10 أيار/مايو 2008
كينيث جاندا
كينيث جاندا أستاذ العلوم السياسية في جامعة نورثوسترن في شيكاغو، بولاية إيلينوي
إن للولايات المتحدة هيكلا حكوميا لا مركزيا مختلفا كثيرا بالمقارنة مع الديمقراطيات الأخرى. فقد كان واضعو الدستور الأميركي مدركين جيداً للأخطار الكامنة في حصر السلطات في أي مؤسسة سياسية منفردة. ولذا تعمّدوا فصل السلطات وتوزيعها على فروع ومستويات حكومية مختلفة. ويختلف النظام الأميركي اللامركزي عن النموذج الديمقراطي المحدد القائم على مبدأ "الأكثرية" الذي ينص على أن الحكومة هي التي ينبغي لها أن تسن القوانين وتصدر التشريعات وأن تنتهج سياسات تلبي فورا ما تريده أغلبية الشعب.
ويتميز النموذج الأميركي للحكم الديمقراطي، وهو الحكم الديمقراطي التعددي، عن نظام الأكثرية بعدد من الفوائد. وتعبّر هذه الفوائد المتميزة عن رؤية مؤسسي أميركا. إذ يتطب نظام الديمقراطية التعدّدية توزيع سلطات الحكم وجعل الصلاحيات لا مركزية. وتنشأ الديمقراطية بموجب هذا النموذج عندما يتم تقاسم سلطات الحكم بين مراكز متعددة للسلطة تكون منفتحة لمصالح الجماعات المختلفة. من ذلك على سبيل المثال، العمال مقابل الإدارة والمزارعون مقابل محال بيع المأكولات وشركات الفحم الحجري مقابل أنصار البيئة. فهذه المجموعات تنافس بعضها البعض في المجتمع التعدّدي.
يحول توزيع الصلاحيات في النظرية التعدّدية دون اتخاذ الحكومة أعمالاً مُتسرعة وربما غير حكيمة، لكنه يمكن أن يحول أيضاً دون تنفيذ أي عمل أو فعل إذا اختلفت مراكز السلطة الهامة. وعلى الرغم من أن لا مركزية السلطة هي طابع الحكم الأميركي وميزته، فإن بعض الخصائص المؤسسية تميل إلى مركزة السلطات، مما يمكّن الحكومة من العمل حتى عندما تفتقر إلى الاتفاق عموما حول سياسة ما. يصف هذا المقال كيف تساهم الخصائص الأساسية للنظام السياسي الأميركي في تحقيق توازن بين لا مركزية ومركزية السلطة السياسية.
عدم الثقة بالسلطة المركزية
دأب سكان المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة الأصلية ورعايا الملك جورج الثالث، على عدم الثقة بالحكومة المركزية القوية التي كانت تدير شؤون حياتهم من الخارج، فثاروا على الحكم البريطاني سنة 1775. واتهمت وثيقة إعلان الاستقلال الت أصدروها سنة 1776 الملك "بالاستبداد المطلق على الولايات". وفيما كان المستوطنون يخوضون حرب الاستقلال، شكلوا الولايات المتحدة الأميركية بموجب بنود الاتحاد الكونفدرالي، وهي الوثيقة التي حققت أكثر من مجرد تحالف بين الولايات الثائرة. انتصر ونال المستوطنون استقلهم في سنة 1781، وفي السنة نفسها تمّت المصادقة النهائية على وثيقة الاتحاد الكونفدرالي ودخلت حيّز التنفيذ.
إلا أن عيوب الحكومة الكونفدرالية بدأت تظهرً بعد أن انتهت الحرب، إذ كانت السلطات مُوزعة أكثر من اللزوم. فلم تكن للاتحاد الكونفدرالي أي سلطة على فرض الضرائب، ولم يكن للاتحاد أي زعيم يتمتع بسلطات تنفيذية، ولم يكن قادراً على تنظيم التجارة. وكان لا بد هناك من موافقة إجماعية على ضرورة تعديل الوثيقة. وفي سنة 1787، اجتمع المندوبون في فيلادلفيا لإعادة النظر في الأحكام لكنهم توصلوا إلى تحرير ميثاق جديد بالكامل هو دستور الولايات المتحدة الأميركية. غير أن الدستور لم ينص على خلق حكومة مركزة قوية ذات سلطات. بل سعى المندوبون إلى إقامة حكومة لامركزية، على أن تكون حكومة تملك سلطة أكبر للتنسيق المركزي مم منحتها أحكام الاتحاد الكونفدرالي. وأوجدت الهيكلية الحكومية الجديدة توازناً بين المركزية واللامركزية، الأمر الذي أسفر عن قيام حكم مستقر دائم استمر بنجاح لأكثر من 200 عام.
مزايا اللامركزية
هناك كثير من خصائص النظام السياسي الأميركي التي تعمل على إنجاح لامركزية الحكم. والمزايا الأربع الأهم المثبتة في الدستور هي: (1) الفدرالية، (2) فصل السلطات، (3) الكونغرس المؤلف من مجلسين لهما نفس الوزن، و(4) النظم الانتخابية، فهناك نظامان مختلفان.
(1) الفدرالية
استبدل واضعو الدستور نموذج الحكومة الكونفدرالية بنموذج النظام الفدرالي. ففي حين كانت أحكام الكونفدرالية تعد "باتحاد دائم" لولايات تحتفظ "بسيادتها وحريتها واستقلالها"، فإن الدستور الفدرالي لم يذكر السيادة أبداً. فهو يبدأ بالقول: "نحن شعب الولايات المتحدة"، مما يعني ضمناً أن الحكومة الجديدة تمثل الأفراد بدلاً من الولايات. فبموجب مفهوم الفدرالية، يمارس مستويان أو أكثر من الحكم السلطة والصلاحيات على نفس الشعب ونفس الأراضي. مثال ذلك أن الحكومة القومية توفر الدفاع ضد الأعداء الخارجيين في حين تمارس حكومات الولايات "سلطات الشرطة"، أي الحفاظ على صحة المواطنين وأخلاقهم وسلامتهم وخيرهم. ولا يحق للحكومة القومية أن تقوم بنشاط في هذه الميادين إلا بالتعاون مع الولايات. لكن بإمكان الحكومة القومية تمويل الطرق السريعة المبنية في الولايات حسب معايير قومية، أو منح الأموال للتعليم إذا ما أتبعت مدارس الولايات إجراءات مُعيّنة. ولأن سلطات الشرطة لامركزية موزعة على الولايات، وسلطة الحكومة القومية في بناء الطرقات الرئيسية السريعة محدودة، وكذلك بالنسبة لتحسين المدارس، أو تنظيم أمورالزواج والطلاق وفرض العقوبات الجنائية، ووهي كلها من جملة شؤون أخرى، تبقى سلطات لامركزية خاضعة لسيطرة الولايات.
(2) الفصل بين السلطات
أنشأ الدستور هيكلية تفصل السلطات السياسية ووزعها على ثلاثة فروع للحكومة. فقد أناط "جميع السلطات التشريعية" بالكونغرس، و"السلطة التنفيذية" بالرئيس، و"السلطة القضائية" بالمحكمة العليا وبالمحاكم الدنيا التي يشكّلها الكونغرس. علاوة على ذلك، ذهب الدستور إلى أبعد من ذلك في عدم مركزية السلطة محدداً الطرق التي يستطيع كل فرع فيها مراقبة الفروع الأخرى ومحاسبتها. فمثلاً، مُنح الكونغرس سلطة سنّ القوانين بينما أُعطي الرئيس حق نقض القوانين. لكن الكونغرس يستطيع إقرار القانون بأكثرية ثلثي الأصوات وتجاوز النقض الرئاسي. ومثال آخر هو أن الرئيس وحده المخوّل بالتفاوض بشأن المعاهدات، لكن المعاهدات لا تصبح سارية المفعول إلا إذا وافق عليها مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين. ثمة مثال آخر هو أنه في حين يحدد الكونغرس هيكل المحكمة العليا ويعين الرئيس أعضاء المحكمة، فإن بإمكان المحكمة العليا إفراغ قوانين الكونغرس والرئيس وإبطالها إذا رأت أنها تتنافى مع الدستور. لكنه من المهم أن نلاحظ بالنسبة للمثال الأخير الذي تقدم أن سلطة المحكمة في إبطال قوانين الكونغرس والرئيس لم ينص عليها الدستور تحديدا، فقد أصبحت عرفا مقبولا بعد القرار الشهير الذي أصدرته المحكمة العليا في قضية ماربوري ضد ماديسون سنة 1803.
