14 ايلول/سبتمبر 2009

بقلم مانفريد ستينس
قد نوافق جميعنا على التداعيات الاستراتيجية الجغرافية التي تلت سقوط جدار برلين: بدأت الإمبراطورية السوفياتية تختفي ومعها بدأت الدول الدائرة في فلكها، ومن بينها ألمانيا الشرقية، الخروج من السيطرة السوفياتية. شكل فتح الحدود بين برلين الشرقية وبرلين الغربية بداية كانت مترددة في البدء لعملية بلغت أوجها في 3 تشرين الأول/أكتوبر 1990 بعملية توحيد ألمانيا، او بعبارات تاريخية ودستورية صحيحة، حلّت جمهورية ألمانيا الديمقراطية نفسها وانضمت إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية. تحقق ذلك من دون عنف، ويجب تفسيره على انه انتصار دبلوماسي لحكمة ومهارة التحالف الغربي، وليس أقلّه التمكن من تأمين الموافقة النهائية لموسكو على إعادة التنظيم الأساسية للوضع السياسي القائم لما بعد الحرب العالمية الثانية.
كانت التداعيات بالنسبة إلى القارة عميقة. طوال القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، واجهت ألمانيا منافسين استراتيجيين حقيقيين وتبنت سياستها الشهيرة "شوكلوبوليتك" التي شملت تعديل التوازنات المميتة لتوجهاتها ما بين الشرق والغرب. مع إعادة التوحيد السلمية لدولتي ألمانيا اللتين نشأتا ما بعد الحرب، انتهى هذا المأزق. ولأول مرة، أصبحت ألمانيا محاطة بدول صديقة. منذ عام 1949، كانت جمهورية ألمانيا الاتحادية دولة غربية وتمكنت من البقاء كذلك حتى بعد أحداث 1989-1990.
يوفر التوجه الجديد الآمن لألمانيا الغربية تطمينات خاصة لجيرانها الأوروبيين. انه توجه متجذّر بقوة في العلاقة الألمانية-الأميركية الخاصة، وهو رابط ربما يمكن تفسيره على أفضل وجه من خلال طُرفة جاء فيها أن عامل الهاتف في مكتب وزارة الخارجية الألمانية، قبل ان يوصل وزير خارجية ألمانيا ايتش دي غنتشر بوزير خارجية أميركا جيمز بيكر في شباط/فبراير 1990، قال لبيكر "ليبارك الله أميركا". لم تكن العلاقة الألمانية الأميركية حميمة أكثر مما كانت عليه في عام 1989-1990. كان ذلك وقت تفاؤل عظيم. تحدث الخبراء ورجال القانون حول ما سموه "بمنافع السلام"، وتوقعوا حصول تقدم ديمقراطي على الصعيد العالمي.

وفي حين كانت الأحداث في برلين ذات أهمية عملية ورمزية هائلة، فقد مهدت حركات المعارضة البولندية والمجرية الطريق أمام حصول الأحداث الألمانية. في 4 حزيران/يونيو 1989، حققت المعارضة البولندية أول انتخابات (حرة تقريباً) في دولة شيوعية، وفي أيار/مايو 1989 فتحت الحكومة الشيوعية الإصلاحية المجرية حدودها مع النمسا قبل عدة اشهر من خرق جدار برلين.
كما أن الألمان الشرقيين تصرفوا بشجاعة أيضاً، حيث شكلت أجزاء من الكنائس البروتستانتية في ألمانيا الشرقية المأوى الآمن للمتظاهرين والمواطنين من ذوي الأفكار المعارضة الذين لم يروا أي مستقبل لجمهورية ألمانيا الشرقية. وأثبتت الأجزاء الجنوبية من ألمانيا الشرقية أنها معقل المعارضة مع مدينة ليبزيغ عاصمتها غير الرسمية.
مع ازدياد التوتر بين حكومة ألمانيا الشرقية وحركة المعارضة أصبحت المظاهرات الشهيرة التي كانت تقام في أمسيات الاثنين في ليبزيغ نقطة التركيز الأولى. إثر احتفالات الذكرى الأربعين لقيام جمهورية ألمانيا الشرقية، يوم 4 تشرين الأول/أكتوبر 1989، استعدت حكومة برلين الشرقية لاتخاذ إجراءات قمع نهائية وكانت حتى، كما خشي العديدون، مستعدة لتنفيذ حل "صيني" لقمع مظاهرات يوم الاثنين التالي. في 9 تشرين الأول/اكتوبر، تمّ حشد ألوية من الجيش وقوات الشرطة الخاصة لتحيط بالمدينة الداخلية التاريخية. جرى تفريغ وإعداد طوابق المستشفيات للمعالجة الطارئة لأعداد كبيرة من المصابين. كتب المتظاهرون وصاياهم وتوقع العديدون بأنهم لن يبقوا أحياءً بعد مظاهرات ليلة الاثنين. ساد المدينة جو بطولي، لكن عندما اجتمع 70 ألف متظاهر بصورة سلمية للسير في الشوارع لم يتجرأ المسؤولون العسكريون وضباط الشرطة على إصدار الأمر بإطلاق النار. كانت تلك بداية نهاية الحكم الشيوعي في ألمانيا الشرقية. ولأول مرة في التاريخ الألماني تحصل ثورة غير عنيفة وناجحة. بالمقارنة، جاء سقوط جدار برلين كمجرد علامة تأكيد لانتصار الثورة الديمقراطية.
بعد انقضاء عشرين سنة، كان الكثيرون من الألمان الشرقيين قد فقدوا اعتزازهم بإنجازات 1989-1990. كما ان بعضهم تخلى عن ذكر عبارة "الثورة غير العنيفة"، لصالح العبارة البيروقراطية "الانعطاف" (ونده). برزت حالة من عدم الارتياح في العلاقات الداخلية بين الشرق والغرب بمعظمها بسبب الصعوبات الاقتصادية. ففي حين تحتفل برلين بذكرى 9 تشرين الثاني/نوفمبر لسقوط جدار برلين، تُحيي منطقة ليبزيغ بدلاً من ذلك ذكرى الثورة غير العنيفة والليلة البالغة الأهمية في 9 تشرين الأول/أكتوبر. بعد 20 عاماً، تدعو هذه الذكريات المنقسمة إلى إجراء تقييم مخلص وتفهم مشترك. ففي حين يُعتبر هذا الانقسام، المتواضع نسبياً، حقيقياً، فإن تأثيره يبهت بالمقارنة مع الإنجازات السياسية الهائلة التي حققها الشعب الألماني وجيرانه، أحداث ربما يرمز إليها على أفضل وجه زوال جدار برلين وتوحيد الشعب الألماني الحر.
مانفريد ستينس، حاصل على الدكتوراه (جامعة مينيسوتا 1978) يعمل محاضراً في العلاقات الدولية في جامعة هومبولدت في برلين منذ عام 2003.