14 ايلول/سبتمبر 2009
بقلم اندرياس رود
في صيف العام 1989، قبل بضعة أشهر من سقوط جدار برلين، كنت أعمل مع مؤسسة فكر ورأي صغيرة في كوبنهاغن مختصة بدراسة السياسة الأمنية. كان الموظفون يجتمعون دون رسميات كل يوم على مائدة الغداء لمناقشة الشؤون الراهنة، وفي شهر آب/أغسطس من تلك السنة حصل شيئ مدهش. سمحت حكومة ألمانيا الشرقية لمواطنيها باجتياز الحدود إلى تشيكوسلوفاكيا والمجر للذهاب إلى النمسا، وشاهدنا جميعنا الحشود المغادرة وهي تزداد عدداً في كل يوم. أقل ما يمكن أن يُقال عن ذلك الوضع أنه كان متغيراً، فأراد أحد الزملاء الشديدي الحماس أن يقدّر النقطة التي سوف تصبح عندها إحدى الدول الجارة التي يُخشى جانبها فارغةً تماماً من سكانها الـ 16 مليونا. وهذا ما جعلنا نفتش بسرعة عن آلة حاسبة.
عبر الهزل عن طبيعة مزاجنا في ذلك الحين. كان الأمر لا يصدق، قصة من قصص الجنّ في عالم السياسة الدولية الساخر. عندما سقط الجدار في تشرين الثاني/نوفمبر، عمّت الإثارة في كل مكان، ولدى تعاقب الثورات السلمية الواحدة تلو الأخرى في أوروبا الشرقية والوسطى، بدأت تتراجع التوقعات الجدية بحصول فوضى وانتقامات عنيفة أمام التفاؤل الحقيقي. بدت المحفزات أنها ذات طبيعة أخلاقية واضحة: حقوق الإنسان، القلق حول البيئة، وانهيار الأنظمة الاستبدادية تحت ثقل أكاذيبها وشعاراتها التافهة. كان التاريخ يُعاد إلى مساره الصحيح.
ربما كانت أعظم التداعيات لسقوط ذلك النصب الغريب ولادة موقف فكري مختلف. فبعد ان أصبحت غير معلقة بمنطق المواجهة بين القوى العظمى، تحررت التيارات الرئيسية للثقافة والسياسة الأوروبية، وبدأ الأوروبيون يفكرون بأنفسهم بطرق لم يفكروا فيها طوال نصف قرن. الجانب المظلم لذلك الإنجاز كان التفسخ العنيف ليوغوسلافيا وشبح "التطهير العرقي". ومن جهة أخرى، كانت إعادة توحيد ألمانيا عاقبة منطقية لسقوط الجدار كما استعادت برلين بعد ذلك موقعها السابق كمركز مرموق للسياسة والإعلام والفنون. وعلى نحو خاص، حافظت برلين أيضاً على ثروتها وإرثها الأميركي لما بعد الحرب العالمية الثانية وأضافت إليه، لان برلين كانت قصة نجاح أميركية قبل ان تصبح قصة نجاح أوروبية.
انتهت الحرب الباردة عندما تمّ تحطيم الجدار وسارت خطوط طويلة من سيارات "الترابانت" البدائية من الشرق إلى الغرب. أطلق العنان لطاقات هائلة كان يغمرها ذلك النزاع في السابق، وأصبحت أوروبا اكثر ازدهاراً وجرأة، مع توسع الاتحاد الأوروبي عبر القارة، وترحيب حلف الأطلسي (الناتو) بأخصامه السابقين كأعضاء جدد. نمت أيضاً مؤسسات الفكر، مع ظهور تحديات لم يكن أحد يفكر فيها قبل بضعة عقود، وأصبحت الآن تلقي بظلالها علينا. في جميع هذه الأمور، شكل إعادة فتح المحادثات حول أوروبا عام 1989 ثروة حقيقية، كانت مهمة بالنسبة للبلدان على جانبي الأطلسي وأعطت نتائج مثيرة للإعجاب. ولكن وإن تكن هذه المحادثات تتعمق الآن ، فإنها لا زالت بعيدة عن أي نهاية.
ولا يجب ان يتعجب أحد حول ذلك. لقد تغيرت قواعد اللعبة في العام 1989 كما لو كان ذلك عن طريق السحر. وبعد انقضاء عشرين سنة، لا زلنا نتعقب نتائجها بحيث نصنع التاريخ ونحن نسير قُدماً.
]أندرياس رود اختصاصي بالشؤون العامة في السفارة الأميركية في كوبنهاغن. يركز أبحاثه بنوع خاص على السياسة الأمنية. كما انه كاتب حر ومحرر عمود صحفي وظهرت أعماله في معظم الصحف اليومية الدانمركية.[