التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

03 ايلول/سبتمبر 2008

المهاجرون الايرلنديون في الولايات المتحدة

 

بقلم كيفن كيني

واجه المهاجرون الايرلنديون بدايات صعبه في الولايات المتحدة، فقد سكنوا الضواحي الفقيرة وأُهينوا على أيدي بعض جيرانهم. لكنهم وأحفادهم تجاوزوا هذه العقبات وشقوا طريقهم فسادوا

.كيفن كيني، هو أستاذ التاريخ في كلية بوسطن بمدينة بوسطن، ولاية مساتشوسيتس.

في القرن التاسع عشر بعد العام 1820، هاجر حوالى 5 ملايين ايرلندي إلى الولايات المتحدة. وقد استفز وجودهم ردات فعل قوية من الأميركيين المولودين في الولايات المتحدة الأميركية أو المعروفين بالأميركيين "الأهليين". استنكر هؤلاء الايرلندي بسبب سلوكه الاجتماعي، وتأثيره في الاقتصاد، وديانته الكاثوليكية. إلا أنه، بحلول القرن العشرين، نجح الايرلنديون باستيعاب كل ذلك.

كان يحق لجميع المهاجرين الشرعيين الذي يعتنقون دستور الولايات المتحدة ويلتزمون به الحصول على الجنسية الأميركية، ولم يواجه المهاجرون البيض الكثير من العقبات في محاولتهم الحصول على هذا الحق. وبالرغم من عداء الأميركيين الأهليين للمهاجرين، لم يشهد الايرلنديون أي تمييز عنصري مقارنة مع ما شهده المهاجرون الأفارقة والآسيويون الذين كانوا يُستثنون من الجنسية الأميركية أو حتى يحرمون من الدخول إلى الولايات المتحدة. وقد سخّر الايرلنديون هويتهم الكاثوليكية لفائدتهم وسعوا للحصول على الفرص السياسية غير المتوفرة لهم في ايرلندا، مما مكنهم من الصعود بثبات إلى أعلى المراكز في المجتمع الأميركي.

شكَّل الايرلنديون نصف المهاجرين في الولايات المتحدة في أربعينات القرن التاسع عشر، وثلثهم في الخمسينات من نفس القرن. وهذه أرقام لافتة للنظر بسبب كون ايرلندا ليست اكبر من ولاية ماين، ولم يتجاوز عدد سكانها 8.5 مليون نسمة. وبين العامين 1846 و1855، وبسبب التلف الكبير والمتكرر لموسم البطاطا، إنخفض عدد سكان ايرلندا بمقدار الثلث، إذ لقي أكثر من مليون إنسان ايرلندي حتفهم بسبب المجاعات والأمراض المتصلة بها، وفرّ حوالى 1.5 مليون غيرهم إلى الولايات المتحدة. يعتقد الكثير من المهاجرين الايرلنديين انه كان بالإمكان تفادي المجاعة. "الله تعالى، بالتأكيد، أرسل آفة البطاطا"، كتب القومي الايرلندي والمنفي السياسي جون ميتشل، "لكن الإنكليز خلقوا المجاعة." عقب هذه الأحداث بقي الشعور بالنفي والمنفى متجذراً في جوهر الهوية الأميركية الايرلندية.

المكافحون الأوائل

كان المهاجرون الايرلنديون في حقبة المجاعة الأكثر حرمانا من أي مهاجر على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة. وعاش بعض أفقرهم في حي "فايف بوينتس" في أسفل جزيرة منهاتن في مدينة نيويورك، وهي المحلّة التي وصفها الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز بأنها "تفوح منها رائحة الأوساخ والقذارة من كل مكان"، وبأن "ممراتها وأزقتها مرصوفة بالوحول العميقة." هذا الحي، كتب ديكنز، "كان يعج بالمساكن المخيفة التي تقتبس أسماءها من السرقة والجريمة، فكل ما هو كريه، ومتسخ، وبائس، ومنحط موجود هنا."

عاش الايرلنديون الفقراء في الأدوار السفلى للمباني، وفي الأقبية المعتمة، وفي شقق مؤلفة من غرفة واحدة افتقرت إلى الإنارة والتهوئة الطبيعية وكثيرا ما كانت تغمرها مياه المجاري. وكانوا يعانون هناك من نسب عالية من الإصابة بالكوليرا، والحمى الصفراء، والسل، والالتهابات الرئوية. كما كانوا أيضا يصابون باضطرابات عقلية، يزيد من تعقيدها أحيانا الإدمان على الخمر. كما وأن نسبة كبيرة منهم لجأت إلى بيوت الفقراء والمستشفيات العامة واحتلوا رأس لائحة الموقوفين والسجناء ولا سيما بسبب إخلالهم بالنظام العام. ففي مدينة نيويورك في العام 1859، مثلا، كان 55 بالمئة من السكان الموقوفين من أصل ايرلندي. 

كان معظم المهاجرين الايرلنديين من غير المهرة، لذلك عملوا بأجور متدنية، وغالبا ما استُخدموا بدلاء لعمال مضربين عن العمل. قلِق العمال الأميركيون المولودون في الولايات المتحدة، من أن أجورهم سوف تنخفض بسبب العمال الايرلنديين ومن أن المكاسب التي حققتها المنظمات العمالية قد تضيع. وكان لدى العديد من الأميركيين تخوف من عدم تمكن الايرلنديين من التقدم اجتماعيا أبداً، وبأنهم سيصبحون بدلا من ذلك أول طبقة عاملة ثابتة في الولايات المتحدة مهددين بذلك المبدأ الأساسي للحياة الأميركية في القرن التاسع عشر: التحرك إلى الأعلى اجتماعيا عبر العمل الشاق.

ومما أثار القلق بنفس القدر، بالنسبة إلى الأهليين الذين يكنون العداء للمهاجرين، كان دين المهاجرين. هل سيبقى، في نهاية المطاف، المهاجرون الكاثوليك الايرلنديون مخلصين للولايات المتحدة أم للكنيسة في روما؟ هل سيتبعون كهنتهم في روما في ما يتعلق بالمسائل السياسية؟ هل سيكون لكنيسة يرأسها البابا، والكاردينالات، ورؤساء الأساقفة، والأساقفة مكانا مشروعا في جمهورية ديمقراطية؟ ولماذا يرسل المهاجرون الايرلنديون الكاثوليك أطفالهم إلى مدارس الأبرشية الكاثوليكية المنفصلة بدلاً من إرسالهم إلى المدارس العامة المجانية؟ كان جواب الايرلنديين أن مجالس المدارس العامة يهيمن عليها البروتستانت الانجيليون. وأصروا بأن الحرية في غرس الإيمان في أولادهم كما يرونه مناسبا هي كل ما تعنيه لهم الولايات المتحدة.

أطلقت جماعة الأهليين هجوماً متواصلاً على المهاجرين الايرلنديين بسبب كاثوليكيتهم. ففي العام 1834، أحرق غوغائيون دير "اورسلين" في مدينة شارلستون بولاية ماساتشوسيتس، وفي العام 1836 نشر هؤلاء، في نيويورك كتاب، "اعترافات ماريا مونك الفظيعة". ومونك هي امرأة شابة مضطربة عاطفياً، إدعت أنها شهدت ممارسات من الفسق والفجور خلال إقامتها في دير. حقق الكتاب أعلى نسبة من المبيعات في ذلك الحين. في العام 1844 أحرق غوغائيون كنيستين كاثوليكيتين في ضواحي فيلادلفيا بسبب نزاع حول أي كتاب مقدس يجب اعتماده في المدارس العامة، كتاب الكاثوليك أو نسخة الملك جيمس البروتستانتي.

الهوية الأميركية الايرلندية

رداً على الاتهامات بالولاء المنقسم، أصرّ المهاجرون الايرلنديون على أنهم يمكن أن يصبحوا أميركيين صالحين، لكنهم سيفعلون ذلك، ضمن شروطهم. ولأنهم يتكلمون الإنكليزية، ولكونهم أول مجموعة كاثوليكية تصل إلى الولايات المتحدة بأعداد كبيرة، سرعان ما سيطر الايرلنديون على الكنيسة الكاثوليكية الأميركية. وكما يقول المثل الشعبي، كانت هذه الكنيسة في الولايات المتحدة "موحدّة، مقدسة، كاثوليكية، ورسولية... وايرلندية". أصبحت الكاثوليكية العامل الأوحد الأهم لمكونات الهوية الأميركية الايرلندية.

بقيت مناهضة الكاثوليكية جزءا من الثقافة الأميركية حتى العام 1960، عندما تمّ انتخاب جون إف كينيدي رئيسا للجمهورية. كان الايرلنديون يسيطرون منذ فترة طويلة على سياسة الكثير من المدن الأميركية، بما فيها نيويورك وبوسطن وشيكاغو، عن طريق سيطرتهم على الحزب الديمقراطي المحلي. في عشرينات القرن الماضي، بدأوا بالانتقال إلى الحلبة القومية، فكان المرشح آل سميث أول كاثوليكي يترشح للرئاسة. كانت فرص سميث ضئيلة في الفوز، لكن ترشح جون كنيدي للرئاسة الذي كان مدركاً بدقة لإرثه الايرلندي، أدى إلى إنهاء التقليد الطويل في مناهضة الكاثوليكية في الولايات المتحدة. "أنا لست مرشحا كاثوليكيا للرئاسة"، أعلن كنيدي ذلك أثناء حملته الانتخابية، "أنا مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة، الذي صدف أن يكون أيضا كاثوليكيا. أنا لا أتكلم باسم كنيستي في الأمور العامة، كما وأن الكنسية لا تتكلم باسمي."

أصبح المهاجرون الايرلنديون أميركيين صالحين من دون التضحية بهويتهم الدينية وتراثهم الثقافي. وأظهروا أن الاستيعاب ليس عملية آحادية الاتجاه حيث يكون على المهاجر أن يتماثل مع الثقافة البروتستانتية - الإنكليزية المهيمنة والتخلي عن التقاليد الخاصة به. يغيّر المهاجرون دائما الولايات المتحدة بمقدار ما تغيرهم الولايات المتحدة نفسها. فعندما أصبحوا أميركيين بطريقتهم الخاصة، كان الايرلنديون قد رسموا لأنفسهم هوية إثنية مميزة وساعدوا في وضع الأسس لما تتمتع به الولايات المتحدة اليوم من تعدد ثقافي.

يشكل الايرلنديون اليوم إحدى أكثر المجموعات الاثنية ازدهاراً في الولايات المتحدة، فهم تخطوا المعدل القومي على المستوى التعليمي والمهني، والدخل القومي، وملكية المنازل، بالتوازي مع مواكبتهم المطردة للصعود في المراتب الاجتماعية خلال القرن العشرين. انتقل الاميركيون الايرلنديون من المجتمعات المدينية الكثيفة المنغلقة على نفسها إلى مناطق الشمال الشرقي والغرب الأوسط ليستقروا في الضواحي الكبرى والبلدات والمدن في كافة أنحاء الولايات المتحدة. كما تزوجوا من مجتمعات إثنية أخرى غير ايرلندية، بدءاً من الكاثوليكيين الآخرين ولاحقاً من أميركيين آخرين بوجه عام. كانت نتائج هذه التطورات انخفاضاً شديداً في الشعور بالهوية الجماعية المتماسكة بالمقارنة مع ما كانوا عليه سابقاً. مع ذلك، يحتفظ الأميركيون الايرلنديون باعتزاز قوي بإثنيتهم الخاصة، لاسيما في المجالات السياسية والثقافية. وفي نهاية المطاف، أن تكون أميركي ايرلندي هو أن تكون جزءاً من قصة نجاح على المستوى القومي.

 

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تمثل بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الاميركية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي