03 حزيران/يونيو 2008
بقلم ألفارو أوغالدي
قصد طالب شاب من كوستاريكا يدرس علم الأحياء الولايات المتحدة في العام 1969 لتكوين فكرة مُعمقة عن نظام المنتزهات القومية. وفي العام 1970 أصبح ثاني موظف في نظام المنتزهات الجديد الذي كان يتم إنشاؤه آنذاك في وطنه. يقول ألفارو أوغالدي، إذ يستعيد في ذاكرته أحداث الأربعين عاماً التي أمضاها في تطوير المنتزهات إنه يمكن تقسيم تاريخ كوستاريكا إلى حقبتين منفصلتين: حقبة ما قبل التزام الشعب المحافظة على التنوع البيولوجي الفريد في البلاد لفائدة الأجيال القادمة والحقبة التي تلت الالتزام بذلك.
يعتبر ألفارو أوغالدي من مؤسسي نظام المنتزهات في كوستاريكا، إذ شغل منصب مدير قومي له مرتين وعمل كشخصية قيادية في منظمات أخرى مهمة للمحافظة على الطبيعة. وفي العام 1999 أطلقت عليه مجلة تايم لقب "قائد في مجال البيئة" للقرن العشرين.
لقد شاهدت نظام المنتزهات القومية الأميركية عن كثب لعدة أشهر عام 1969، بعد أن دُعيت للمشاركة في المنتدى الدولي حول المنتزهات القومية والمحميات المُماثلة. وكان هذا المنتدى بمثابة برنامج سمح لي ولحوالي 25 شخصاً آخر جرى انتقاؤهم من حول العالم للسفر بزيارة عدة منتزهات في الولايات المتحدة. وقد قابلنا حرّاس المنتزهات وعلماء الأحياء وأصحاب الامتيازات، مختلف الناس الذين يعملون في نظام المنتزهات الأميركي.
ولم أكن قد خططت للانضمام إلى قطاع المنتزهات كمهنة حياتي، إذ إنه لم يكن هناك في كوستاريكا أي شيء اسمه وكالة منتزهات عامة، ولكنني عندما عدت إلى الوطن كان الكونغرس في كوستاريكا قد أصدر قانوناً ينص على إنشاء نظام للمنتزهات. لذلك تطوعت للعمل لمدة ستة أشهر خلال الأيام الأولى لتأسيس هذا النظام، ثم عُيّنت في العام 1970، كثاني موظف في وكالة المنتزهات.
وكان زميلي، ماريو بوزا، أول موظف في وكالة المنتزهات في بلادنا، قد شارك هو أيضاً في هذه الرحلة الدراسية التي رعتها وكالة المنتزهات القومية الأميركية. وقد زودتنا هذه الرحلة برؤية لنظام الإدارة وتشغيل المنتزهات وكيفية استقبال الزائرين والمحافظة على الأرض والطبيعة. ورأيي هو أن النظام الأميركي كان النافذة التي استطعنا عبرها مشاهدة الصورة الأكبر.
وكنا نعرف، لكوننا عالميّ أحياء، أن حماية التنوع البيولوجي في بلادنا يجب أن يكون الهدف الرئيسي لمنتزهاتنا. ففي حين أن بلدنا صغير، تبلغ مساحته ثلث الواحد بالمئة من الكتلة الأرضية للعالم فقط إلا أنه موطن 5 بالمئة من جميع الأنواع الحياتية على وجه البسيطة. ولم يكن الناس قد بدأوا حتى باستخدام كلمة تنوع بيولوجي في ذلك الوقت، ولكن الأشكال العديدة للحياة الاستوائية في بلادنا كانت موضع دراسة طوال عقود. وكان أساتذتي في جامعة كوستاريكا أشخاصاً متنورين، وأعطونا إحساساً بالنظام الإيكولوجي ونظرية التطور والارتقاء. لكننا في نفس الوقت كنا نرى أن بلادنا تتطور عمرانياً بسرعة فائقة جدا.
الحفاظ على كوستاريكا
كان ذلك إذن هو ما استلهمناه عندما باشرنا بإقناع شعب كوستاريكا بما ينبغي عمله لإنشاء هذه المنتزهات والمحافظة على ما هو فريد في بلادنا. كنا نقول للمواطنين بأن علينا أن نبقي كوستاريكا كما هي، وأن بلداً عارياً بدون غابات وحياة برية لا يمكن أن يكون كوستاريكا. وكان إنشاء منتزهات ومحميات طبيعية هو المهمة التي يتعين علينا القيام بها لترك شيء للمستقبل، للأبناء، كي يعرفوا ماهية البلد فعلاً. ولم يكن من الصعب جداً نشر هذه الرسالة في جميع أنحاء البلد. وأمّا السياحة التي قد تتولد كفائدة لاحقة من هذا الجهد، فلم تكن سوى سبب ثانوي في ذلك الوقت.
ويمكن تقسيم تاريخ كوستاريكا إلى حقبة ما قبل إنشاء المنتزهات وحقبة ما بعد إنشائها. فقد تبدّلت البلاد بالكامل خلال سنوات قليلة من بدء إنشاء المنتزهات. وليس هناك، في الوقت الحاضر، أي مواطن واحد من كوستاريكا يجهل ما ينص عليه نظام المحافظة على الطبيعة، ولا يعرف الأمور المتعلقة بالثروة الطبيعية للبلاد، وليس هناك سوى عدد قليل جداً من مواطني كوستاريكا ممن لا يستفيدون من جهود المحافظة على الطبيعة. لقد بدّلنا مسار بلادنا وغيّرنا اقتصاد بلادنا عبر إنشاء المنتزهات والمحميات الطبيعية. فقد أصبح لدينا نموذج جديد للتنمية، دولة جديدة تختلف عن الدولة التي كانت لدينا قبل 40 عاماً.
لم يكن في البلاد، قبل عام 1970، أي مناطق طبيعية محمية، وكانت معظم الأماكن الطبيعية تتعرض لضغوط من صناعات التعدين وصيد الطيور وقطع الأشجار، وعلى وجه الخصوص في أماكن مثل شبه جزيرة أوسا (Osa Peninsula)، أجمل مكان في الكون! هكذا أسميها لأنها جميلة بصورة لا تصدق ومتنوعة بيولوجياً إلى درجة كبيرة جدا. وقد لفتنا انتباه العالم منذ بدأنا محاولة حماية أوسا. وهكذا، فإن الناس يأتون لمجرد مشاهدة أوسا، ولا يرتبط اقتصادها بأي شكل من الأشكال بالتعدين أو بقطع الأشجار للمتاجرة بخشبها. إنه اقتصاد يقوم بالكامل على الطبيعة.
وما زال لدينا اليوم مشاكل بينما يواصل نظامنا هذا في كوستاريكا النضوج. ففي داخل المنتزهات، هناك مشكلة صيد الطيور، وهناك أحياناً مشكلة الحرائق الطبيعية. ولكن المشكلة الأكبر تقع خارج المنتزهات. فعندما تحصل تنمية وتطور عمراني غير مخطط أو منظم في قرية مجاورة، نرى تأثير الافتقار إلى الحكم الرشيد وضعف التوجيه والتنظيم وسوء التنسيق بين الوزارات والوكالات العامة الأخرى. ويؤدي كل ذلك إلى وضع سيء يتصف بوجود أعداد كبيرة من الأبنية وتلوث المياه وانعدام معالجة مياه شبكات الصرف الصحي. وتحدث هذه الأمور في أماكن قريبة جداً من بعض المنتزهات، وهي بالتالي واحدة من المشاكل الرئيسية التي نواجهها الآن، مُضافاً إليها التأثيرات السلبية للتغير المناخي التي تلوح في الأفق.
إنقاذ الكرة الأرضية
لم نكن نعرف في العصور الماضية أن الكرة الأرضية في خطر. أمّا الآن فلم نعد جاهلين. لقد أدى السلوك الجماعي للبشرية إلى نشوء مصدر مشترك لأخطار تُهدد الكرة الأرضية: ارتفاع درجة حرارة العالم، وحالة المحيط الجوي المتردية، والأنواع الحياتية الآخذة في الانقراض، وغطاء القطبين الثلجي الآخذ في الذوبان، من بين مؤشرات أخرى.
لقد أصبحت الفيضانات أكثر حدوثاً في بلدي، وأصبحت فترات المناخ الجاف أكثر طولا. وبدأت التغيرات في الطقس تفتح مناطق أكثر جفافاً، ولذلك بدأت بعض الأنواع التي تستوطن أنظمة الأراضي المنخفضة الإيكولوجية بالانتقال تدريجاً إلى الجبال. فطائر الطوقان (طير ضخم المنقار) أصبح يعيش الآن في أماكن لم يكن يتواجد فيها من قبل، وكذلك الأمر بالنسبة للنمل. وتشاهد مثل هذه التغيرات في كل الخيوط المترابطة في شبكة الحياة. وفي حين نحاول نحن صيانة التنوع البيولوجي في منتزهاتنا يصيب التأثير جميع أنحاء البلد. ورغم أننا قمنا بالكثير في كوستا ريكا لإنشاء مناطق محمية مستثناة من التطور العمراني، إلا أن المحميات البيئية ما زالت كالجزر المنعزلة التي يحيط بها بحر واسع من المشاكل البيئية.
ولم يعد بإمكاننا تأجيل اهتمامنا بهذه التهديدات الموجهة إلى كوكبنا، ولا يمكننا تحمل نتائج ذلك. إن تأجيل اتخاذ الإجراءات لمعالجة أمر ارتفاع درجة حرارة العالم سيعني أننا لا نهتم بنوع الكوكب الذي سنتركه لأولادنا ولا بنوع الأوضاع الحياتية التي سنخلفها لهم. ولكنني كشخص متفائل، أعتقد بقوة أننا إذا فعلنا جميعاً شيئاً ما، كأفراد وعائلات ومجتمعات أهلية وحكومات، وبدأنا العمل الآن، فإن كوكبنا سوف يستجيب لعنايتنا به وسوف يتغلب على المشاكل.
مؤسسة أوكسجين للحياة من الغابات المطرية (O2 for Life Rainforest Foundation) قدمت بعض المعلومات المذكورة في هذا المقال. وتكرس هذه المؤسسة جهودها للمحافظة على وحماية 500 أكر (أكثر من 200 هكتار) من الأراضي في منطقة أوسا.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة الأميركية.