03 حزيران/يونيو 2008
مقابلة مع كنّ بيرنز ودايتون دنكن
كنّ بيرنز (Ken Burns) ودايتون دنكن (Dayton Duncan) يُشكلان معاً فريق عمل لإخراج فيلم وثائقي حول المنتزهات القومية الأميركية طوله 12 ساعة أصبح الآن في مراحل إنتاجه النهائية. وقد أجرت ألكسندرا عبود، من المجلة الإلكترونية، إي جورنال يو إس أي، هذه المقابلة معهما عندما زارا واشنطن لتقديم عرض مُسبق للفيلم إلى موظفي وكالة المنتزهات القومية.
يعتبر كنّ بيرنز من بين أشهر منتجي الأفلام الوثائقية الأميركيين وقد أنتج حتى الآن أعمالاً حظيت باستحسان كبير، يُركز معظمها على عرض أحداث تاريخية. وقد عرضت أفلامه على شبكة التلفزيون العامة، الشبكة التلفزيونية القومية، حيث تابعها عدد كبير من المشاهدين. وحصل فيلمه، الحرب الأهلية، على تصنيف أفضل فيلم وثائقي مسلسل عرضته شبكة التلفزيون العامة عبر تاريخها.
أما دايتون دنكن، فهو كاتب ومنتج أفلام ألّف تسعة كتب، بينها "هناك في الغرب: رحلة عبر أميركا التي استكشفها لويس وكلارك" (Out West: A Journey Through Lewis & Clark's America) ، و "بعيداً عن لا مكان: البحث عن الغرب الأميركي التاريخي" (Miles From Nowhere: in Search of the American Frontier). وقد تعاون دنكن مع بيرنز في إنتاج أفلام الحرب الأهلية، والبايسبول، والجاز.
سؤال: لديكما سجل في إنتاج أفلام حول مواضيع تُعتبر معالم في التاريخ القومي والثقافي للولايات المتحدة، ومن بينها أفلام، الحرب الأهلية، والجاز، لويس وكلارك: رحلة فيلق الاستكشاف. فهل تشكل المنتزهات موضوعاً آخر يمثل معلماً ضخماً يهيمن على تاريخنا القومي؟
بيرنز: بالتأكيد. إن ما نبحث عنه عند اختيار موضوع فيلم هو إيجاد كيان يكون بمجمله أعظم من أجزائه مجتمعة. كيان قادر على تجسيد التناقضات الكامنة في التاريخ الأميركي والإمكانيات الكامنة التي ينطوي عليها. وأعتقد أن هذا هو ما ركّزنا عليه في مُجمل أعمالنا. تابعنا مسألة الحيّز: كيف يتم تحديد هويتنا نحن كمواطنين من خلال علاقتنا مع أرض الولايات المتحدة. وقد تقصينا الموضوع من خلال تاريخ الغرب الأميركي، هذا التقاطع الذي يصعب تصديقه حيث تتصادم كل هذه الثقافات بعضها بالبعض الآخر. وتناولنا هذا الموضوع في فيلم لويس آند كلارك (Lewis and Clark)، وفي فيلم، هوراشيوز درايف (Horatio's Drive)، وهو فيلم يدور حول أول رحلة بالسيارة من أقصى الولايات المتحدة إلى أقصاها. وقد عكفنا خلال السنوات الست الماضية على وضع فيلم عن تاريخ المنتزهات القومية لأننا نعتقد أن صيانة الأميركيين لهذه الأرض هو قصة أميركا ذاتها.
دنكن: نظام المنتزهات القومية ابتكار أميركي، مثله مثل ابتكار البايسبول والجاز. فعندما تمّ تصنيف منتزه يلوستون القومي عام 1872 منطقة قومية يحافظ عليها دون المساس بها كان ذلك أول مرة في التاريخ البشري تقرر فيها حكومة فدرالية وجوب إنقاذ مساحة كبيرة من الأرض، لا مجرد منتزه في مدينة أو حدائق عامة فيها، من أي تشويه والمحافظة عليها للأجيال القادمة. إنها فكرة أميركية وابتكار أميركي. ويحاول فيلمنا متابعة هذه القصة منذ البداية. وفكرة المنتزهات القومية، مثلها في ذلك مثل فكرة الحرية، أصبحت أحد أعظم صادرات الولايات المتحدة. ولا أريد أن أبدو مُغالياً في وطنيتي، ولكنني شديد الفخر بذلك.
سؤال: أُطلقت على نظام المنتزهات صفة "أفضل فكرة أميركية" لأنه يُمثِّل أول مرة تتخذ فيها دولة ما قراراً بصيانة الأرض بهذه الطريقة، لمتعة الناس من ناحية، ولأهمية ذلك بحد ذاته من ناحية ثانية. فهل تعتقدان أن هذا النظام من الصادرات الأميركية الهامة؟
بيرنز: بالتأكيد. إننا نعتقد أن فكرة الحرية، التحام هذا البلد واندماج أجزائه معاً هو أفضل فكرة. ولكن، إذا أردتِ تحديد أفضل فكرة بعد تكون البلد، فيمكنك اختيار فكرة المنتزهات القومية ببال مرتاح. ويشكل وجود حوالي 4 آلاف منتزه قومي الآن في حوالي 200 دولة مؤشراً على مدى النجاح الباهر لهذه الفكرة. وأثناء جلوسنا هنا والتحدث معاً، نملك نحن، كمواطنين أميركيين، أكثر سلاسل الجبال روعة في العالم، وأعظم وادٍ ضيق سحيق الانحدار في العالم، وأضخم وأطول وأقدم أشجار في العالم، كل هذا يُمثّل ثروة عظيمة نملكها كمواطنين.
دنكن: إن عدم تحول هذه الأماكن الفريدة إلى ممتلكات خاصة للأثرياء جداً أو لأصحاب الألقاب والنبلاء، تعبير عن الديمقراطية. فهذه الأماكن، أروع مناطقنا الطبيعية، ملك للجميع. وكل فرد منا مسؤول عنها، وهي متوفرة لاستعمال كل فرد منا. وهذا تعريف للديمقراطية لدى تطبيقها على المناظر الطبيعية، على أطول الأشجار وأروع شلالات المياه وأعظم وادٍ ضيق سحيق الانحدار. والدولة التي استطاعت أن تحقق ذلك هي دولة ولدت على أساس فكرة الديمقراطية.
بيرنز: لم يكن حدوث ذلك ممكناً بدون ذلك الدافع الديمقراطي.
دنكن: هذا هو ما يحتفي به فيلمنا.
سؤال: تكشف المنتزهات والنُصُب التذكارية ومواقع نظام المنتزهات القومية قصصاً عن الديمقراطية والطبيعة وعصر ما قبل التاريخ، بالإضافة إلى لحظات التألق والمجد التي تبعث على الاعتزاز واللحظات المخزية التي تشعر المرء بالخجل في التاريخ الأميركي. فأي قصة من هذه القصص الكثيرة هي التي تنويان روايتها في الفيلم؟
بيرنز: نُركّز اهتمامنا بصورة أولية على كيفية خلق هذه المنتزهات الطبيعية، التي يبلغ عددها الآن 58 منتزهاً، ونتبع سرداً مُعقداً جداً، ومثيراًً إلى حدٍ ما، للقصة التي تشرح كيف خرجت هذه المنتزهات إلى الوجود. والقصة هي، أكثر من أي شيء آخر، قصة تدور حول أشخاص: أشخاص من كل شريحة اجتماعية وفئة ثقافية يمكن تخيلها، أَجبروا حكومتهم نوعاً ما على الاهتمام بمكان معيّن رغبوا في صيانته، وكثيراً ما كرسوا حياتهم بكاملها من أجل تحقيق ذلك.
دنكن: إذا قلبتِ صخرة في أي منتزه قومي فإنها ستكشف لك تحتها عن الديمقراطية قيد العمل. وخلف كل منتزه توجد قصة، قصة للديمقراطية في أحسن أشكالها: قصة أناس ينظمون صفوفهم ويقولون، "أنقذوا هذا المكان"، وكثيراً ما يتمكنون من إقناع الكونغرس الذي يكون، في أحسن الأحوال، غير مبال بالموضوع، بإنقاذ المكان وحمايته. إنها فكرة ديمقراطية بحتة، ولكنها تدور دوماً حول أفراد أميركيين أو مجموعات صغيرة من الأميركيين، الذين يستعملون عتلة الديمقراطية لتحقيق شيء تستفيد منه الأجيال القادمة كلها. وقد يبتسم توماس جيفرسون (الرئيس الأميركي الثالث وواضع إعلان الاستقلال) لو قدر له سماع تعريفي لمفهوم الديمقراطية هذا.
بيرنز: نتابع في الفيلم مسيرة الأشخاص المعروفين أمثال جون ميوير(1)، وتيدي روزفلت (2)، ولكننا سوف نعرّفكم على عشرات غيرهم من الناس المدهشين فعلاً المُنتمين إلى كل نوع من الشرائح الاجتماعية والاثنيات والأعراق والأجناس وبلاد المنشأ. ويسرد هذا الفيلم قصصاً حول كيفية تكريس هؤلاء الناس حياتهم لإنجاز هذا العمل وكيفية تقاطع جهودهم مع الفكرة الأوسع التي كنا نتكلم حولها للتو.
دنكن: لم يتبنَ نظام المنتزهات صيانة المواقع التاريخية إلاّ في الثلاثينات من القرن الماضي عندما تولت وكالة المنتزهات القومية، التي كانت وكالة فتية نوعاً ما، مسؤولية صيانة المواقع، كما أظهرنا خلال سردنا الكرونولوجي والتاريخي الذي يتابع ولادة وتطور هذه الفكرة، بدءاً من ساحات المعارك والنُصب التذكاري للرئيس لنكولن مروراً بالمرج القومي في واشنطن العاصمة وحتى تمثال الحرية. وقد أصبحت المنتزهات، بعد ضم هذه المواقع التاريخية إليها، تجسد ماهية أميركا ذاتها. فقد ضمت المنتزهات في أحضان ترابها فكرة أميركا نفسها.
ونحن نُؤكد على هذه النقطة في الفيلم، كما نفعل في موقع معركة واشيتا التاريخي القومي، حيث حدثت المجزرة التي راح ضحيتها الهنود الحمر من قبيلة الشايان، وفي الموقع التاريخي القومي حيث تم احتجاز الأميركيين من أصل ياباني في مانزانار، وفي المدرسة الثانوية المركزية في ليتل روك (3)، حتى أوكلاهوما سيتي (4)، وشانكسفيل (5). والفكرة هنا هي أن الالتزام القومي بالمحافظة على المواقع للأجيال القادمة يتضمن تبني المحافظة في نهاية المطاف أيضاً على تلك المواقع التي وقعت فيها أحداث مؤسفة كي لا تتكرر المآسي مرة أخرى.
بيرنز: تُمثِّل الطبقات الزمنية أحد الأشياء الهامة فعلاً بالنسبة لفيلمنا، وتجربة المنتزهات القومية هي هذا الغطاء الزمني. فنحن نُفكر بالمنتزهات القومية على أنها نماذج رائعة تمثل الزمن، سواء كان الزمن على شكل هذه الأحداث التاريخية الحديثة أو على شكل أحداث جيولوجية عظيمة كحفر وادي الغراند كانيون. ولكن كما يُشير الكثيرون في الفيلم، لا يدور الأمر فقط حول مجرد المرور بتجربة الذهاب إلى هذه الأماكن والتعرف عليها وإنما يتعدى ذلك إلى الأشخاص الذين يقوم المرء معهم بتلك التجربة. فكثيراً ما تتأثر زيارتك لأي منتزه بواقع كون والدك ووالدتك اصطحباك لزيارته، ولذلك فإنها تصبح إلى حد كبير جزءاً من نفسيتك الشخصية. ثم تقومين أنت بعد ذلك بدورك بأخذ أولادك إلى المنتزه فتسلمينهم بذلك ما أسماه المؤرخ ويليام كرونون "النقل الحميم"، من جيل إلى آخر، لحب المكان الذي تجسده المنتزهات القومية.
وتماماً كما تُثير مشاعر المرء زيارة الكاتدرائيات في أوروبا عندما يتأمل بأن الناس قضوا ثلاثة قرون في بنائها بأيديهم وكرسوا أنفسهم لذلك العمل، تدفعه المنتزهات القومية إلى الشعور بجميع الأفراد الذين أضافوا طبقات تكاد لا تلاحظ إلى قصة هذه المنتزهات. وهي قصة عظيمة.
سؤال: ما هو الموقع الذي أثر فيكما أكثر من غيره من بين المواقع التي قمتما بزيارتها خلال أشهر تصوير الفيلم.
بيرنز: لقد حالفنا الحظ كثيراً، كصديقين وزميلين، في جمع تجارب فريدة لا تصدق من هذا العدد الكبير من الأماكن. وأذكر أنني انحدرت إلى أسفل الغراند كانيون بصحبة ابنتي البكر ثم تسلقنا الوادي، وأذكر الابتهاج الذي غمرنا عند وصولنا إلى القمة. أتذكر أنني وصلت إلى وسط منتزه دينالي (موقع أعلى جبل في أميركا الشمالية) في ألاسكا، بعد قيادة السيارة لمدة أربع ساعات من انكوريج إلى المدخل، ومن ثم اجتياز مسافة 90 ميلاً آخر (حوالي 145 كلم) فوق طريق مُعظمه ترابي إلى الداخل غير النافذ. ركّبنا آلات التصوير لالتقاط صورة للقمة المُغطاة بالغيوم، على مدى ثلاث ساعات تقريباً، في حين تُحيط بنا الحشرات ولا يتوفر لنا من الطعام سوى سندويشات، وفجأة كشف موقع جبل دينالي لنا عن نفسه. كان دايتون برفقة ابنه وكان معنا مصورنا الذي ما زال يعمل معنا منذ فترة طويلة. بالنسبة لي، كان ذلك إحدى العجائب العظيمة.
دنكن: الشيء الرائع في هذا المشروع هو أنه جعل وظيفتنا الذهاب إلى أروع الأماكن الموجودة في بلادنا. تطلب ذلك منا أن نكون موجودين في هذه الأماكن قبل 45 دقيقة من شروق الشمس من أجل مشاهدة فترة الانتقال من الليل إلى النهار. وهذه اللحظات لحظات فاتنة ساحرة الجمال في الطبيعة. وينصب اهتمامنا على التقاط صورة عظيمة، ولذا نمضي وقتاً ليس بقليل دون أن نفعل شيئاً سوى انتظار شروق الشمس بصمت. ويكون كل شيء جاهزاً للعمل عندما يظهر هذا الضوء السحري الذي لا يُمكنك مضاهاته.
وتلتقط الرحلات بصحبة عائلاتنا تلك اللحظة السحرية، المادية والروحية، وتعززها لأن المرء يقف هناك مع ابنه أو زوجته وأطفاله. ومن الصعب مضاهاة قيامي بنزهة طويلة سيراً على الأقدام مع ابني في الغراند كانيون في يوم عيد الأب. لقد كان اجتياز حقل من الحمم البركانية قبل الفجر في هاواي مع ابني، ومشاهدة شروق الشمس أثناء تساقط شلال من الحمم البركانية في المحيط ليخلق أرضا جديدة، أمراً لن أنساه أبداً وآمل ألا ينساه هو أيضاً أبدا.
ملاحظات:
1- يعتبر جون ميوير (John Muir) (1838 – 1914) من أبرز الأميركيين العاملين على المحافظة على المواقع الطبيعية في عصره. وقد دعا إلى صيانة وادي يوسميتي في كاليفورنيا، وأسس نادي سييرا الذي لا يزال يعمل حتى اليوم كمجموعة بارزة لمُناصرة البيئة.
2- شغل ثيودور روزفلت منصب رئيس الولايات المتحدة من عام 1901 حتى 1909، وهي الفترة التي وسّعت الحكومة الفدرالية خلالها إلى حد لا يستهان به تصنيفها للغابات القومية والنُصُب التذكارية كمعالم قومية، مع أن مدة رئاسته سبقت إنشاء وكالة المنتزهات القومية في العام 1916.
3- تشكل المدرسة الثانوية المركزية في ليتل روك، آركنصو، معلماً في تاريخ الكفاح في سبيل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة وقد أصبحت الآن موقعاً تاريخياً قومياً. وقد احتجت مجموعة من الغوغاء ذات النوايا العدوانية على قبول تسجيل تسعة طلاب سود في تلك المدرسة عام 1957. فأمر الرئيس دوايت آيزنهاور القوات المسلحة بالتوجه إلى ليتل روك وحماية الطلاب معبراً بذلك عن تصميم الحكومة الفدرالية على تطبيق حكم أصدرته المحكمة العليا الأميركية ينص على إلغاء الفصل العنصري في المدارس.
4- يكرم نصب مدينة أوكلاهوما القومي التذكاري الضحايا ورجال الإنقاذ الذين قضوا حتفهم في هجوم إرهابي حصل عام 1995 على مبنى فدرالي في عاصمة الولاية تلك. وقد تسبب تفجير المبنى المُسمّى الفرد بي موراه، في مقتل 168 شخصاً وجرح ما يزيد عن 800 في أخطر هجوم إرهابي على أرض الولايات المتحدة قبل 11 أيلول/سبتمبر 2001.
5- شانكسفيل، بولاية بنسلفانيا، هي موقع النُصُب التذكاري القومي للرحلة 93 الذي تجري إقامته في الوقت الحاضر، للتذكير بتحطم طائرة ركاب هناك في 11 أيلول/سبتمبر 2001. وقد ضحى ركاب هذه الطائرة بحياتهم للتغلب على خاطفي الطائرة الذين كانوا يسيطرون عليها، وأحبطوا هجوما كان قد أُعدّ ضد واشنطن العاصمة، من خلال إسقاط الطائرة في منطقة ريفية قرب شانكسفيل، مما أدى إلى مقتل جميع الأشخاص الـ 44 الذين كانوا على متنها.
الآراء المعبر عنها في هذه المقابلة لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.