التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

03 حزيران/يونيو 2008

الأهمية الروحية والثقافية للمنتزهات القومية

 

بقلم إدوين بيرنباوم

إن المنتزهات القومية أكثر من مُجرّد معالم ونُصُب تذكارية وأراضٍ شاسعة، وهي أكثر من جبال وغابات وبحيرات وغرائب جيولوجية. إنها تُمثّل جزءاً من الروح الأميركية.

الدكتور إدوين بيرنباوم هو مُدير برنامج سايكرد ماونتينز (الجبال المقدسة) في مؤسسة ماونتين ومؤلف كتاب، الجبال المقدسة في العالم. وقد اقتُبس هذا المقال من كتاب، أفضل فكرة أميركية، وهو كناية عن رحلة مُصورة عبر المنتزهات القومية شارك في تأليفه بيرنباوم، ونشرته شبكة المنتزهات الأميركية (الطبعة الأولى عام 2006، والطبعة الثانية عام 2008).

للمناظر الطبيعية الأخّاذة والتضاريس الطبيعة التي تحفظها المنتزهات العامة قدرة على إيقاظ حس استثنائي بالعجب والدهشة. فلمحات سريعة من الجمال الطبيعي كارتفاع قمة أثيري إلى طبقات الضباب العالية، والانزلاق الناعم لصقر يسبح في الفضاء، والتمايل اللامع لأشعة الشمس تخترق أعماق غابة بدائية، يمكنها جميعاً إثارة مشاعر الناس بطرق لا يمكن تفسيرها. وهكذا تنقل المنتزهات القومية الزوار إلى خارج حدود وجودهم الرتيب، إلى مجالات تثير الرهبة في النفوس ويلفها الغموض والروعة التي تتحكم بها قوى خارج سيطرتنا. ويسعى الكثير من الناس عند ارتيادهم للمنتزهات القومية إلى تجاوز الأمور السطحية الكثيرة التي تلهيهم في حياتهم اليومية والشعور بشيء ذي قيمة أعمق وأكثر رسوخاً. والحقيقة هي أن هذه الملاذ الطبيعية غير المشوهة تُمثّل أماكن للتجدد الروحي يمكننا الرجوع فيها إلى منبع وجودنا، واستعادة عذوبة الشعور ببداية جديدة.

وللمنتزهات القومية، علاوة على قيمها العلمية كمستودع يختزن التنوّع والمعارف الجيولوجية والبيولوجية، أهمية روحية وثقافية عميقة بالنسبة للشعب الأميركي. وقد لعبت فكرة الطبيعة كمكان للإلهام والتجدّد دوراً رئيسياً في إنشاء وكالة المنتزهات القومية في العام 1916. فعلى سبيل المثال، كان أحد الدوافع الأساسية التي حفزت أحد أوائل مناصري الحفاظ على الطبيعة، جون ميوير، للعمل على إنشاء منتزه يوسميتي (Yosemite) القومي في كاليفورنيا، صيانة وادي يوسميتي "كهيكل أكثر جمالاً من أي هيكل صنعته يد الإنسان". وقد وجدت دراسة أجرتها الجمعية الأميركية للمحافظة على المنتزهات القومية (NCPA) أن الرسالة الأشد إقناعاً لحفز الناس على دعم المنتزهات القومية هي أنها "تقدم لنا بعض أجمل وأبهى وأروع الأماكن على وجه الأرض."

وكان جمال وعظمة المنتزهات القومية مصدر إلهام لأعمال فنية مهمة في مجالات الرسم والتصوير الفوتوغرافي والأدب والموسيقى. وقد ساعدت اللوحات الزيتية المؤثرة التي رسمها توماس موران لمنتزه يلوستون القومي في وايومنغ، وتلك التي رسمها آلبرت بيرستادت لوادي يوسميتي، في استقطاب الاهتمام القوي بهذه الأماكن الجديرة بالملاحظة. وتستحضر الصور الفوتوغرافية التي التقطها أنسل آدامز للأشجار القديمة قدم الدهر نفسه والجبال الهائلة المتخطية لحدود الزمن  عالماً من الجمال الأبدي المحفوظ في المنتزهات القومية. أمّا زيارة المؤلف الموسيقي فرده غروفه (Ferde Grofé) لغراند كانيون في ولاية أريزونا، فقد  أثارت فيه أحاسيس جعلته يشعر بأنه عاجز عن التعبير بالكلمات عما يحس به  فلجأ إلى الموسيقى وألّف أشهر أعماله الموسيقية، ذي غراند كانيون سويت (The Grand Canyon Suite).

والمنتزهات القومية بمثابة أيقونات ثقافية للتراث والهوية. فهي تحفظ، في نظر العديد من الناس، جوهر الولايات المتحدة المحتفظ بنقائه الأصلي وروحها الريادية. ويصطحب الأهل أولادهم في رحلات إلى المنتزهات القومية تلعب دور  رحلات حج علمانية لكي يتعرفوا على المعالم القومية التي تحفظ قيم ومُثل وجذور بلادنا. أما الرسالة التي وجدت دراسة الجمعية الأميركية للمحافظة على البيئة أنها تأتي في المرتبة الثانية من حيث القدرة على الإقناع فهي أن "منتزهاتنا القومية هي الإرث الذي نتركه لأولادنا."

وقد باتت المعالم المهمة الشهيرة مثل منتزهات يلوستون، ويوسميتي، وغراند كانيون رمزاً يمثل البلاد ككل، بينما أصبحت القمة المُغطاة بالأنهار الجليدية لجبل ماونت راينر (Mount Rainer)  في ولاية واشنطن، رمزاً يثير الحنين إلى المنطقة الشمالية الغربية المُحاذية للمحيط الهادئ. ويعود الجزء الأكبر من جاذبية منتزه غرايت سموكي ماونتين القومي، الذي يجتذب أكبر عدد من الزوار، إلى ارتباطه بثقافات جبال الأبالاش وقبيلة الشيروكي.

وتُجسّد المنتزهات القومية قيماً وتطلعات أميركية ذات شأن. فالقمم العالية والوديان السحيقة للمنتزهات، مثل جبل دينالي في ألاسكا ووادي غراند كانيون السحيق، تُجسّد عظمة وأُبّهة الولايات المتحدة اللتين يمجدهما النشيد القومي، "أميركا الجميلة" (America the Beautiful).  والمناظر الطبيعية الشاسعة والأماكن التي لم تطأها قدم إنسان والمُصانة ضمن نظام المنتزهات القومي تذكر بالسعي إلى الحرية والاستقلال الذي يشكل لب الثقافة الأميركية والتاريخ الأميركي. أما الجبال العالية والمناطق البرية النائية في المنتزهات القومية كغراند تيتون (Grand Teton) (في وايومنغ)، ونورث كاسكيدز (North Cascades) (في واشنطن)، ورانغل سانت إلياس (Wrangell-St. Elias) (في الاسكا) فتمنحنا الفرص لمواجهة تل التحديات والقيام بتلك المغامرات التي تبني الشخصية وتساهم في تعزيز روح "القدرة على الإنجاز" التي يتسم بها الأميركيون. ويزور الكثيرون الغابات البدائية والنقاط الهادئة في منتزه ردوود القومي (كاليفورنيا) ومنتزه روكي ماونتين القومي (كولورادو)، وغيرها من المنتزهات القومية لأنهم يعتبرونها بمثابة كاتدرائيات طبيعية يسعون فيها إلى السكينة وفرص التأمل، والتعرف  مجدداً إلى ذاتهم وإلى ما هو مهم في الحياة. 

وتربط ثقافة الهنود الأميركيين وثقافات السكان الأصليين في هاواي وألاسكا وساموا الكثير من أعمق قيمها الروحية بالأماكن المُقدسة والمعتقدات والممارسات التقاليد المُتعلقة بالأراضي التي أصبحت الآن ضمن حدود المنتزهات القومية. ويحج أفراد قبيلة هوبي، وأبناء قبائل أخرى تسكن في نجد كولورادو، إلى المنتزه القومي ميزا فردي (Mesa Verde) لأداء طقوس دينية عند كهوف الأناسازي، أسلافهم القدماء الذين تكتنف الأسرار أصلهم. وينظر أفراد قبيلة الشيروكي إلى جبال سموكي في نورث كارولينا وتينيسي على أنها موطن أجدادهم ويعتبرون القمم المستديرة مثل قبة كلينغمان (Clingman's Dome) أماكن للجوء والاستشفاء، ومنابع للأنهر التي تمنح الحياة. ويُقدّس السكان المحليون في هاواي حمم ونباتات بركان كيلاوا (Kilauea Volcano)، المشمول ضمن منتزه البراكين القومي في هاواي، باعتبارها موطن وجسد "بيله" (Pele) إلهة البراكين التي تمنح الحياة والخصب من خلال طاقتها النارية. وينظم أبناء قبيلتي بلاكفيت (Blackfeet)، ولاكاتو (Lakota)، وغيرهما من قبائل الهنود الأميركيين التي تعيش في السهول العالية رقصات خاصة تمجيداً للشمس ويسعون إلى الرؤى في مواقع خاصة بإقامة الشعائر ضمن منتزهات قومية كمنتزه غلايشر (Glacier) (مونتانا)، ومنتزه بادلاندز(Badlands) (ساوث داكوتا). وقد غيّرت إدارة المنتزهات القومية اسم المنتزه القومي ماونت ماكنلي في ألاسكا إلى منتزه ومحمية دينالي (Dinali) القومية مراعاة للاسم التقليدي الذي يطلقه شعب الكويوكون (Koyukon) على أعلى قمة في أميركا الشمالية. (تعني كلمة دينالي"العالي"). ويُساعد المنتزه القومي في ساموا الأميركية في صيانة عادات وتقاليد ومعتقدات ساموا، "الأرض المُقدسة" لشعب ساموا.

وأخيراً، للمنتزهات القومية قيمة وجاذبية خاصة في أعين الناس من جميع الثقافات في الولايات المتحدة وحول العالم. فعلى سبيل المثال، يُشير الأميركيون من أصل ياباني إلى جبل رينييه باسم "كتاكوما فوجي" (Tacoma Fuji)، ليربطوا الجبل بالبركان المُقدس الذي يشكل رمز موطنهم الأصلي اليابان. ويفخر الأميركيون من أصل إفريقي بشكل خاص بجنود بفالو، وهم الجنود الأميركيون من أصل أفريقي في جيش الولايات المتحدة الذين ساعدوا في حماية منتزهات قومية، مثل يوسميتي (Yosemite) سيكويا (Sequoia) وغيرهما من المنتزهات القومية في أوائل عهدها. ويأتي الناس من جميع أنحاء العالم لزيارة المنتزهات القومية في الولايات المتحدة لتعلّم كيفية إنشاء مناطق محمية مُماثلة في بلادهم. فقد أصبحت "أفضل فكرة أميركية"، نموذجاً يحتذى لحماية الأماكن ذات المكانة الخاصة في العالم وقدمت مساهمة أساسية لثقافة العالم.

الآراء المُعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.   

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي