01 أيار/مايو 2008

بقلم كاترين إل. ألبانيز
تميزت الفترة الاستعمارية من تاريخ الولايات المتحدة بالتعددية الدينية، مع ممارسة الأميركيين الأصليين والعبيد الأفارقة والمستوطنين الأوروبيين، لأشكال دياناتهم المختلفة. وفي هذا المقال، تقوم الكاتبة بتتبع جذور مفهوم التسامح الديني وأسسه منذ الزمن الاستعماري.
كاترين إل. ألبانيز هي مؤلفة كتاب "جمهورية العقل والروح: تاريخ ثقافي للدين الميتافيزيقي الأميركي". وهي أيضاً أستاذة كرسي جاي إف روني في الأديان المقارنة ورئيسة مجلس إدارة دائرة الدراسات اللاهوتية في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا.
تسود ثلاث أساطير في الفكرة العامة المنطبعة في الأذهان عن التاريخ الديني الأميركي:
- الأسطورة الأولى: إن القصة الدينية تدور فقط حول الأوروبيين.
- الأسطورة الثانية: إن المسيحية البروتستانتية التي كانت دين المهاجرين والمستوطنين الأوروبيين كانت ديانة واحدة متناغمة تماماً خلال العقود الأولى من تاريخ البلاد.
- الأسطورة الثالثة: إن التعددية الدينية تطوّر متأخر ظهر في القرن العشرين.
هناك عدة مشاكل في هذه النظرة إلى التاريخ الديني الأميركي. فأولاً، تتجاهل هذه الرؤية موقع السكان الأصليين، أي الأميركيين الهنود، الذين سبقوا الأوروبيين إلى هذه الشواطئ بقرون عديدة. وثانياً، إنها تتجاهل أيضاً موقع الأفريقيين الذين شكلوا أقلية ذات شأن من سكان المستعمرات. أمّا ثالثاً، ومن الوجهة الأوروبية للقصة، فمن الأهمية بمكان أن نلحظ أنه في حين كان السكان الأميركيون الأوائل في معظمهم من البروتستانت، شكل الكاثوليك واليهود أيضاً جزءاً ذا شأن من المستوطنين. وأخيراً، وحتى بين البروتستانت أنفسهم، انتشر التنوّع منذ السنوات الأولى لأميركا وكان يُشكِّل صفة مميزة للمشهد الديني الأميركي. فقد كانت التطورات الطائفية في بريطانيا خلال الفترة التي سبقت مباشرة حركة الاستعمار قد ضمنت نشوء تلك النظرة التعددية، وكذلك الأمر بالنسبة للهجرة الدينية من عدة بلدان، وأهمها من ألمانيا. وفي هذه الأثناء، كان هناك مستوطنون جاؤوا من دول أخرى، لا سيما من بلدان شمال أوروبا، فنقلوا معهم توجهاتهم الدينية الخاصة التي كانت ممثلة هي أيضاً في السنوات الأولى لنشوء أميركا.
وحتى ضمن هذا الوصف الموجز للتنوع الديني الفعلي في بدايات أميركا، يمكننا أن نطرح أسئلة حول كيفية نشوء أسطورة الهوية البروتستانتية الوحيدة لأميركا في المقام الأول. كان المؤرخون الأوائل للتجربة الدينية الأميركية أنفسهم يمثلون الطوائف البروتستانتية الرئيسية السائدة حينذاك. وقد تعامل هؤلاء المؤرخون مع التاريخ ليس كمؤرخين محترفين وإنما انطلاقاً من مواقفهم كرجال دين. وهكذا، لم تتحول دراسة التاريخ الديني الأميركي إلى دراسات يقوم بها مؤرخون محترفون إلاّ بصورة تدريجية، وبما أن البروتستانت ظلوا يشكلون الأغلبية السائدة في البلاد حتى زمن ليس ببعيد، فلا عجب إذاً في أن التنوع الديني الفعلي في بداية عهد أميركا ظل مغفلا.
تقاليد السكان الأصليين والأميركيين الأفريقيين
طور السكان الأصليون، الذين عاشوا في قبائل وشعوب منفصلة، ثقافاتهم الأميركية المميزة عبر عدة قرون. وقد كان لكل من هذه الشعوب أو القبائل الهندية أنظمة من المعتقدات، وقوانين سلوك، وطقوس خاصة بها كانت ولا تزال حتى يومنا الحاضر تختلف عن بعضها البعض. (المادة الواردة هنا وفي الكثير مما يتبع ملخصة من كتاب كاثرين إل. ألبانيز، "أميركا: الديانات والدين"، الطبعة الرابعة، ]بلمونت، كاليفورنيا: دار وادسوورث للنشر، 2007[). وحيث كانت تتواجد حوالي 550 جماعة ولغة مختلفة في القرن السابع عشر في أميركا، فقد تميزت الثقافة الهندية الأميركية بتنوع يفوق بكثير ما يستطيع معظمنا سبر أغواره. لكن إذا نظرنا إلى العناصر المشتركة بين تلك الجماعات، فإن الهنود الأميركيين كانوا يظهرون إحساساً قوياً بالتواصل مع العالم المقدس، يعبّرون عنه من خلال معتقداتهم، وطقوسهم، وطرق حياتهم التي تحكي عن قرابتهم الوثيقة مع الطبيعة. فقد اعتبروا أن العالم المادي المحيط بهم مقدس ولم يفصلوا بينه وبين عالم فوق طبيعي كما كان يفعل الأوروبيون. وقد اعتبروا أن هناك حقيقة مقدسة أيضاً في حالات من الأحلام الداخلية، ورأوا حياتهم الداخلية وواقعهم الخارجي كحالة مائعة في كافة جوانبها ومفتوحة أمام التحول والتغير. فالحيوانات المقدسة قد تصبح بشراً والعكس بالعكس. وفي هذا السياق، من الممكن لنا أن نصف "أخلاقيات" الهنود على أنها أخلاقيات تعيش بتناغم كامل مع العالم الطبيعي. وعلاوة على ذلك، كان الهنود يشعرون بارتياح في أوضاع أطلق عليها لاحقاً صفة التعددية الدينية. فلدى الأميركيين الأصليين، كانت الاختلافات الدينية تُلحظ وتُحترم ويتم تقبلّها. وكان لدى القبائل المختلفة أرواح مختلفة يؤمنون بها، وطقوس مختلفة يؤدونها، وشعائر مختلفة يمارسونها.
وأما بالنسبة للأفريقيين، بدورهم، فإن الإيمان الديني لم يختف بينهم عندما اصبحوا عبيدا. وكان معظمهم من أفريقيا الغربية ومنطقة الكونغو-أنغولا، وكان الكثيرون منهم من شعوب الماندينكه، واليوروبا، والإيبو، والباكونغو، والايوي، والفون. وكان بعضهم يعتنق الدين الإسلامي بينما انتمى آخرون إلى ديانات أفريقية تقليدية متميزة. ومرة أخرى، وكما كان الأمر بالنسبة للهنود الأميركيين، كانت هناك أمور مُعينة مشتركة هي السائدة ضمن هذه الأشكال الدينية الأصلية. كان المجتمع أو المجموعة هو الأساس، ولم يكن العالم المقدس أبداً بعيداً عنه، حيث كانت تعيش الأرواح والآلهة التي كانت تشمل أسلافهم الموقرين. وكان على رأس المجتمع المقدس إله أسمى، كان الناس يكتسبون قوته من خلال آلهة وسطاء. فالتنبؤ بالغيب، والتضحية بالحيوانات، والموسيقى والرقص، مع الإيقاع المتواصل للطبلة، كانت كلها تتضافر لخلق المعنى الروحي لديهم والتعبير عنه. وقد اتخذت هذه الأفكار والممارسات الدينية في أميركا اتجاهات جديدة لدى مجتمعات العبيد التي تكيف فيها السود مع المسيحية البروتستانتية وأدخلوا عليها أيضاً أفكاراً ترتبط بوضع العبودية الذي كانوا مكرهين عليه. وهكذا، فإن المسيحية السوداء لم تكن مطلقاً، لدى تطورها وتغيرها، مماثلة للمسيحية الأوروبية البيضاء. فقد نمت وازدهرت إلى جانبها أيضاً تقاليد السحر والشفاء، واختلطت مع معتقدات وممارسات الهنود الأميركيين فجذبت إليها أحياناً البيض الذين كانوا يبحثون عن علاج شاف أو مساعدة مادية عن طريق السحر.
تقاليد الأوروبيين الأوائل
كان الأسبان، بقيادة خوان بونسه دي ليون، أول الأوروبيين الذين عاشوا في أميركا، حيث شقوا طريقهم في العام 1513 إلى شبه الجزيرة التي نسميها الآن فلوريدا. ولم يصل الكهنة الكاثوليك إلا بعد انقضاء ثماني سنوات على ذلك التاريخ لتبشير الهنود الأميركيين بالدين المسيحي. وبحلول العام 1564، كان الأسبان قد أسسوا بلدة سان أوغسطين في فلوريدا. كما كانت نشاطات دينية مماثلة تجري على قدم وساق على بعد مئات الأميال من فلوريدا في المناطق الغربية من القارة الجديدة. فقبل انقضاء القرن السادس عشر، كان المبشرون الفرنسيسكان قد استقروا في ما يعرف الآن بولاية نيو مكسيكو كما أنشأ اليسوعيون، في بداية القرن الثامن عشر، إرسالية تبشيرية في أريزونا. ومن بين الوافدين الإنكليز، كان هناك الكاثوليك الذين أتوا ليس لهداية الهنود إلى ديانتهم بل للاستيطان. والواقع هو أن المرسوم الملكي بتأسيس مستعمرة، هي ما أصبح لاحقاً ولاية ماريلاند، أُعطي إلى كاثوليكي. فقد منح الملك الإنكليزي شارلز الأول هذا المرسوم إلى الكاثوليكي جورج كالفرت، أول لورد بالتيمور. وقد صل ابنه ليونارد في عام 1634 ليشغل منصب أول حاكم لتلك المستعمرة. ولم تبق مستعمرة ماريلاند طويلاً في يد الكاثوليك. ولكن مجرد وجودها بذاته يشكَّل شهادة لمدى قوة الأقليات الدينية في حقبة الاستعمار والاستيطان المبكرة. وفي الوقت نفسه، كانت مستعمرة بنسلفانيا المنتمية إلى طائفة الكوايكرز ترحب بالكاثوليك، كما أن مستعمرة نيويورك، على الأقل خلال جزء من تاريخها، أظهرت تسامحها نحوهم، حتى أن كاثوليكياً، هو توماس دونغان، أصبح حاكماً لنيويورك من العام 1682 إلى العام 1689.
كانت نيويورك أيضاً موطناً لأول مجموعة من اليهود في أوائل عهد أميركا. فقد استقروا هناك أصلاً في العام 1654 عندما كانت تعرف باسم نيو أمستردام (انتقل حكم المستعمرة من الهولنديين إلى الإنكليز في العام 1664). وكان هؤلاء اليهود، الذين كانوا جزءاً من جالية لاجئين أسبان وبرتغاليين تشكلت بعد أن طُرد اليهود من هذين البلدين في أواخر القرن الخامس عشر، قد استقروا أول الأمر في هولندا الليبرالية، ثم انتقلوا فيما بعد إلى شرق البرازيل ضمن مشروع استعماري هولندي. ولكن، وبعد أن سيطرت البرتغال على البرازيل، هرب اليهود شمالاً إلى نيو أمستردام حيث شكلوا جالية صغيرة من السفارديم كانت بمعظمها من التجار من دون حاخامات. وأدى زواجهم بغير اليهود إلى ذوبان عدد منهم ضمن السكان المحليين، ولكنهم كانوا قد تمكنوا بحلول العام 1692 من بناء أول كنيس في أميركا الشمالية. واستقر بعض السفارديم أيضاً في ما يعرف اليوم بولاية رود آيلاند، بينما انتشر آخرون، مع يهود بدأوا يفدون من أوروبا الشمالية، في أماكن مختلفة من مدن الساحل الشرقي كجالية وأبناء رعية صغيرة واستمروا في التوجه نحو الجنوب حتى وصلوا إلى تشارلستون، بولاية ساوث كارولينا.
وضمن هذا العالم الأميركي الباكر من التنوع الديني، احتفظ البروتستانت بمجموعهم بمركز الأغلبية. وقد أهلك وباءان تفشيا في أوائل القرن السابع عشر القسم الأعظم من الشعوب الهندية في قارة أميركا الشمالية، فاستطاعت الجراثيم الأوروبية القضاء عليهم إلى درجة أكبر بكثير من المدافع الأوروبية. أما الجماعات الأخرى، وهم الأفريقيون والكاثوليك واليهود، فكانوا يشكلون دائماً وبشكل واضح أقلية، حتى مع وجود أعداد لا يستهان بها من الأفارقة في بعض الأماكن. إلاّ أن التفكير بالمستوطنين البروتستانت على أنهم مجموعة متكاملة يناقض الوضع الحقيقي للتنوع الديني الذي ميّز في الواقع هؤلاء المهاجرين الأوروبيين بالذات. فرغم ممارسة الكثيرين منهم مسيحية بروتستانتية ثقافية، إلا أنه كانت لديهم أيضاً سلسلة من المعتقدات الميتافيزيقية والتصرفات المماثلة لتلك التي اتبعها الهنود والسود، إذ كانوا يلجأون إلى السحر الذي يمارسه الماكرين من الناس وإلى التنجيم وإلى أشكال نخبوية من التعاليم الباطنية. (أنظر كتاب جون باتلر، غارقون في بحر من الإيمان: نصرنة الشعب الأميركي، ]كامبردج: مطبعة جامعة هارفرد، 1990[، وكتاب كاترين إل. ألبانيز، جمهورية العقل والروح: تاريخ ثقافي للدين الميتافيزيقي الأميركي ]نيو هافن: مطبعة جامعة ييل، 2007 [).
علاوة على ذلك، فقد استوطنت مجموعتان دينيتان مختلفتان المستعمرتين اللتين لعبتا دوراً رئيسياً في التطورات السياسية اللاحقة. فالمستوطنون في فرجينيا، الذين أنشأوا أول مستعمرة دائمة لهم في جيمس تاون سنة 1607، كانوا رسمياً أعضاء في كنيسة إنكلترا. وكان التزامهم بالأنغليكانية صارماً إلى درجة أنه في العام 1610 ولمدة عشر سنوات تقريباً بعده، فرض قانون مستعمرة فرجينيا على السكان حضور قداس يوم الأحد تحت التهديد بالإعدام لدى المخالفة الثالثة من الغياب (لا تتوفر لدينا أية وثيقة تثبت أنه تمّ فعلاً إعدام أي شخص). بالمقابل، وفي منطقة نيو إنغلند، كان المستوطنون في مستعمرتي بليموث (1620) ومساتشوستس باي (1630) (اللتين انضمتا معاً لاحقاً) من طائفة البيوريتان، وأعضاء في مجموعتين مختلفتين من الإصلاحيين الذين رفضوا ممارسات كنيسة إنكلترا. ففي بليموث كان المهاجرون الانفصاليون، الذين كانوا قد استقروا سابقاً في هولندا، يعتبرون أنفسهم خارجين تماماً على الكنيسة الإنكليزية. وفي مستعمرة مساتشوستس باي الأكبر حجماً، عمل غير الانفصاليين على تغيير كنيسة إنكلترا من الداخل. وقد شددت المجموعتان على دور الاهتداء إلى المسيحية الصادقة النقية التي تستند إلى التجربة الدينية الشخصية. وتأثرت المجموعتان إلى حد كبير بتعاليم كالفن اللاهوتية وبرسالته القائلة بالسيادة العليا لله، وبخطيئة الإنسانية، وبحكم الله المطلق لإرسال البشر إما إلى الملكوت السماوي أو إلى الجحيم الأبدي. كما أُعجبت المجموعتان أيضاً بالكنيسة الحرة، أو المجمعة، التي نشأت في عصر الإصلاح (الراديكالي) الذي نادى بتجديد المعمودية في القرن السادس عشر في أوروبا. وشددت المجموعتان أيضاً على دور الكنيسة الرعائية المجمعة كحافظة للعهد بين الناس والله الكلي القدرة.
وحتى الإصلاحيين البيوريتان في مساتشوستس باي، لم يكونوا على قدرٍ كاف من النقاء في رأي بعض المستوطنين البروتستانت الجدد. فعلى سبيل المثال، أصبحت مستعمرة رود آيلاند موطناً للمؤمنين من الطائفة المعمدانية بعد أن أسس روجر وليامز المستعمرة في العام 1636. وكان وليامز قد نفي من مستعمرة مساتشوستس باي عندما أصبح من الواضح بدرجة متزايدة أنه يعتبر أن زملاءه من البيوريتان تنقصهم الطهارة والنقاء. وانضم إليه في رود ايلاند منشقون دينيون آخرون، مثل آن هتشيسون، الجريئة في التعبير عن آرائها، والتي ادعت أنها تعمل بتوجيه مباشر من الروح القدس. وعلى مسافة أبعد جنوباً، شمل البروتستانت في نيويورك مستوطنين من الكنيسة الإصلاحية الهولندية منذ أوائل أيامها كمستعمرة نيو أمستردام. وبالإضافة إلى ذلك، استقرت مجموعات بروتستانتية أوروبية أخرى، ومنها الكالفينيون الفرنسيون، واللوثريون الألمان، وأتباع الكنيسة المستقلة في نيو إنغلند، والكوايكرز، والمعمادنيون، في هذه المستعمرة حتى عندما حددت المستعمرة هويتها رسمياً على أنها أنغليكانية (أنظر كتاب ريتشارد دبليو بوينتر، "التعددية البروتستانتية وتجربة نيويورك: دراسة للتنوع الديني في القرن الثامن عشر" ]بلومينغتون: مطبعة جامعة إنديانا 1988[). وبمرور الزمن بات سكان نيويورك ينظرون إلى تنوعهم على أنه أمر إيجابي بعد أن لاحظوا فوائده الدينية والسياسية.
وفي نيوجيرزي بدورها، انضم الهولنديون ومهاجرون من دول أوروبية شمالية أخرى إلى المستوطنين من نيو إنغلند والكوايكرز البريطانيين. وفي بنسلفانيا على وجه الخصوص، وجد الكوايكرز ملاذاً آمناً لهم ومكانة مكنتهم من السيطرة في تلك المستعمرة لبعض الوقت. وقد سادت أيديولوجية التسامح بعد أن أسس وليام بن مستعمرة بنسلفانيا كمستعمرة لطائفة الكوايكرز، ابتداءً من العام 1681. حصل بن، وهو ابن لأميرال ومهتدٍ إلى طائفة الكوايكرز، على ملكية المستعمرة عندما تلقى مساحة شاسعة من الأراضي تسديداً لدين قديم استحق على دوق يورك لوالده. وترجم الكوايكرز، بمعتقداتهم الباطنية "بالنور الإلهي" الموجود داخل كل إنسان، رسالتهم الدينية إلى ملاذ اجتماعي وسياسي مأمون للجميع. ففي بنسلفانيا، كان كل شخص يستطيع أن يمارس طقوسه الدينية بحرية وكانت حقوق المعتقد مُصانة. واللافت للانتباه أيضاً كان احترام بن للشعوب الهندية الذي أكده في بنود معاهدته معهم وتجنبه الحرب كمبادرة سياسية تجاههم.
انتقل الكوايكرز الإنكليز والمبشرون المعمدانيون إلى بعض أنحاء الجنوب الأميركي وأصبح التنوع الديني السمة الاعتيادية للمشهد الديني. وشكل اتباع الطائفة المشيخية (أو البرسبيترية) أيضاً جزءاً مهماً من هذا الخليط وكذلك الأمر بالنسبة لسلسلة من المجموعات المنشقة الأصغر حجما. وفي هذه الأثناء انتشرت الطوائف الألمانية في بنسلفانيا وفي أماكن أخرى، وكان من بينهم المينونايت، والدونكر، والأتقياء المورافيون. وحيثما استقرت الشعوب الألمانية والاسكندينافية، ظهر أيضاً حضور لوثري قوي، كما تواجدت مجموعة من الإصلاحيين الكالفينيين بين الألمان بوجه خاص. وكان هناك أيضاً ما يمكن أن نسميه اليوم بالجماعات الهامشية، مثل جماعة "المرأة في البرية" غير البعيدة عن فيلادلفيا، وهي أخوية باطنية مارست نمطاً مختلطاً من الوثنية والمسيحية واليهودية في شكلها الخاص من الديانة الطبيعية.
تأثير اجتماعات إيقاظ الروح الدينية
مع وجود هذا الخليط من الهويات الدينية والآراء الدينية المتنافسة بين أناس كانوا في أحيان كثيرة مبشرين في توجههم، أصبحت اجتماعات إيقاظ الروح الدينية، وهي سلسلة اجتماعات مكثفة من التبشير الإنجيلي الجماعي، شأناً اعتيادياً في القرن الثامن عشر. في هذه الاجتماعات، كانت تُثار المشاعر وتُحرّك القناعات لجعل الناس العاديين يلتزمون بمجموعات دينية جديدة أو يعيدون التزامهم بالجماعات القديمة. ويميل المؤرخون إلى الإشارة إلى الفترة الممتدة من أواخر الثلاثينات عبر الأربعينات والخمسينات من القرن الثامن عشر على أنها فترة شهدت اهتماماً خاصاً في المطالبة بإعادة إيقاظ الروح الدينية (أنظر كتاب وليام بي ماكلافلن، حركات إحياء الدين، واليقظة، والإصلاح: بحث حول الدين والتغيير الاجتماعي في أميركا، 1607-1977 ]شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1978[). وقد ساد في هذه الفترة، التي سميت باليقظة الكبرى وأحياناً باليقظة الكبرى الأولى، إلقاء المواعظ من قبل شخصيتين: الأولى هي الواعظ المتجول الإنكليزي جورج وايتفيلد، الذي كان من أتباع جون ويسلي (مؤسس الكنيسة الميثودية) ولديه ميول كالفينية. وقد جاء إلى مستعمرات أميركا الشمالية وألقى المواعظ لجمع الأموال من أجل بناء ميتم في مستعمرة جورجيا الجنوبية. أما الشخصية الثانية فكان البيوريتاني الذي أُطلق عليه لقب أعظم لاهوتي أميركي، جوناثان إدواردز، الذي تمكن من على منبره في نورث هامتون، بمساتشوستس، من إحياء الرسالة الكالفينية الصارمة التي تقول بهلاك وإدانة أولئك الذين لم يختارهم الله للخلاص. لكنّ هذين الواعظين لم يكونا وحدهما في الميدان. فعلى سبيل المثال، كان هناك أيضاً مبشرون من الكنيسة المشيخية في المستعمرات الوسطى، وخاصة بنسلفانيا ونيوجيرزي، يقدمون نسختهم من اليقظة الدينية.
وأصبحت لغة إيقاظ الروح الدينية، على ما يبدو، هي اللغة الدينية للولايات المتحدة. وبالفعل، يشير المؤرخون إلى دور حركات إيقاظ الروح الدينية في خلق وتنمية الانشقاق الديني، في الوقت الذي يلاحظون فيه أيضاً دور إيقاظ الروح الدينية في الجمع بين المستعمرات حول الشعور بالأرضية المشتركة فيما بينها. وفي هذا الخصوص، تقول فرضية بارزة تشرح كيف أصبحت الثورة الأميركية ممكنة أيديولوجياً في أواخر القرن الثامن عشر، بأنه كان لليقظة الكبرى دور في توليد شعور بالهوية المشتركة الضرورية جداً لبدء الثورة (أنظر كتاب ألان هايمرت،" الدين والعقل الأميركي: من اليقظة الكبرى إلى الثورة ]كامبردج: مطبعة جامعة هارفرد، 1966[). ومهما كان رأينا في هذا القول، من الواضح أنه بحلول أواخر القرن الثامن عشر، كان التنوع الديني الأميركي قد أصبح جلياً بدرجة لافتة، كما أنه ما زال سمة بارزة في مشهد البلد الاجتماعي في يومنا هذا.
الآراء المُعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.