14 ايلول/سبتمبر 2009
جيرمي سوري
كان سقوط جدار برلين مؤشراً إلى نهاية حقبة، وهي حقبة دامت 50 سنة من المواجهات المستمرة بين القوى العظمى، والتحالفات العالمية المتصلبة، وسباقات التسلح النووي، والقمع الوحشي للأيديولوجيات المعارضة. شكلت الحرب الباردة فترة أصبحت خلالها الدول المسيطرة في العالم أكثر قوة ومارست تأثيراً على مجتمعات نائية بمدى لم يسبق له مثيل. عزز تفكك الأمبراطوريات الاستعمارية التقليدية في أفريقيا، وآسيا، والشرق الأوسط نفوذ حكومات الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين في تلك المناطق. سيطرت القوى العظمى على المشهد العالمي الذي ساد منذ الأيام النهائية للحرب العالمية الثانية وحتى الساعات المثيرة ليوم 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، عندما تم فتح العالم أمام نوع جديد من السياسات الشعبية.
انهارت السلطة الشيوعية في أوروبا الشرقية ولم يعد مواطنو الاتحاد السوفياتي يؤمنون بالمثل العليا التي كان يعتنقها زعماؤهم. توقف المواطنون أيضاً عن الخوف من تداعيات عمليات القمع التي تقوم بها القوات الحكومية التي كانت غير أكيدة على ما يبدو بما تؤمن به وأية أعمال عنف تستطيع ممارستها بصورة قانونية. حكم الشيوعيون حتى العام 1989 في أوروبا الشرقية وحتى عام 1991 في الاتحاد السوفياتي، ولكنهم كانوا قد خسروا سلطتهم السياسية الحقيقية قبل سنوات من هذين التاريخين.
شهد سقوط جدار برلين على تحول الزخم السياسي من الزعماء الشيوعيين إلى المواطنين المثقفين، المتكلمين بفصاحة والمتمتعين بسلطة جديدة. برز فاتسلاف هافل، وليخ فاونسا، وبوريس يلتسين كأبطال شعبيين. جذبت هذه الشخصيات الدعم من الناس الذين كانوا تواقين لزعماء حقيقيين، تسلقوا سلم السلطة من خلال استقلاليتهم بدلاً من مهنيتهم الانتهازية. استحوذت هذه الشخصيات على مجموعة دولية واسعة من الأنصار من خلال الانتشار العالمي لكلماتهم وصورهم. كانت الحرب الباردة قد بدأت في عهد سيطرت فيه خطابات إذاعية تهديدية يلقيها رجال متقدمون في العمر، ولكنها انتهت بالطاقة الشابة للشخصيات الجذابة البارزة على شاشات التلفزيون.
كانت سياسة التلفزيون الجديدة، والتي لحقتها بفترة قصيرة سياسة الانترنت، مجزأة ولا تنعم بالصبر. فقد جرى تنظيم مجموعات مختلفة من الناس عبر مجمل المجتمعات: سجناء سياسيين سابقين، منشقين دينيين، ونقابين عماليين، وغيرهم لتحدي المقولات الكبرى للمجتمعات الشيوعية السلطوية كما المجتمعات الرأسمالية الليبرالية. وكانت هذه المجموعات تطالب بأن تخدم الدولة مصالحهم المحددة. ورفضت مجموعات من المستهلكين، والمستثمرين، والطلاب، بشكل خاص، أيضاً التضحيات الجماعية المطلوبة واختارت الإشباع الفوري لحاجاتها. طالبت بالسياسة الآنية بدلاً من المطالبة بمستقبل طوباوي. أصبحت الأمور الشخصية هي الموضوع السياسي الآن.
في هذا السياق، أطلق سقوط جدار برلين العنان أمام انتشار أحلام الحصول على ظروف معيشية أفضل، ولكن هذه الأحلام بقيت صغيرة. وكانت واعدة بالتحرر من الأكاذيب والقمع، ولكنها، رغم ذلك، لم تقدم مساراً واضحاً نحو عالم جديد. شكل الحديث عن "نهاية التاريخ" قناعاً أخفى وراءه العجز عن التفكير حول ما سوف يأتي لاحقاً. كثيراً ما ولدت الحرية التي رافقت نهاية الحرب الباردة نشوة عاطفية خطيرة. وكانت التفكير في المستقبل يزداد صعوبة مع انقضاء كل يوم.
فتح يوم 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 فرصاً جديدة أمام الحرية الشخصية والتنظيم الشخصي كما خلق تحديات جديدة بوجه إدارة العلاقات الدولية. إن جعل الحريات التي تبعت سقوط جدار برلين تخدم حاجات عالم اشد تعقيداً يجب ان تُشكِّل الدعوة السياسية لأول جيل عالمي بعد الحرب الباردة.
جيرمي سوري، هو أستاذ كرسي إي غوردون فوكس للتاريخ، ويشغل منصب مدير مركز الامتياز التابع للاتحاد الأوروبي، ومدير برنامج الاستراتيجية الكبرى في جامعة ويسكونسن- ماديسون. وهو مؤلف ثلاثة كتب رئيسية، آخرها كتاب "هنري كيسنجر والقرن الأميركي". كثيراً ما يكتب البروفسور سوري لمجلات علمية، وصحف يومية، ومجلات، ومدونات متنوعة على الإنترنت بضمنها موقعه: http://jeremisuri.net.