03 ايلول/سبتمبر 2008
عشرات الملايين من المهاجرين خلال أربعة قرون جعلوا الولايات المتحدة ما هي عليه اليوم. جاؤوا لبناء حياة جديدة وطرق عيش جديدة في العالم الجديد. عملهم الشاق أفادهم كما أفاد بلدهم الجديد.
هازيا داينر هي أستاذة تاريخ في جامعة نيويورك.
ملايين من النساء والرجال حول العالم اتخذوا عبر عقود من الزمن قرار الهجرة إلى الولايات المتحدة. فشكَّل هذا الواقع أحد العناصر المحورية التي أدت إلى التطور الشامل لهذا البلد. وهذه العملية كانت أساسية في إرساء أصول البلاد التي سبقت بروز قوميتها وسبقت قيامها كدولة جديدة مستقلة، كما بروزها لتصبح فيما بعد قوة عالمية بدلاً من مجرد مركز حدودي ناءٍ على المحيط الأطلسي، لا سيما من حيث قوة نموها الاقتصادي. فالهجرة هي التي صنعت الولايات المتحدة الأميركية.
وشأنها شأن العديد من المجتمعات الاستيطانية الأخرى، اعتمدت الولايات المتحدة، قبل أن تحقق الاستقلال وبعده، على تدفق الوافدين الجدد من الخارج من أجل إسكان الأرض المفتوحة غير المأهولة نسبيا. وتتشاطر الولايات المتحدة هذا الواقع التاريخي مع كل من كندا، وجنوب إفريقيا، واستراليا، ونيوزيلندا، والأرجنتين وغيرها من الدول.
في جميع هذه الحالات، استطاعت القوى الإمبريالية، التي طالبت بملكية هذه الأماكن، تحقيق عنصرين من العناصر الثلاثة اللازمة لإنجاز هدفها المتمثل في استخراج الموارد الطبيعية من المستعمرات الجديدة. كانت تلك القوى تملك الأرض ورأس المال، لكنها كانت تفتقر إلى الناس للعمل في المزارع، والمناجم، والصيد، وقطع الأخشاب، وغيرها. حاول مديرو المستعمرات استخدام السكان الأصليين كيد عاملة، لكن نسبة نجاحهم في ذلك كانت تزيد أو تنقص. وهكذا، ساعدوا على تجارة الرقيق الإفريقي، مما أدى إلى نقل ملايين المهاجرين، رغم إرادتهم، إلى مواقع العالم الجديد هذه.
إلا أن الهجرة لم تلعب دورا رئيسيا وحسب في صنع نمو أميركا، ولكن أيضا في تشكيل الطبيعة الأساسية لهذا المجتمع. ينقسم تاريخ الهجرة إلى خمس فترات زمنية منفصلة، كل منها ينطوي على تباين في معدلات الهجرة من أماكن مختلفة جدا من العالم، وكل منها عكس وشكّل الكثير من عناصر الطبيعة الأساسية للمجتمع والاقتصاد الأميركيين.
امتدت حقبة الاستيطان الأولى والأطول، من القرن السابع عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر. جاء المهاجرون من مجموعة من الأماكن، بما فيها المنطقة الناطقة بالألمانية، ومن فرنسا (الفرنسيون البروتستانت)، وهولندا. أما المهاجرون الآخرون فكانوا يهوداً من هولندا ومن بولندا أيضا، ولكن معظم المهاجرين في تلك الحقبة كانوا من الجزر البريطانية، الإنكليز، والاسكتلنديين، والويلزيين، والأيرلنديين من منطقة الشمال. وقد هاجروا نحو المستعمرات (التي أصبحت في وقت لاحق الولايات) والمناطق المختلفة الأخرى.
هؤلاء المهاجرون، الذين يشار إليهم عادة بإسم "المستوطنين"، اختاروا بشكل رئيسي الزراعة، حيث اجتذب الوعد بالأراضي الزهيدة الثمن أعدداً كبيرةً من الأوروبيين الفقراء نسبياً الذين جاؤوا من غرب وشمال أوروبا، وغيرهم من الأوروبيين الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن الاستفادة من التحديث الحاصل في اقتصاديات بلدانهم. تستحق إحدى هذه المجموعات من المهاجرين بعض الاهتمام الخاص بسبب التجارب التي مرت بها والتي سلطت الكثير من الضوء على القوى الدافعة للهجرة. فخلال هذه الحقبة، جاءت أعداد كبيرة من النساء والرجال كخدم مُلزمين. كانوا قد ابرموا العقود مع أرباب العمل الذين حددوا الوقت وظروف العمل مقابل تأمين عبور هؤلاء إلى العالم الجديد. تحمل هؤلاء ظروفاً قاسية أثناء خدمتهم في تلك الأزمان نتيجة الطريقة التي عوملوا بها. لكنهم، في نهاية المطاف، كسبوا ملكية قطع صغيرة من الأرض مكنَّتهم من العمل كمزارعين وفلاحين مستقلين.
كان عدد الذين جاؤوا في هذه الحقبة صغيراً نسبيا، لكنه ما لبث أن تغير في عشرينات القرن التاسع عشر. فقد شهدت هذه الفترة عصر الهجرة الجماعية بدءاً من ذلك العقد وحتى الثمانينات من القرن التاسع عشر، حين شق ما يقارب من مليون مهاجر طريقهم إلى الولايات المتحدة، وقد اختار معظمهم الزراعة في الغرب الأوسط وشمال شرق البلاد، في حين قام غيرهم بالاتجاه للعمل في المدن مثل نيويورك، وفيلادلفيا، وبوسطن، وبالتيمور.
صاغت العوامل القائمة في كل من أوروبا والولايات المتحدة هذا الانتقال. فبنهاية حروب نابليون في أوروبا تحرر الكثير من الشبان من الخدمة العسكرية وعادوا إلى أوطانهم في الوقت نفسه الذي بدأت فيه الثورة الصناعية والتحول الزراعي في إنكلترا والدول الاسكندينافية، وجزء كبير من أوروبا الوسطى، بحيث دخلت الاقتصادات المحلية في مرحلة انتقالية خلقت فئة من الشباب الذين لا يستطيعون كسب معيشتهم في النظام الجديد. ارتفع الطلب على اليد العاملة المهاجرة كثيرا مع حصول تطورين رئيسيين: استيطان الغرب الأوسط الاميركي بعد تدشين قناة "إيري" في العام 1825 وما نتج عنه من بروز لميناء نيويورك الجديد، وبدء تحرك التنمية الصناعية في الولايات المتحدة، ولا سيما صناعة النسيج التي تمحورت في منطقة نيو إنغلاند.
بدأ المهاجرون يتجمعون في مجموعات ويقطنون أحياءً ومدناً ومناطق خاصة بهم. أصبح الغرب الأوسط الأميركي، الذي شكل في أواسط القرن التاسع عشر أحد مناطق العالم الأكثر خصوبة، موطناً لتجمعات المهاجرين المتجانسة نسبيا، القادمين من السويد، والنروج، والدنمارك، وبوهيميا، ومناطق أخرى سوف تعرف بحلول العام 1871 بألمانيا.
شهدت هذه الحقبة وصول أول موجة كبيرة من المهاجرين الكاثوليك إلى الولايات المتحدة التي كانت بروتستانتية بمعظمها، وألهم هؤلاء النساء والرجال الايرلنديون الأوائل أول تحرك جدي لمبدأ الاميركيين "الأهليين" والعداء للمهاجرين، بحيث تم دمج الكراهية للمهاجرين بشكل عام مع الخوف من الكاثوليكية والنفور من الايرلنديين. أفرز هذا العداء للمهاجرين، لا سيما في العقود التي سبقت مباشرة الحرب الاهلية الاميركية (1861-1865)، حركة سياسية قوية، وحتى حزباً سياسياً جعل من مكافحة الهجرة ومكافحة الكاثوليكية أمرين مركزيين في الأجندة السياسية. وقد شهدت هذه الحقبة أيضاً وصول أعداد صغيرة من المهاجرين الصينيين إلى الغرب الأميركي. كانت ردة فعل الأميركيين المولودين في أميركا على هذه الهجرة شديدة السلبية، ما أدى إلى اقرار التشريع الاميركي الوحيد للهجرة الذي حدد مجموعة بعينها بمثابة ركيزة لهذه السياسة التقييدية، ونقصد بذلك قانون استثناء الصينيين للعام 1882.
الموجة تصبح فيضاناً
تدريجيا، على مدار العقود بعد الحرب الأهلية، ومع تغير مصادر الهجرة، تغيرت أيضا تكنولوجيا النقل البحري. ففي حين وصل المهاجرون الأوائل إلى الولايات المتحدة في مراكب شراعية، أتاحت الابتكارات في وسائل النقل البخاري للسفن الكبيرة بنقل حمولات أكبر إلى الولايات المتحدة. جاء مهاجرو تلك الحقبة من جنوب وشرق أوروبا، وهي المناطق التي كانت تشهد بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، التحولات الاقتصادية نفسها التي كانت قد شهدتها أوروبا الغربية الشمالية في مرحلة سابقة.
وكما حصل في هجرات الفترات السابقة، ساد عنصر الشباب على الوافدين الجدد. وهذه الموجة من الهجرة التي شكلت الحلقة الثالثة من تاريخ الهجرة إلى الولايات المتحدة، أفضل ما يمكن تسميتها به هو فيضان المهاجرين، حيث بلغ عدد الأوروبيين المسافرين إلى الولايات المتحدة في تلك الحقبة حوالي 25 مليون نسمة. شكل الإيطاليون، واليونانيون، والهنغاريون، والبولنديون وغيرهم ممن يتكلمون اللغات السلافية، الكتلة الأكبر من هذه الهجرة. ومن ضمن هؤلاء كان هناك مليونان ونصف إلى ثلاثة ملايين يهودي.
اتسمت كل مجموعة بنمط مميز من الهجرة لناحية نسبة التوازن بين الجنسين ضمن المجموعة المهاجرة، ودوام هجرتهم، ونسبة الأميين من ضمنهم، والتوازن بين الأطفال والبالغين بينهم، وما شابه ذلك من الأمور. ولكن كانت هناك صفة رئيسية مشتركة بينهم جميعاً: توجهوا إلى المدن فشكلوا أكثرية اليد العاملة الصناعية في الولايات المتحدة، مما أفسح المجال لقيام صناعات هامة مثل الصلب، والفحم، والسيارات، والنسيج، والألبسة فأدى إلى صعود الولايات المتحدة لتحتل المرتبة الأولى ضمن عمالقة الاقتصاد العالمي.
توجههم إلى المدن، وأعدادهم، وربما الطبيعة الإنسانية الأساسية التي تنفر من الأجانب أدى إلى بروز موجة ثانية من الكراهية المنظمة ضد الأجانب. وبحلول تسعينات القرن التاسع عشر، بدأ الكثير من الأميركيين، لا سيما في صفوف البيض المولودين في الولايات المتحدة، اعتبار الهجرة خطراً جدياً على سلامة الدولة وأمنها. ففي العام 1893، شكلت مجموعة منهم جمعية لتقييد الهجرة وبدأت مع منظمات ذات ميول مشابهة، الضغط على الكونغرس لإصدار قوانين تفرض التقليص الحاد لهجرة الأجانب.
تشريع الهجرة
بدأ تقييد الهجرة تدريجيا على مدار أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكن فور نهاية الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، وامتداداً إلى أوائل عشرينات القرن الماضي، قام الكونغرس بتغيير السياسة الأساسية للهجرة. فقانون الأصول القومية للعام 1921 (وشكله النهائي في العام 1924) لم يقتصر على تقليص أعداد المهاجرين الذين يستطيعون الدخول إلى الولايات المتحدة وحسب، لكنه حدد أيضاً هذه الشرائح وفقا لحصص محددة قائمة على أصول قومية معينة. وكان هذا القانون بمثابة تشريع معقد فضّل بشكل رئيسي المهاجرين القادمين من أوروبا الشمالية والغربية وقلّص إلى حد كبير أعداد أولئك القادمين من شرق وجنوب أوروبا، وأعلن أن جميع المهاجرين المحتملين من آسيا ليسوا جديرين بالدخول إلى الولايات المتحدة الأميركية.
استثنى نظام الحصص هذا نصف الكرة الأرضية الغربي، وأطلقت عشرينات القرن العشرين الحقبة ما قبل الأخيرة من تاريخ الهجرة إلى الولايات المتحدة، التي أتاحت للمهاجرين من تلك المناطق الانتقال إلى البلاد بحرية، ففعلوا ذلك، ووفدوا من المكسيك ومناطق البحر الكاريبي (بما فيها جامايكا، وباربادوس، وهاييتي)، وأجزاء أخرى من أميركا الوسطى والجنوبية. عكست هذه الحقبة التطبيق لتشريع 1924 الذي استمر حتى العام 1965. خلال الأربعين سنة هذه، بدأت الولايات المتحدة أيضا بقبول أعداد محدودة من اللاجئين على أساس كل حالة بمفردها، ومنهم اللاجئون الهاربون من النازية الألمانية قبل الحرب العالمية الثانية، واليهود الناجون من المحرقة النازية بعد الحرب، وغير اليهود من المهجّرين، واللاجئين، والفارين من الحكم الشيوعي في أوروبا الشرقية، والهنغاريين الساعين إلى ملجأ بعد فشل انتفاضتهم في العام 1956، والكوبيين الذين وجدوا لأنفسهم ملجأً في الولايات المتحدة بعد ثورة العام 1960، إذ حركت محنتهم ضمائر الأميركيين حينذاك. ورغم ذلك، استمر قانون الهجرة الأساسي كما هو دون تعديل.
قانون هارت سيللار
تغّير كل هذا بإقرار قانون هارت سيللار في العام 1965، الذي جاء نتاجاً لثورة الحقوق المدنية وشكل الجوهرة في تاج برامج المجتمع العظيم للرئيس ليندون جونسون. لم يهدف هذا الإجراء إلى تشجيع الهجرة من آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا والأماكن الأخرى من العالم النامي (العالم الثالث) بل هدف بدلاً من ذلك إلى التخلص من نظام الحصص العنصري، وقد توقع مُعدّوه أن يأتي المهاجرون من المجتمعات المهاجرة التقليدية مثل ايطاليا، واليونان، وبولندا، أي أماكن كانت حصصها قليلة جدا بظل قانون العام 1924 السابق. في القانون الجديد تمّ استبدال نظام الحصص بمعايير تفضيلية جديدة، مثل العلاقات الأُسرية والمهارات الوظيفية العملية، مع إعطاء تفضيل خاص للمهاجرين المحتملين الذين لديهم أقارب في الولايات المتحدة، ولأصحاب المهن التي تعتبر هامة برأي وزارة العمل الأميركية. ولكن بعد العام 1970، وعقب موجة أولى أتت من البلدان الأوروبية، بدأ المهاجرون بالتدفق من أماكن مثل كوريا، والصين، والهند، والفليبين، وباكستان فضلا عن البلدان الإفريقية. وبحلول العام 2000، عادت الهجرة إلى الولايات المتحدة إلى حجمها الذي عرفته في الأعوام الأولى للقرن العشرين لتصبح أميركا من جديد وطناً يقوم المهاجرون بصياغته وتحويله.
اليوم، ومع بداية القرن الحادي والعشرين، تجد الولايات المتحدة نفسها منخرطة في مناقشات حول الهجرة ودور المهاجرين في المجتمع الاميركي. فبالنسبة للبعض، بدا أن المهاجرين الجدد غير راغبين أو غير قادرين على الإنخراط في المجتمع الأميركي، وأنهم ملتزمون جدا بالمحافظة على ارتباطهم بوطنهم الأم، وبالتالي بعيدون جدا عن الالتزام بجوهر القيم الأميركية. وكما في الحقبة السابقة، يعتقد بعض منتقدي المهاجرين المعاصرين أن هؤلاء يحرمون الأميركيين من الوظائف ويحملّونهم أعباء التعليم والرعاية الاجتماعية والصحية. ويعتبر العديد من المنخرطين في هذا النقاش أن العدد الكبير من العاملين غير المسجلين (أي مهاجرين من دون أوراق رسمية) يشكل خطراً على البنية الأساسية للمجتمع.
إلا أن المهاجرين يحظون بدعم من الذين يشيرون إلى أن كل موجة هجرة جديدة كانت تأتي بالخوف، والشك، والقلق للأميركيين، بمن فيهم أولاد أحفاد المهاجرين الأوائل، وانه من الخطأ الادعاء بأن كل مجموعة من القادمين الجدد لن تنخرط بشكل من الأشكال في المجتمع الأميركي وأنها ستبقى متشبثة بعاداتها القديمة والغريبة عن المجتمع الأميركي. وحتى أن دعاة الهجرة ومعظم مؤرخي الهجرة يعتبرون أن المهاجرين يقومون بإغناء الولايات المتحدة على نطاق واسع لأنهم يقدمون خدمات قيِّمة للوطن.
في كل حقبة من تاريخ الولايات المتحدة، من العهود الاستعمارية في القرن السابع عشر وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين، اختار النساء والرجال من جميع أنحاء العالم، خوض التجربة الاميركية. فقد وصلوا أجانب يحملون معهم لغات وثقافات وأديانا بدت في بعض الأحيان غريبة عن الجوهر الأساسي لأميركا. ولكن مع مرور الوقت، وتغير النظرة إلى ثقافة الولايات المتحدة لدى المهاجرين وأحفادهم، فإنهم قاموا ببناء مجتمعاتهم الإثنية في نفس الوقت الذي انخرطوا فيه في الحياة المدنية الأميركية ككل.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تمثل بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.