فصل السلطات المُعقد هذا يخدم عدم مركزية السلطات الحكومية في الولايات المتحدة. فمن حق الرئيس اقتراح برنامج حكومي ما، لكن لكن تحويل ذلك البرنامج إلى قانون يطبّق لا بد له بصفة عامة من تشريع من الكونغرس. وحتى في هذه الحال، للمحكمة العليا سلطة ردّ القانون إذا ما رُفع إليها. فسَنّ القوانين والتشريعات الدائمة في الولايات المتحدة عملية معقدة. أما سَنّ القوانين في الدول ذات الأنظمة البرلمانية المعمول بها على نطاق واسع في الديمقراطيات في العالم فهو أسهل. فالحزب أو لائتلاف المسيطر في البرلمان يقرر عادة التشريعات التي يقترحها وزراء الحكومة، ولا يملك معظم المحاكم إلاّ سلطات محدودة لإبطال التشريعات.
(3) الكونغرس المؤلف من مجلسين
لامركزية السلطة في العملية التشريعية الأميركية يعززها أيضاً الكونغرس المؤلف من مجلسين. ولبلدان كثيرة أيضاً هيئات تشريعية مؤلفة من مجلسين (تُسمّى أحياناً كثيرة المجلس الأدنى والمجلس الأعلى)، لكن قليلة هي البلدان التي لها مجلسان متساويان بالسلطة والصلاحيات الفعليةً. فما يعرف بالمجلس الأدنى هو مجلس النواب لأن أعضاءه الذين يبلغ عددهم حالي 435 نائبا ينتخبون ممثلين للدوائر الانتخابية التي تُنشأ حسب عدد السكان. وأما ما يعرف بالمجلس الأعلى (أو الأعيان) فهو مجلس الشيوخ، وهو أصغر حجما يضما 100 عضو يعتبرون شيوخا لأن أعضاءه يجب أن يكونوا أكبر سِناً (30 سنة عند انتخابهم على الأقل مقابل 25 لمجلس النواب)، كما أنهم يُنتخبون لفترة أطول تبلغ مدتها ست سنوات بدلاً من سنتين للنواب. ومع أن أعضاء مجلس الشيوخ ينتخبون مباشرة من قبل الشعب، فإن اختيار الشيوخ يتم على مرحلتين زمنيتين. وتنتخب كل ولاية من الولايات الخمسين ممثلين اثنين عنها مهما كان عدد السكان.
ووفقاً للدستور، هناك فوارق بسيطة في سلطات المجلسين. جميع مشاريع القوانين الخاصة بالواردات يجب أن تبدأ في مجلس النواب، بينما مجلس الشيوخ وحده يوافق على المعاهدات والتعيينات التي يختارها الرئيس. وتتلاشى هذه الفوارق عند المقارنة بين سلطات المجلسين المتساوية في سن التشريعات والقوانين، فقبل أن يعرض أي مشروع قانون على الرئيس للتوقيع عليه، يجب أن يحظى بموافقة كل من المجلسين بنفس النص. ومحصّلة ذلك هي أن السلطة لا تكون محصورة في مجلس أكثر من الآخر (كما في معظم الدول) ولكنها موزعة بالتساوي بين كل من المجلسين.
