10 أيار/مايو 2008
بقلم غاري ويفر
"غاري ويفر" عضو في هيئة التدريس لكلية الخدمة الدولية (الدبلوماسية) في الجامعة الأميركية، في قسم الاتصالات الدولية.
من الضروري لفهم السلوك والسياسات العامة الأميركية، التعرّف على ثقافة الولايات المتحدة. والثقافة في العديد من اللغات غالبا ما تعني الفن، والموسيقى، والتاريخ، والأدب. أما في الولايات المتحدة فيُنظر إلى هذه الأمور كمنتجات أو مبتكرات فنية للثقافة. وتعريفنا للثقافة هنا في معظمه تعريف إنساني مرتبط بالبشر (أنثروبولوجي). ففي اللغة الإنكليزية الأميركية، تعني كلمة "ثقافة" ببساطة طريقة حياة مجموعة من الناس تنتقل من جيل لآخر عبر التعلّم. فهي تشمل المعتقدات الأساسية والقيم وأنماط التفكير ووجهات النظر حول العالم التي يتشاطرها معظم الأميركيين. وبمقدورنا أن ندرس هذه الملامح الخارجية للثقافة ونستنتج أنها تعكس قيمنا ومعتقداتنا ونظرتنا العالمية الداخلية. فما لم نفهم الثقافة الأميركية الداخلية، يكاد يستحيل تفسير السلوك الخارجي الظاهر، بما في ذلك سياساتنا العامة.
لو كان علينا أن نرسم صورة بيانية تمثل الثقافة الأميركية السائدة أو العامة، لوجب علينا أن نتصورها كجبل من الجليد. إذ المعروف أن معظم جبل الجليد يبقى مغمورا خافيا تحت الماء. والشيء ذاته يصدق بالنسبة للثقافة. فمعظمها داخلي أو في داخل عقولنا وأذهاننا، وتحت سطح مياه إدراكنا الواعي. وإذا كان الطرف الأعلى الظاهر قابلاً للتغير، كما يذوب الثلج بتأثير الشمس والمطر، فان القاعدة لا تتغير كثيراً بمرور الزمن. وعلى نفس المنوال، فإن المعتقدات الأساسية والقيم وطرق التفكير ووجهات نظر المرء حول العالم تتغير ببطء كبير.
هذا الجزء من الثقافة يتعلمه الإنسان عن غير وعي لمجرد النشوء في مجتمع معين أو عائلة معينة. فليس هناك أهل يجلسون إلى طاولة الفطور مع أطفالهم ليعلموهم دروساً في "القيم الثقافية". لأن القيم الثقافية يتعلمها الإنسان دون وعي لمجرد نشأته في أسرة معينة. ولهذا السبب نبقى غير مدركين نسبياً لقيمنا الثقافية حتى نغادر بلدناونتفاعل مع أناس من ثقافات أخرى.
التشديد على المنجزات الفردية
عندما وصل المهاجرون في البداية إلى أميركا، حملوا معهم معتقداتهم وقيمهم الأوروبية إلى "العالم الجديد". ونزلوا في ما بدا أرضاً لا حدود لمواردها الطبيعية وللفرص الهائلة للامتياز. بينما كان الإنسان في أوروبا إذا ولد فقيراً مات فقيراً. وخلق الجمع بين المعتقدات والقيم الأوروبية وبين توفر الموارد والفرص الوافرة مجموعة من القيم الثقافية التي نُسميها "أميركية".
وتعززت هذه المعتقدات والقيم الجديدة للمنجزات الفردية والانتقال الطبقي وكوفئت. إذ بدأ الأميركيون عندئذ يُعرفّون عن أنفسهم بالانتساب إلى ما يعملون ويفعلون. فإذا ما قابلت أميركياً في مناسبة اجتماعية فإنه غالبا ما يرحب بك بعبارة: "هالو، اسمي غاري ويفر. أنا أستاذ في الجامعة الأميركية. ما هو عملك؟"
إلا أن الناس من العديد من الثقافات الأخرى يُعرفّون عن أنفسهم بالنسبة لمن هم. فالأفريقي الغربي قد يحيّيك بقوله: "مرحبا، أنا بابا سيكا، ابن تمسير سيكا، من أعالي نهر باسى". المصدر الأول لهويته هو من هو، أي والده ومكان ولادته. أما وضعه ومكانته فيقومان على الأسرة والإرث وليس على ما يقوم به كفرد أو ما قد يفعله في المستقبل.
الارتياب من الحكومات المركزية القوية بإفراط
خلافا لما جرت عليه العادة في أوروبا، لم يرد المستوطنون الأوائل الذين وصلوا شواطئ أميركا أن يكون لهم ملك، أو ملكة، أو بابا. إذ كانوا يرتابون بالحكومات المركزية التي تتمتع بسلطات مفرطة القوة. فكما قال الفيلسوف الأميركي الكبير هنري ديفيد ثورو (1817-1862)، كانوا يعتقدون أن "الحكومة الأقل هي الحكومة الأفضل". لكنهم كانو يدركون بالطبع أن "عالمهم الجديد" بحاجة إلى حكومة قومية للتعاطي مع الشؤون الخارجية والتجارة الدولية، وهي أمور كانت تؤثر في الحياة اليومية للناس رؤي أنه ينبغي أن تعتبر من مسؤولية حكومة محلية.
لم يكن لأميركا أبداً قوات شرطة قومية (أي شرطة لجميع الولايات). فالشؤون الاجتماعية وأمور تطبيق القانون والقضاء المحلي والعناية بالمرضى وما شابه، كلها مسائل تخضع للإدارة والسلطة المحلية. وأما حريات أميركا المدنية كحرية التعبير وحرية الصحافة والحرية الدينية وغيرها فقد نص عليها الدستور وقانون الحقوق المدنية. وتحمي هاتان الوثيقتان الحريات الفردية وتمنع قيام حكومة قومية ذات سلطات مفرطة.
ليست بالضبط "بوتقة انصهار"
يعتقد الكثير من الناس أن الولايات المتحدة مزيج من عدة ثقافات مختلفة دون أن تكون لها ثقافة مسيطرة أو سائدة. وكثيرا ما تستخدم العبارة المجازية "بوتقة الانصهار" للتعبير عن هذا الاقتراض. يأتي الناس من كافة أرجاء الكرة الأرضية بثقافاتهم ثم يطرحونها في القدر أو البوتقة الأميركية، ويُحرِّك المزيج ويُسخّن إلى أن تختلط هذه الثقافات ببعضها البعض.
ثمة بعض الحقيقة في هذه الفكرة. فالولايات المتحدة، بكل تأكيد، مجتمع منوع ثقافياً. غير أن هناك ثقافة سائدة، وأصبح المهاجرون جزءاً من هذه الثقافة عن طريق التنازل عن العديد من فوارقهم لكي يتماشوا مع المجتمع السائد. قد يقول البعض إن للولايات المتحدة في الغالب أسلوب "قالب قطع الكعك" (الذي يقطع عجينة الكعك أو الكحك إلى أشكال وهيئات) وكان هذا القالب على مثال الرجل الأبيض الذكر الأنغلوسكسوني البروتستانتي. ولذا كان بوسع المهاجر الذكر الأبيض أن يتلاءم بسهولة مع هذا القالب عن طريق تبني اسم إنكليزي واعتناق المسيحية البروتستانتية والتحدث بالإنكليزية دون لكنة أجنبية. إلا أن قالب قطع الكعك لم يلائم الجميع. فلم يكن بإمكان بعض الناس تغيير جنسهم أو لون بشرتهم أو نوعية نسيح شعرهم. وكان بإمكان البعض الآخر أن ينصهر ويذوب بسهولة أكثر من الغير.
التحوّل إلى "فسيفساء" أو "منسوجة"
طبعاً، تغيّرت الولايات المتحدة. فمعظم الأميركيين لم يعودوا يقبلون عبارة ثقافة بوتقة الانصهار أو قالب قطع وتشكيل الكعك. والواقع أنه بات من المألوف وصف أميركا كفسيفساء أو منسوجة ملوّنة. فهذه المجازات الشعبية الآن توحي بأنه من المقبول أن يحافظ المرء على الفوارق وان يكون في نفس الوقت جزءاً من المجتمع العام. في الفسيفساء أو المنسوجة، يكون كل لون مميزا ويزيد من جمال القطعة. فإذا أزيلت قطعة من الفسيفساء أو سحب خيط من المنسوجة فذلك يعرضها للتلف. ولذا فمن السهل اليوم الحفاظ على الفوارق. فقد أصبحت الفوارق في الجنس والعرق والأصول القومية والإثنية والدين والميول الجنسية مقبولة، ولا داعي للتنازل أو التخلي عنها لكي يحظى الناس بالفرص المتساوية لتحقيق أهدافهم في الحياة..
"الأميركيون الموصولون" أي الناس الذين لهم هويتان، يعبرون عن الاعتقاد بان بإمكان المرء أن يحافظ على هويته الإثنية أو القومية أو الدينية أو العرقية وأن يكون في الوقت نفسه أميركياً. فالأميركيون المكسيكيون والأميركيون الأيرلنديون والأميركيون الأفارقة أو السود والأميركيون العرب والأميركيون المسلمون والأميركيون الهنود يعكسون جميعاً ممارسة كونهم أميركيين فعلا مع احتفاظهم في نفس الوقت بهويتين. إلا أن ما يُبقي على تماسك البلاد ووحدتها ليس مجرد مجموعة من القيم والمعتقدات المشتركة بل أيضاً اللغة الإنكليزية والتجارب المشتركة.
يشكل البيض من أصل غير إسباني أو أميركي لاتيني في أربع ولايات هي نيو مكسيكو وتكساس وكاليفورنيا وهاوائي، وفي مقاطعة كولومبيا أقليات سكانية. ويتفق معظم الخبراء في علم السكان أن البيض من غير العرق الإسباني أو اللاتيني الأميركي سيصبحون بحلول العام 2050 أقلية بالنسبة لإجمالي عدد سكان البلاد. لكن لا يبدو أن هذا الاتجاه يُهدد الأميركي العادي. فالواقع أن معظم الأميركيين يعتقدون أن التنوع يعزز الحلول الخلاقة للمشاكل ويزيد من الإنتاجية.
وهذا يعكس نموذجاً متعدد الثقافات يَفتَرض أن الفوارق لا تقابل بالترحاب فحسب، بل إنها تلقى التقدير وينظر إليها كعناصر قوة. وقليل جداً من الناس يرغب في العودة إلى الماضي عندما كان على الأقليات أن تتنازل عن فوارقها للانصهار في الثقافة السائدة. فالتنوع فرصة يجب التعلق بها وليست عقبة يلزم التغلب عليها.
والمشكلة التي تواجه أميركا اليوم ليست كيفية التخلص من الفوارق، بل كيفية إدارة مجتمع يتميز بهذا القدر من الفوارق. فقد كانت الولايات المتحدة دائماً متنوعة، لكن لم يعد الأمر مجرد الجمع بين قوميات أوروبية ومجموعات إثنية مختلفة. فالتنوع اليوم يعني جميع الأعراق والمجموعات الإثنية والقوميات المختلفة والرجال والنساء والمعوقين والموظفين من كل الأعمار وذوي التوجهات الجنسية المختلفة. وأمام واقع التغيرات الديموغرافية السكانية والتكافل العالمي المتزايد وفوائد التنوع الواضحة سيتكيف الأميركيون وسيعملون على تطوير المهارات اللازمة للتواصل والتفاهم والعمل مع الناس من كافة الخلفيات الثقافية.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.