11 ايلول/سبتمبر 2009
إدوينا إس كامبل
في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، كنت أقوم بجولة لإلقاء المحاضرات في ألمانيا الغربية ممثلاً لوكالة الإعلام الأميركية. أمضيت ذلك اليوم في ساربروكن ثم ركبت القطار إلى فرانكفورت، وطالعت لفترة، ثم آويت إلى الفراش باكراً واستيقظت في الصباح التالي دون ان اسمع شيئاً حول الأحداث التي جرت في برلين. لم يذكر أحد لي تلك الأحداث وأنا أتناول طعام الفطور. وأخيراً عندما أدرت جهاز التلفزيون في منتصف الصباح، شاهدت على كل قناة مراسلين صحفيين واقفين أمام الجدار بينما كان الناس يقومون بتحطيمه. جلست على سريري مصعوقةً، وأنا أحدق في التلفزيون.
ماذا يمكنك ان تفعل في يوم مشمس بارد تتزحزح فيه الألواح الاستراتيجية لأرضية العالم؟ قمت بزيارة كنيسة القديس بولسكيرتش في فرانكفورت، التي شهدت في عام 1848 المحاولة الفاشلة لإنشاء ألمانيا ديمقراطية موحدة. كان عدد كبير من أطفال المدارس يجولون في أرجاء الكنيسة ولكن دون ان يقوم أي من المرشدين الذين يشرحون لهم أحداث عام 1848 بالانحراف عن النص المكتوب لذكر المسار نحو الوحدة الذي كان يجري نحته في جدار برلين في تلك اللحظة. ولم اسمع أي حديث آخر حول فتح الجدار إلا في ذلك المساء عندما كنت أحضر مؤتمراً حول العلوم السياسية في الجامعة.
بقيت شاكرةً منذ ذلك الحين لأني لم أصل إلى برلين خلال تلك الرحلة، حيث كانت الأجواء هناك فريدةً. خلال الأيام القليلة التالية شهدت نفس التجربة التي كنت قد خضتها في فرانكفورت وأنا أجول عبر مختلف أنحاء ألمانيا الغربية. واجهت انقساماً هائلاً بين الأكاديميين والسياسيين والدبلوماسيين من جهة، وبين معظم الألمان الغربيين من جهة أخرى من حيث درجة الاهتمام التي أظهروها بفتح الجدار. وعندما كنت اتحدث مع الناس كان بعضهم يبدي قلقاً أو حتى تخوفاً من الأحداث التي بدأت تتجلى للعيان، ولكن عبّر العديدون بكل بساطة عن عدم اكتراثهم.
تجربتي خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر ذلك الذي مضت عليه الآن فترة طويلة، تحمل شيئاً مهماً حول المسار المتأرجح للعلاقات الألمانية- الأميركية منذ منتصف التسعينيات من القرن العشرين. ربما كان الاختلاف الأكبر بين الدولتين، من الوجهتين الثقافية والسياسية، موقفهما تجاه التغيير. ادخل فتح الجدار حقبة تغيير سياسي عالمي لا سابق لها، على الأقل منذ عام 1918، وربما ببساطة لا سابق لها على الإطلاق. أصبحت الأمثلة النموذجية بين ضفتي الأطلسي في القرن العشرين غير ملائمة، ولكن الرغبة المفهومة للتشبث بها استمرت في ألمانيا.
تم بناء السياسة الخارجية لألمانيا الغربية على أساس فضيلتين: الاستقرار والتنبؤ بالأحداث. في عام 1989 كانت هاتان الفضيلتان دعامتي سياسة بون تجاه الشرق التي اتبعتها منذ السبعينيات من القرن الماضي وكذلك الأمر بالنسبة لروابطها الطويلة الأمد مع حلف الأطلسي (الناتو). في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، انتهى عصر الاستقرار وقابلية التنبؤ بالأحداث، وبدا أن الألمان الغربيين الذين قابلتهم في ذلك الشهر يعرفون ذلك بصورة غريزية، ويحاولون الابتعاد عن حقيقة ما يجري في برلين.
لدى الأميركيين تاريخ مختلف. إننا نميل إلى النظر إلى لحظات عدم قابلية التنبؤ بالأحداث السياسية وعدم الاستقرار على أنها فرص ينبغي اغتنامها، وليست أزمات يتوجب التخوف منها. يمكن لذلك أن يجعلنا متفائلين بدرجة مفرطة بالنسبة لقدرتنا على التعامل مع التغيير، كما تعكس الأزمات التي جرت عبر الأطلسي خلال السنوات القليلة الماضية هذا الواقع، أيضاً. الاعتقاد الأميركي بأنه من الممكن حل كل مشكلة لا بد وأن يصطدم مع القناعة الألمانية بأنه يجب إدارة الأحداث ليس إلا.
وكلاهما على حق. في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، انحلت مشكلة الحرب الباردة التي دامت فترة أربعة عقود لان الحلفاء أداروا جماعياً علاقاتهم مع الاتحاد السوفياتي التي تميزت بالتوتر في أحيان كثيرة. برز الجواب على "المسألة الألمانية" بصورة مماثلة من الحوار الاستراتيجي عبر الأطلسي الذي دام لعقود طويلة. يجب أن تتذكر الدولتان ان الأجوبة على المسائل السياسية العالمية في يومنا هذا لا يمكنها ان تبرز سوى من الرغبة في مواصلة ذلك الحوار خلال السنوات القادمة من هذا القرن.