(4) النظام الانتخابي
ليس لدى الولايات المتحدة نظام انتخابي واحد بل لها نظامان، هما نظام لانتخاب الرئيس وآخر لانتخاب أعضاء الكونغرس. ويساهم النظامان في لامركزية السلطة. لننظر أولاً في النظام الرئاسي. الانتخابات الرئاسية ليست من نوع الانتخابات "القومية" التي يفوز فيها المرشح الذي ينال أكثرية الأصوات الشعبية عبر البلاد. إنها انتخابات فدرالية تمنح الرئاسة للمرشح الذي يفوز بأكثرية "الكليات الانتخابية" (أي 270 كلية من أصل 538 كلية أوهيئة انتخابية) وهي مجموع عدد أعضاء مجلسي النواب والشيوخ بالإضافة إلى ثلاثة أصوات تمثل مقاطعة كولومبيا. للولايات صوت انتخابي واحد لكل كلية أوهيئة ناخبين منتخبين تمثل الولاية. ولكل ولاية عدد من الأعضاء الناخبين في الكلية انتخابية مساو لعدد مقاعدها في الكونغرس، بمعنى أن أصغر الولايات عددا (التي لها عضو واحد في مجلس النواب وعضوان في مجلس الشيوخ) لها ثلاثة أصوات في هيئة الناخبين فقط. والولاية الأكبر (كاليفورنيا) لها 55 صوتاً. ويدلي الناخبون في الكلية الانتخابية بأصواتهم فعليا في كل ولاية لصالح البرامج الانتخابية لأحزابهم. وتجتمع كلية الناخبين بعد الانتخابات، كل في مقر مجلسها التشريعي (مبنى الكابيتول) لاختيار الرئيس. (هيئة الناخبين لا تجتمع مطلقاً ككل). المرشح الذي يفوز بأكثرية أصوات الولاية يفوز بجميع أصوات هيئة الناخبين في الولاية. لذلك، يشن المرشحون الرئيسيون حملاتهم الانتخابية بشكل غير مركزي إي يركزونها في الولايات، كل ولاية على حدة وليس على البلاد ككل.
ويشجع النظام الانتخابي للكونغرس أيضاً على اللامركزية. ففي معظم الديمقراطيات الأخرى يتم انتخاب المشرعين عن طريق استخدام الاقتراع النسبي المحصص. أي أن الناخبين يدلون بأصواتهم للأحزاب، وتخصص مقاعد المجالس التشريعية تبعا لنسبة نصيب الحزب من الأصوات التي يفوز بها في الانتخابات. أما في الولايات المتحدة فيتم انتخاب أعضاء الكونغرس على أساس نظام أكثرية الأصوات. إذ يتنافس عدة مرشحين على مقعد واحد يفوز به المرشح الذي ينال أكبر عدد من الأصوات. وبما أن المرشحين يفوزون بمقاعدهم في الكونغرس من خلال الفوز الفردي المباشر في الانتخابات، فإنهم يهتمون بخدمة ولاياتهم ومقاطعاتهم لكي يُعاد انتخابهم، الأمر الذي يشجعهم على خدمة المصالح المحلية في حال اختلفت هذه المصالح عن المصالح القومية.
خصائص المركزية
الفدرالية وفصل السلطات والكونغرس المُكّون من مجلسين والنظام الانتخابي، كلها تساهم في عدم مركزية السلطات في الولايات المتحدة، وكلّها تخدم نظام الديمقراطية التعددية. غير أن تقسيم السلطات والصلاحيات السياسية ينطوي على مخاطر. إذ ربما تصبح الحكومة مشلولة غير قادرة على العمل بسبب هذا التوزيع أو قد تعمل على خدمة مصالح الأقليات المنظمة بدلاً من خدمة أكثرية الشعب. فكما أشرنا سابقاً، كان الهاجس الأول لواضعي الدستور تقسيم السلطات وإخضاعها للمراقبة. لكن بمرور الزمن، جرت بعض التغيرات المؤسسية التي ربما فاتتهم، والتي ساهمت في مزيد من لامركزية الصلاحيات الحكومية.وهناك ثلاثة من هذه التغيرات المؤسسية تستحق إشارة خاصة هي: (1) الرئاسة، (2) نظام الحزبين، (3) المحكمة العليا.
(1) الرئاسة
كرّس واضعو الدستور أكثر من 2200 كلمة للفرع التشريعي في المادة الأولى منه. ولم يخصصوا لوصف الفرع التنفيذي سوى 1000 كلمة فقط في المادة الثانية. فقد نظر عدد من واضعي الدستور إلى الرئاسة كمجرد منصب تنفيذي ضروري لتطبيق القوانين التي يضعها ويقرها الكونغرس. لكن الرئاسة أصبحت مع مرور الزمن المحور المركزي في الحكومة الأميركية. فبات الرئيس الآن هو الذي يُحدد الرئيس الأهداف القومية ويقترح التشريعات اللازمة لتحقيق تلك الأهداف، ويحيل على الكونغرس الميزانية لتمويل التشريعات القومية، وبالطبع، يتحدث باسم الدولة في الشؤون العالمية. ولتلبية الحاجة إلى الردّ على الأزمات الوطنية والدولية، وسّع الرؤساء بالتعاون مع الكونغرس عادة، سلطات المنصب بحيث أصبح الآن المؤسسة التي تهتم بالرأي العام على الصعيد القومي. وبهذا المفهوم تعمل الرئاسة من منطلق هو أقرب ما يكون من نظام الديمقراطية الأكثرية.
(2) نظام الحزبين
لم تكن هناك أحزاب سياسية سنة 1787. فالواقع أن الدستور منح الرئاسة آنذاك للمرشح الذي ينال أكثرية الأصوات اللانتخابية وأعطى نيابة الرئاسة للمرشح الذي يليه في عدد الأصوات. إلا أنه بحلول موعد انتخابات العام 1796 كانت قد تشكلت مجموعتان حزبيتان في الكونغرس ودعمت كل منهما أحد المرشحين المتنافسين على الرئاسة. وكان على الفائز، جون آدامز (الفدرالي)، أن يقبل بمنافسه، توماس جفرسون (الديمقراطي الجمهوري) كنائب للرئيس. واعترف تعديل دستوري سنة 1804 بنشوء الأحزاب عن طريق المطالبة بان يُصّوت الناخبون بصورة منفصلة لكل من الرئيس ونائب الرئيس، الأمر الذي قاد إلى إنشاء قوائم انتخابية لكل من المنصبين. علاوة على ذلك، شجع نمو الأحزاب المتعارضة في مجلسي الكونغرس على قيام التنسيق بين المجلسين. فالحزب الذي يفوز بالرئاسة يشجع التنسيق بين الرئاسة والكونغرس. وبما أن حزبين فقط سيطرا على السياسات الأميركية خلال معظم تاريخها فقد ساهم ذلك أيضاً في تركيز السلطة. إذ تدور السياسات الأميركية حول الحزبين الديمقراطي والجمهوري اللذين يخدمان بالتداول أحيان في الحكم وأحيانا في المعارضة. ولمّا كانت الأحزاب الصغيرة لا تتمتع بتأثير كبير أو نفوذ في الولايات المتحدة، فإن نظام الحزبين يسهم في تركيز السلطات والصلاحيات.
(3) المحكمة العليا
أنشأ واضعو الدستور المحكمة العليا لكنهم لم تكن لهم رؤية واضحة حول وضعيتها وكيفية أدائها ضمن حكومتهم الجديدة. فلا يزيد وصف المحكمة العليا في المادة الثالثة عن 400 كلمة ولا يتضمن الكثير عن سلطات المحكمة. في سنة 1803 اتخذت المحكمة قراراً بالإجماع يُخّولها إعادة النظر القضائية، أي صلاحية مراجعة القوانين التي يقرها الكونغرس لتحديد ما إذا كانت متوافقة مع الدستور الأميركي. ونتيجة لهذا القرار، علا شأن المحكمة وارتفعت مكانتها ضمن النظام السياسي. وأعطى القرار أيضاً المحكمة القول الفصل في الأعمال والإجراءات الحكومية التي يقوم حولها خلاف. وبهذا ساهمت المحكمة في مركزية الصلاحيات من حيث أنها نصّبت نفسها الحَكَم الأخير حول القرارات في نظام متقاسم السلطات.
الخلاصة
بما أن السلطات موزعة على المؤسسات الحكومية إلى هذا الحد من اللامركزية، يمكن القول بأن النظام الأميركي يقصّر عن أعلى معايير ديمقراطية الأغلبية أو الأكثرية. لكن الولايات المتحدة، بفضل نظام اللامركزية في السلطات، تُطبّق المعيار الذهبي للديمقراطية التعددية التي تقوم على مراكز متعددة للسلطة بشكل يعتبر مدعاة للإعجاب. فالنظام السياسي الأميركي مفتوح أمام المجموعات المتنافسة التي تسعى إلى إسماع صوتها في العملية السياسية، مما يحقق مردوداً سياسياً يأخذ مع مرور الزمن وبصورة فعالة، مصالح المجموعات المختلفة واهتماماتها في الحسبان، أكثر مما في الأنظمة القائمة على مبدأ الأغلبية (الأكثرية) الصارم.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.