14 ايلول/سبتمبر 2009
بقلم يانوس بوغايسكي
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، واشنطن العاصمة
تفكك الستار الحديدي قبل وقت طويل من تحطّم جدار برلين في تشرين الثاني/نوفمبر 1989. كان النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية يعيش أيامه الأخيرة لسنوات عديدة. خنقت أنظمة الحزب الواحد حقوق الإنسان والحريات السياسية وكانت عاجزة عن توفير الشيء الجوهري الرئيسي الذي يبرر الشيوعية: الأداء الاقتصادي. التفاوتات بين الشرق والغرب ازدادت وضوحاً خلال الثمانينيات من القرن العشرين، ولا سيما مع تكامل السوق الأوروبية الذي عزز ازدهار أوروبا الغربية في الحين الذي أظهر حلف وارسو الخاضع للسيطرة السوفياتية انه لم يعد بديلاً موثوقاً لأوروبا الموحدة.
كانت حركات الاحتجاج من الشيوعية تهدر من وقت لآخر عبر المنطقة، ولكن في صيف العام 1980 تعرّضت أوروبا لهزة أرضية عندما تمّ تشكيل نقابة التضامن العمالية البولندية الحرة "سوليداريتي". ومع ان نقابة " سوليداريتي" تم خنقها وأجبرت على العمل السري، فقد أظهرت عضويتها الجماهيرية وقيادتها الحكيمة ان أيام الشيوعية التي فرضها السوفيات باتت معدودة. كان الشيء الوحيد غير المعروف ما إذا كان النظام سيختفي بانفجار او بمجرد زفرات الاحتضار.
لحسن الحظ، لم يكن قد بقي لدى الشيوعية القوة اللازمة لمقاومة موتها. أثبتت الماركسية-اللينينية، المفلسة عقائدياً، وغير الكفؤة اقتصادياً، والبدائية سياسياً أنها تجربة أخرى وصلت إلى نهايتها. علاوة على ذلك، لم يعد لدى النظام السوفياتي الذي دعم حكومات وكيلة له عبر أوروبا الشرقية، الإيمان القوي أو الموارد للقمع القسري لتطلعات الشعوب "الشقيقة" نحو التعددية والاستقلال القومي.
بحلول الوقت الذي تم فيه خرق جدار برلين رسميا، كانت بولندا قد أنجزت تشكيل حكومة منتخبة ديمقراطياً، بينما كانت كل من المجر وتشيكوسلوفاكيا تتحركان بثبات نحو التعددية السياسية بعد ما أدرك قادة هاتين الدولتين ان التغيير في النظام بات أمرا لا مفر منه.
عند النظر إلى الوراء، إلى تشرين الثاني/نوفمبر 1989، كثيراً ما يجري تجاهل أنه في الحين الذي أشارت فيه تلك الأحداث التاريخية إلى انهيار الشيوعية، فإنها شكلت أيضاً فاتحة لحركة التحرير القومي لدول أوروبا الوسطى والشرقية من السيطرة السوفياتية. وفي حين ان الشيوعية لم تعد سوى كابوس يتلاشى تأثيره في هذه الدول، فإن نضالها يستمر حتى هذا اليوم للمحافظة على استقلال الدولة فيها من حكومة روسية متزايدة التأكيد على حضورها.
بالتأكيد، يسعى المسؤولون في موسكو الآن إلى تعديل أهمية العام 1989 من خلال تأكيدهم ان الاتحاد السوفياتي لم يحتل نصف أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية والتقليل من أهمية كيف فرَض السلاح السوفياتي هناك نظاماً ديكتاتورياً قمعياً خنق التقدم السياسي والاقتصادي لمدة قاربت نصف قرن. يدّعي بعض الناطقين باسم روسيا أن الكرملين عمد بروح طيبة إلى تفكيك الكتلة السوفياتية، وان الحرب الباردة انتهت إلى تعادل بدلاً من الاعتراف بأن النظام السوفياتي اثبت انه فشل فشلاً ذريعا وأنه تحلل من الداخل.
لسوء الحظ، يجري تقديم هذا المفهوم حول النظام السوفياتي الطيب، أو حتى التقدمي، لتبرير التشدد الحالي والمستقبلي على ضرورة الاعتراف بحضور دولة روسيا. لهذا السبب، يجب على الأوروبيين والأميركيين ان يظلوا متيقظين للدفاع عن الإرث التاريخي الحقيقي لشهر تشرين الثاني/نوفمبر 1989.
[يانوز بوغايسكي هو مدير مشروع الديمقراطيات الأوروبية الحديثة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة. وكان محللا كبيرا في إذاعة أوروبا الحرة بمدينة ميونيخ قبل وقت قصير من انهيار الشيوعية]