14 ايلول/سبتمبر 2009
بقلم سيمون سرفاتي
كان ما جرى في برلين قبل عشرين عاماً، في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، وما تبعه في موسكو في السنة التالية، أمراً ساحراً. وليست تلك اللحظة ببعيدة جداً عن يومنا هذا بحيث لا يمكننا الاحتفال بها الآن بنفس العاطفة التي عشناها آنذاك. فقد عاش الكثير من الناس لحقبة طويلة من "الكفاح الطويل السابق للغروب" الذي نسميه الحرب الباردة بحيث اعتبروا نهايتها بمثابة أعجوبة، بدلاً من كونها تحقيقاً لرؤيا من صنع الإنسان تجرأت على توقع سقوط إمبراطورية شريرة، وانهيار أيديولوجية تشوبها العيوب القاتلة والتي تبعها النهوض السلمي لأوروبا من حربين انتحاريتين.
لكنها الرؤيا التي هي أكثر ما نتذكره بعد نجاح كل شيء. في وهج هذا النجاح، تُفقد أحياناً عناصر تلك الرؤيا: الصبر في خضم النكسات بين الحين والحين، الحكمة في وجه الاستفزازات الخطيرة، والمثابرة للتغلب على الأعباء المأساوية للتاريخ التي ولّدت أحداث خريف عام 1989. تستحق ان نتذكر التعبيرات العديدة عن تلك الرؤيا، التي تمت معايشتها عبر الزمن، ليس لأنها نجحت بل لعلاقتها الوثيقة بالاضطراب الأمني الجديد الذي أطلق له العنان بصورة هي الأكثر دراماتيكية يوم 11 أيلول/سبتمبر 2001.
الأمر المركزي للرؤيا التي شكلت الحرب الباردة ونتيجتها النهائية كان التفهم الأميركي الواسع انه رغم القوة التي لا يمكن التشكيك بها التي تملكها هذه البلاد، فإن "ما كان يحصل هناك" في السابق قد لاحقنا إلى هنا ليعرّض المصالح والقيم الأميركية للخطر، وهو قادر ان يفعل الشيء نفسه من جديد. صحيح، أنه طوال الحرب الباردة كانت تُسمع دعوات للابتعاد عن مختلف نقاط الشرر للحرب الباردة مع دعوات "للعودة إلى الوطن" التي كثيراً ما كانت ترتبط بتحذيرات عن انحطاط يتعذر تجاوزه وبكوارث وشيكة الحدوث. لكن كان من الممكن غض النظر عن تلك الدعوات، وتحمل الأعباء الثقيلة للالتزامات المتشابكة لان الاميركيين توصلوا إلى اقتناع واسع بأن لا دولة لوحدها، مهما كانت منقطعة النظير، تستطيع البقاء منعزلة لمدة طويلة بدون حلفاء يشاركون قيمها، ومصالحها، وأهدافها، وبذلك يستطيعون المساهمة بقدراتهم، وخبرتهم وتنوعهم في وضع سياسات مشتركة، مكملة لبعضها البعض، أو ينسجم بعضها مع البعض الآخر.
لكن الهدف النهائي للزعامة الأميركية لم يكن فقط كسب الحرب بل وأيضاً دحر الحرب بالذات في قارة أوروبية جعلت من الحرب طريقة حياة لا يمكن لها ان تكون مستديمة. وكانت النتيجة ان أحداث تشرين الثاني/نوفمبر 1989 لم تكن فقط انتصاراً للغرب العابر للأطلسي بقيادة الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي، بل انتصاراً لأوروبا على التاريخ: فحين قامت دول أوروبا بتوديع السلاح عندما وافقت بصورة مدهشة على التكامل التدريجي لسيادتها القومية، تكون قد أعادت صياغة نفسها في مجتمع أكثر تقارباً، الذي أصبح الآن اتحاداً، منحها قدراً أكبر من الديمقراطية، والرخاء، والاستقرار، والسلام من أي وقت مضى.
منذ عشرين سنة خلت، كان هناك بعض الناس يفكرون بأن نهاية الحرب الباردة وإعادة توحيد ألمانيا قد تهددان وحدة أوروبا وتحالفها مع الولايات المتحدة. وكون العكس اثبت صحته، يشهد على عمق الرؤيا التي أتت بأميركا وأوروبا إلى تلك اللحظة السحرية قبل عشرين عاماً، وحفّزت توسيع وتعميق المؤسسات الأوروبية – الأطلسية التي تواصل تحديد علاقاتهما. لا يُمكن إنكار انه خلال الحرب الباردة انحصرت هذه الرؤيا "بنصف العالم" فقط، كما كتب لاحقاً وزير خارجية أميركا دين أشيسون. يُذكرنا هذا الانتصار اليوم بضرورة توسيع تلك الرؤيا، لكي نوفر للآخرين أيضاً الفرصة لتحقيق السلام، والازدهار، والحرية.
]سيمون سرفاتي يشغل كرسي زبيغنيو بريجنسكي للأمن العالمي والسياسة الجغرافية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في العاصمة واشنطن. حمل كتابه الأخير عنوان "مهندسو الأوهام" (دار نشر جامعة بنسلفانيا، 2009).]