17 حزيران/يونيو 2008
غاري بول نبهان
على بعد آلاف الأميال من منشأها، وجدت المفردات العربية المتعلقة بالخيل والفرسان وعدّة الخيل التي تجمع بين الطرفين، موطناً جديداً لها في الصحراء في المنطقة الجنوبية الغربية من الولايات المتحدة. وكانت هذه المفردات والمصطلحات قد انتقلت من العربية إلى الإسبانية، ومن ثم إلى الإنجليزية الأميركية، عندما تلاقت التقاليد الإسبانية مع التقاليد "الأنغلو سكسونية" هناك.
ففي أوائل القرن الثامن الميلادي، فتح جيش المسلمين المؤلف من العرب والبربر من سكان شمال إفريقيا قسماً كبيراً من شبه جزيرة أيبيريا. وأسس في القسم الجنوبي منها، في المنطقة التي دعاها العرب الأندلس، أمير سوريّ من بني أمية الذين أطاح بهم العباسيون، مملكة ذات حضارة مزدهرة حوالي سنة 750 ميلادية. وفي العام 1492 وقع حدثان مهمان جداً هما: اكتشاف العالم الجديد، وهو اكتشاف فتح نصف كرة جديداً بأكمله أمام الاستعمار الإسباني والبرتغالي، وطرد المسلمين واليهود نهائياً من إسبانيا، التي تركوا فيها أثراً ثقافياً عميقاً ودائما.
وعندما قام الإسبان، بمن فيهم اللاجئون العرب والبربر، باستعمار العالم الجديد، أخذوا معهم خيولهم، وأصبحت الكلمات ذات الأصل العربي التي جلبوها معهم لسياسة هذه الخيل وإدارتها متأصلة الآن في "لغة رعاة البقر،" (الكاوبوي)، أي اللغة العامية المحكية الخليط من الإنجليزية والإسبانية المكسيكية المستعملة في الأراضي الصحراوية الحدودية الواقعة بين الولايات المتحدة والمكسيك.
وقد بدأت أصغي إلى لغة رعاة البقر بعد انتقالي إلى أحد تجمعات المزارع القديمة الكبرى الواقعة في منطقة الحدود الأميركية-المكسيكية في 1975. ونقوم أنا وزوجتي الآن بتربية الخيل والغنم والديوك الرومية، ولنا علاقات مع العاملين من رعاة الأبقار وأصحاب المزارع والأطباء البيطريين الذين يعالجون الحيوانات الكبيرة. وهم جميعاً يستعملون مفردات مشتقة من اللغة العربية كانت قد أُدخلت إلى تلك المنطقة منذ أكثر من أربعة قرون ونصف، مستخدمين تلك الكلمات بصورة عادية تماماً كما يستخدم أولادي مصطلحات لغة الكمبيوتر.
فعلى سبيل المثال، يشيرون إلى الخيّال الماهر جداً بـِ : (one damn fine jinete)، أي "فارس ماهر جداً"، وهي عبارة كانت تشير في يوم من الأيام إلى أسلوب انسيابي رشيق في ركوب الخيل تم تطويره لساحات المعارك في شمال أفريقيا، وبات يشير اليوم إلى الفارس نفسه. وأصل كلمة "Jinete" (خنيتي) من المفردة الإسبانية السونورانية، "Xinette"، التي كانت قد اشتقت بدورها من كلمة الزناتي الأندلسية، وهي كلمة ترجع إلى اسم قبيلة الزناتة التي تقطن اليوم في الجزائر.
ولعل الرعاة السونورانيون، وكذلك الخيالة الذين يعملون معهم، لا يزالون يطلقون على السرج تسمية "albardon" (البردن) وهي كلمة مشتقة من الكلمة الإسبانية "البَردا"، وهي التي تعني الآن سرج التحميل أي سرج نقل الأحمال، وهي كلمة مشتقة بدورها من كلمة "البردعة" العربية. ومن الأمور الأخرى الخيل التي يستعملها رعاة البقر، أو رجال الكاوبوي، ضمن عدّة الخيل، حزام من الجلد يطلقون عليه تسمية "Acion"، وهي كلمة مشتقة من كلمة "السيور" العربية. كما يستعملون سوطاً يعرف باسم "Azote"، (ألزوط) وهي بدورها كلمة مشتقة من كلمة "السوط" العربية. أمّا السيّور ذات الأجراس المجلجلة فيطلقون عليها تسمية "allgulla"، وهي كلمة مشتقة من كلمة "الجلَّة" العربية. ولعلَّ أحب كلمة إلى نفسي من بين المصطلحات المشتقة من اللغة العربية والمستخدمة في عدّة الخيل هي كلمة "hackamore"، المستخدمة كعذار (وهو ما سال من لجام على خدً الفرس)، وقد جاءت هذه الكلمة مباشرة من كلمة "خاكيما" (jaquima) الأندلسية، التي تحمل أصداء الكلمة العربية "سكيمة"، ومعناها شيء ما يوضع على الرأس.
كما أن هناك مفردات عديدة تدل على ألوان الحيوانات، يمكن إرجاعها إلى أصول عربية. وبما أنني شخص مصاب بعمى الألوان، فقد مضى بعض الوقت قبل أن أبدأ حتى بالانتباه إلى مفردات يستعملها رجال الكاوبوي للإشارة إلى ألوان جلد الخيول والماشية، وحتى الخراف. ولكنني كنت قادراً بكل تأكيد، على تمييز حصان "almagre"، وهو الفحل أمغر اللون، وكنت أعرف أن اسمه مشتق من الكلمة العربية" المغرة"، ومعناها "التربة الحمراء".
إلاّ أن التعبير المتعلق باللون الذي حيرني أكثر من غيره، كان استعمال صفة "أليس-آن"
(Alice-Ann) للحصان ذي اللون البني المحمّر من أنفه إلى ذنبه. وقد احتجت إلى بعض الوقت قبل أن أدرك أن هذه المفردة مأخوذة من كلمة "العزان" العربية، وهو نوع من الخشب الأحمر. وقد وصلت إلى الولايات المتحدة عبر المفردة الإسبانية "alazan". وقد قرأت أخيراًً قصيدة فكاهية كان قد كتبها رجل يدعى جاك وفيها تلاعب على المعنى المزدوج لعبارة "أليس-آن" (Alice-Ann)، يقول فيها ما معناه:
"عند الحدود كانت صديقة الكاوبوي المفضلة
تدعى أليس-آن، وليس سال.
والخدعة هنا، بالطبع، هي
أن تلك الصديقة كانت فرساً
وهكذا، فإن أليس قد تكون صديقاً ذكراً."
غاري بول نبهان: هو مؤلف لعشرين كتاباً، من بينها كتاب: " لماذا يحبها البعض حارّة" (Why some people like it hot) (صدر عن دار آيلاند برس في العام 2004). وهو يبحث في التطور المشترك للمجتمعات المحلية وطعامها الأصلي، ومجموعة من المقالات التي ستصدرها مطبعة جامعة أريزونا بعنوان "ما ينساب بين مناطق العالم الجافة: الثقافة والزراعة وأساليب الطهو في الصحارى العربية والأميركية" (What Flows Between Dry Worlds: Culture, Agriculture and Cuisine in Arabian and American Deserts).
ويمكن الاتصال بالمؤلف على العنوان الإلكتروني التالي: gary.nabhan@nau.edu
الآراء المعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.
نشر هذا المقال على الصفحات 36-38 من عدد آذار/مارس 2007 من مجلة أرامكو السعودية "Saudi Aramco World". راجع أرشيف الصور الرقمية لقسم الشؤون العامة للاطلاع على صور آذار/مارس- نيسان/أبريل 2007.