيوتر. وقد يُثمّن آخرون السعادة التي توفرها حلبات الرياضة، أو الخلق الموسيقي والفني، أو تربية أسرة مُحبة في المنزل. ولأن الأميركيين يقاومون التحديدات، فإن هويتهم القومية ليست، ولا يمكن أن تكون، مرتبطة بلون، أو ببشرة، أو بنسب الإنسان، أو في أي دار عبادة يصلّي فيه المرء.لدى الأميركيين معتقدات سياسية مختلفة، ويعتنقون أنماطاً حياتية كثيرا ما تكون مُتباعدة جداً، ويشدّدون على الحريات الفردية الواسعة، لكنهم يفعلون ذلك بالترافق مع درجة لافتة من التسامح المتبادل. أحد المفاتيح لهذا المنحى هو شكل حكومتهم التمثيلي: لا يوافق كل مواطن أميركي على كل قرار للحكومة الأميركية، لكنهم يعرفون جميعاً أن بإمكانهم قلب تلك السياسات عن طريق إقناع زملائهم المواطنين بالتصويت للتغيير في الانتخابات القادمة. |