التنوع | توفير حيز لنمو الجميع

03 حزيران/يونيو 2008

حرّاس الأميركيين القدماء

 

بقلم شارلين بورتر

تعمل وكالة المنتزهات القومية على المحافظة على النُصب التذكارية عريقة القدم وتعريف الزوار عليها وتبادل المعلومات المتعلقة بهذه النشاطات مع الدول الأخرى.

شارلين بورتر هي المحررة الإدارية لهذا العدد من مجلة إي جورنال يو إس أي.

تشكل المناظر الطبيعية الرائعة السمة المميزة لمنتزهات الولايات المتحدة القومية، لكن هناك الآلاف من المواقع التي تعود إلى ما قبل التاريخ وتُشكِّل هي أيضاً جزءاً من هذا النظام الذي تبلغ مساحته حوالي 34 مليون هكتار، وهي مواقع تذكرنا بالحياة التي عاشها أولئك الناس الذين أقاموا في هذه الأرض قبل زمن طويل من قدوم المستوطنين الأوروبيين وإعلانهم اكتشاف عالم جديد وتأسيس دولة لهم فيه.

وتقدر وكالة المنتزهات القومية أهمية المنتجات التي صنعتها يد السكان القدماء  والأعمال الهندسية المعمارية القديمة التي شيدها أسلاف القبائل الأميركية الأصلية والتي لا زالت موجودة اليوم، بنفس القدر الذي تقدر فيه مشاهد الأراضي الشاسعة التي خلقتها الطبيعة والمواقع التاريخية التي استنبط فيها الآباء المؤسسون لأميركا  الخطط الناجعة لتحويل المستعمرات إلى دولة.

وقد سن الكونغرس الأميركي عام 1906 قانوناً ينص على السياسية القومية للمحافظة على المواقع الأثرية للمستقبل، والواقع هو أن ذلك القانون المسمى قانون الآثار القديمة يسبق قانون عام 1916 الذي دمج إدارة المنتزهات والنُصب التذكارية ومواقع أخرى ووضعها تحت إشراف وكالة المنتزهات القومية (NPS). ويقول فرانسيس  ماكمانامون، رئيس علماء الآثار لدى وكالة المنتزهات القومية، إن قانون الآثار القديمة حول إلى قانون الفكرة القائلة "بوجوب حماية هذه الثروة الأثرية والمواقع التاريخية، وعدم استغلالها لتحقيق أرباح مادية، أو لإرضاء نزوة شخصية، أو لأنه يتعين بناء شيء آخر في موقعها." 

وكان الدافع لإقرار هذا القانون قد بدأ يتعاظم خلال العقدين السابقين لإصداره عندما بدأ المستوطنون بالانتقال إلى الجنوب الغربي للولايات المتحدة. وكانت هناك أبنية من الطين وقرى بناها الهنود الأميركيون قبل مئات من السنين مبعثرة هنا وهناك في تلك المنطقة. وقد اعتبر البعض هذه المنشآت مصنوعات حرفية عظيمة من إنتاج الحضارات السابقة، في حين نظر إليها آخرون على أنها مقلع آجر يمكنهم استخراج مواد صالحة للاستعمال أو البيع منه.

وكانت ذكريات الحروب الهندية بين المهاجرين الأوائل أو الحكومة الفدرالية من جهة وبين شعوب أميركا الشمالية الأصلية من الجهة الأخرى، ما زالت ماثلة بقوة في الأذهان في أوائل القرن العشرين، وعانى الهنود الأميركيون بصورة روتينية من التمييز العنصري. وقد وصف فرانسيس ماكمانون، في مقابلة مع المجلة الإلكترونية إي جورنال يو اس أي، تزامن هذه الوقائع مع عملية إقرار قانون الآثار بأنه أمر "ملفت للغاية".

وقال ماكمانون إنه " في نفس الوقت الذي كانت تبذل فيه الجهود لصيانة هذه النصب التذكارية وما تبقى منها من آثار، كان يجري، بشكل منتظم، تجريد أحفاد الذين شيدوها مما تبقى لهم من تلك الثقافة." فقد كانت السياسات الحكومية الخاصة بنقل المجموعات القبلية من أراضيها التقليدية وتطهير ما يعلَّم للأحداث من أي تراث هندي أميركي سياسات مألوفة في تلك الفترة

الآثار القديمة في المنتزهات

سجلت وكالة المنتزهات القومية حتى اليوم حوالي 70 ألف موقع أثري في مناطق  النُصب والمنتزهات التي تُديرها. ويُقدِّر ماكمانون أنه يوجد العشرات، بل المئات وربما الآلاف من المواقع غير الظاهرة للعيان التي تنتظر استكشافها. وتشكل صيانة مواقع يعود تاريخها إلى مئات أو آلاف السنين عملاً صعباً بحد ذاته، ولكن صعوبة العمل مضاعفة بالنسبة لوكالة المنتزهات القومية إذ يتعين عليها أن تظل أمينة لمهمتها بالسماح للناس بمشاهدة وفهم وتقدير قيمة هذه المواقع.

وفيما يتعلق بسكان الجرف ومباني البويبلو الطينية، قال ماكمانون: "علينا أن ندعم بعض الجدران المبنية بالحجارة أو بالطوب المصنوع من الطين كي لا يتضرر النسيج الأصلي للبناء" أثناء تجول الزوار في المواقع. ولتحقيق ذلك، يتعين على المهتمين بصيانة الآثار تطوير ملاط أساسه الطين يُماثل المواد التي استعملها البناءون في عملية التشييد الأصلية مع إضافة جص لطلاء أسطح الجدران من أجل حماية بقايا طين البناء الأصلي.

ويشارك في مواجهة هذا التحدي خبراء ترميم الهندسة المعمارية العاملين على صيانة النُصب التذكارية والأبنية والتماثيل الموجودة في أماكن كثيرة. وقد اكتسب ماكمانون،   وزميلاه عالما الآثار العاملين لدى وكالة المنتزهات القومية، تيري تشايلدز، وباربرة ليتل، تفهماً متبصراً جديداً في عام 2007حول المشاكل التي يتشاطرونها مع غيرهم من أصحاب هذه المهنة، عندما زارت مجموعة من المشرفين على النُصب التذكارية الأفغانية الولايات المتحدة للاطلاع على الأساليب التي تتبعها وكالة المنتزهات القومية في إدارة المنتزهات والمواقع الأثرية والتاريخية.

وقد استخدم القدماء في صنع الآثار الأفغانية والنصب التذكارية الأفغانية الحجر الرملي والجرانيت والطين، وهي نفس المواد التي استخدمت لصنع الكثير من الآثار والكنوز التاريخية في الولايات المتحدة. وقال ماكمانون إن المسؤولين عن الآثار الأفغانية كانوا تواقين إلى مناقشة تقنيات العلوم المادية المرتبطة باختيار المادة المناسبة لاستعمالها في تثبيت الآثار. 

كما يأمل رئيس علماء الآثار في وكالة المنتزهات القومية أيضاً بأن يساعد تبادل هذه المعلومات مع المسؤولين عن الآثار في أفغانستان في تجنب بعض الأخطاء التي تم ارتكابها في الولايات المتحدة على مر السنين. وقال: "إننا نستبعد الملاط غير الملائم الذي كان يستعمل في المشاريع المبكرة لترسيخ المباني خلال أوائل القرن العشرين. ونقوم باستبدال هذا الملاط بأنواع أخرى ذات أساس طيني أكثر نعومة وتساعد في صيانة الطوب الطيني والحجارة الأصلية المستخدمة في مباني الهنود الأميركيين. وفي هذا المجال، كان زملاؤنا من أفغانستان على نفس المستوى من المعرفة والاهتمام الذي يتحلى به بعض أعضاء فريقنا الميداني."

تثقيف المجتمع الأهلي

قام الأفغانيون بزيارة مواقع في واشنطن وقضوا ثمانية أسابيع لدى وحدات من وكالة المنتزهات القومية في الجنوب الغربي يتابعون خلالها برنامج تدريب رعاه المركز الثقافي للتراث في وزارة الخارجية الأميركية. وقدم برنامج عام 2007، ضمن الجهد الرامي إلى دعم صيانة التراث الثقافي في أفغانستان، نصائح ومشورة إلى الزوار حول العلاقات مع المجموعات السكانية المحلية المقيمة قرب الآثار والتثقيف الشعبي.

وقد تعلم المسؤولون في وكالة إدارة المنتزهات القومية عبر السنين، مع وجود حوالي 400 منتزه قومي ونُصب تذكاري ومواقع في مجتمعات محلية متباينة جداً عبر الولايات المتحدة، أن بناء علاقات وثيقة وتعاونية بين موظفي المنتزه والمجتمع الأهلي يمثل أحد المكونات الهامة لإدارة الموقع.

ويمثل التعليم عنصراً آخراً في هذه العلاقة، كما أن السياسية المعتادة التي يعتمدها موظفو المنتزه هي العمل بشكل وثيق مع مجتمعاتهم لجلب أولاد المدارس وغيرهم من المجموعات الأهلية المعنية بالأمر إلى مرافق المنتزهات لزيارتها. وقال ماكمانون إن ذلك كان "نوعاً من الاكتشاف الجديد" بالنسبة للزوار الأفغان.

وأضاف أنه "بينما كانوا يزورون ساحات توماكاكوري (Tumacacori) (موقع لبعثة أسبانية في أريزونا تأسس في أواخر القرن السابع عشر)، أُعجبوا للغاية عندما شاهدوا مجموعات من طلاب المدارس يقومون برحلات ميدانية إيضاحية يجتازون خلالها الساحات بقيادة أحد المرشدين". وقد عبّر زائر أفغاني عن أمله في اعتماد برامج تعليمية مماثلة في وادي باميان (Bamiyan Valley). فرغم أن الطالبان دمروا تمثالين ضخمين لبوذا هناك في عام 2001 يبقى وادي باميان موقعاً ثقافياً معترفاً به دولياً ويحتوي على أدلة ما زالت موجودة هناك تؤكد دوره كمَعلم على طريق الحرير في شمال أفغانستان.

وأوضح ماكمانون أن المواقع التاريخية، من أفغانستان إلى أريزونا، تُشكِّل أداة حاسمة الأهمية في إيجاد الفهم والتفهم لأنماط الحياة والثقافات الماضية لدى كل جيل متعاقب. وخلص إلى أنه عندما تتوفر لجيل الشباب فرصة التعرف شخصياً على تلك الكنوز من خلال زيارة هذه المواقع والأبنية والمنتجات اليدوية والتعرّف مباشرة على الحياة والأحداث الماضية فإن الشباب "سيكتسبون فهماً وتقديراً أغنى بكثير" للماضي.  

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي