11 ايلول/سبتمبر 2009

بقلم آنا هوسارسكا
يقول مثل بولندي "وجهة نظرك تعتمد على وجهة نظرك". والطريقة التي نظرنا فيها في أوروبا الشرقية إلى تهديم جدار برلين تُشكِّل صورة مثالية لهذا المثل. هنا وجهة نظري، وجهة نظر شكلها فهم متعاطف للتجربة التاريخية البولندية.
أولاً: ماذا كان جدار برلين؟
كان من بين أشياء أخرى استعارة مجازية. والفرق بين ما كان يشاهده المرء من الجانب الآخر للإنشاء المادي يخبرنا الكثير عن أوروبا المقسمة بين مناطق سوفياتية ومناطق غير سوفياتية، وهو مصير تقرر لها في مؤتمر يالطا عام 1945.
من الجانب الغربي كان يمكنك الوصول إلى الجدار، ولمسه، وتدوّن ما يحلو لك عليه، كما مشاهدة "الشرق" من منصة مرفوعة. وشكّل جدار برلين مسرحاً للرؤساء الاميركيين: أعلن جون اف كينيدي تضامنه مع المدينة المحاصرة، "إني مواطن من برلين". ودعا رونالد ريغان بعنف الزعيم السوفياتي "يا سيد غورباتشوف حطّم هذا الجدار".
كان الجدار من الجانب الشرقي رمادياً ومثيراً للاكتئاب. كنا نعرف (ولكننا لا نستطيع رؤية) ما كان خلف الإنشاء الخرساني المتوّج بالأسلاك الشائكة والأسلاك الجارحة حيث كانت توجد طريق بعرض سبعة أمتار من الحصباء المرصوفة مع حقل ألغام – حسب ما قيل لنا.
وفي حين ان الجدار كان يُشكِّل تصوينة حول برلين الغربية (القطاعات الفرنسية، البريطانية، والأميركية)، فانه كان مجازياً بمثابة طوق يستعبد نصف القارة.
بالنسبة لنا في أوروبا الشرقية، ربما ما كان أكثر قمعاً وأشد إهانة هو جدار الإنكار:
· جدار من القوانين الشيوعية التي تحرّم السفر بحرية إلى القسم الديمقراطي من العالم الذي لا يزال يعرف بمجموعه (حتى اليوم!) باسم "الغرب"، كي لا نرى من خلاله أكاذيب النظام.
· جدار من الرقابة الشيوعية التي تجعل من المستحيل تقريباً قراءة أي شيء غير الدعاية، كي لا نصاب بعدوى الأيديولوجيا البورجوازية والرأسمالية (كان يتوجب تهريب الكتب والمجلات والصحف غير المراقبة ولكننا كنا نلتهمها عندما نستطيع).
· جدار من "التشويش" الشيوعي على محطات الإذاعة الأجنبية مثل محطة بي بي سي، إذاعة أوروبا الحرة، وصوت أميركا، من خلال تسليط صوت أزيز متواصل عليها، كي لا نسمع الحقيقة حول الأحداث الجارية في العالم وفي بلادنا.
ولكن الأسوأ من كل ذلك كان الجدار الموجود في داخل كل منا، الجدار الذي جعلنا نعيش حياة انفصامية في عالمين: في المنازل وبرفقة العائلة أو الأصحاب حيث يستطيع الفرد ان يكون على ما هو عليه، وعالم ثانٍ خادع ولكنه مألوف بصورة متزايدة حيث نقوم فيه بارتداء قناع الطاعة. كان التدريب على هذه الحياة المزدوجة يبدأ في مرحلة مبكرة، تقريبا مع بداية فترة روضة الأطفال، حيث كنا نتعلم شعارات سياسية ونحن نطالع قصة "ويني ذي بوه"، ونصنع قصاصات ورق لشعار المطرقة والمنجل بينما نلهو بألعاب دمى الدببة.
ثانياً: تاريخ- أو تواريخ – سقوط الجدار ساهم في تعزيز فهمنا.
9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 هو التاريخ المترابط بأكبر قدر من القوة مع نهاية القمع الظالم لنصف أوروبا. ولكن الجدار بدأ يتشقق منذ عام 1980 عندما تأسست نقابة التضامن العمالية البولندية (التضامن) في حوض لينين للسفن في غدانسك، فكسبت حقها في الإضراب. وقد يستنتج المرء أيضاً انه فقط عند قبول ثماني دول من أوروبا الشرقية في عام 2004 كأعضاء في الاتحاد الأوروبي تفككت أوروبا التي أنشأها مؤتمر يالطا، رغم انه لم يكن قد حصل ذلك إذا كان المرء لا يزال يعيش في بيلاروسيا.
حتى وخلال "السنة العجائبية" 1989، تنافست أحداث عديدة جرت في أوروبا الشرقية لاستقطاب الاهتمام كما الأهمية: أولى المحادثات بين نظام شيوعي ومعارضيه السياسيين (الأول من نيسان/أبريل، في بولندا)، أول انتخابات حرة (4 حزيران/يونيو في بولندا، حجبت وهجها الدبابات التي سحقت الأحلام في ساحة تيانانمان في نفس اليوم)، إعادة التأهيل التاريخية لأمري ناجي ورفاقه من انتفاضة بودابست عام 1956 (16 حزيران/يونيو في المجر)، الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا، التي وضعت أُسسها حركة ميثاق ال 77 قبل 12 سنة، والتي بدأت بشكل جدي في شهر تشرين الثاني/نوفمبر. بعد انقضاء شهر على ذلك أصبح الكاتب المنشق السابق فاكلاف هافل رئيساً للجمهورية. وأخيراً، رومانيا، التي كانت لا تزال حتى ذلك الوقت على ما يبدو أقوى نظام شيوعي رسوخاً، التي أثبتت أنها كانت الأشد دموية عند سقوط نظامها الفجائي، وكان ذلك أيضاً في العام 1989.
في هذه الأثناء، يمكن وضع التاريخ الألماني لتلك السنة ضمن الأطر المنتظمة بشكل خاص به: إعلان في 19 كانون الثاني/يناير أصدره الزعيم الألماني الشرقي إريك هونيكر بأن "الجدار سوف يبقى خلال 50 أو حتى 100 سنة في حال لم تتم إزالة أسباب وجوده". وخطاب مرتجل من جانب الرئيس الألماني الغربي هلموت كول إلى مواطني الجمهورية الديمقراطية الألمانية الذين تجمعوا في دريزدن في 19 كانون الأول/ديسمبر بينما كانت الجماهير تصيح "ألمانيا، ألمانيا" و"نحن شعب واحد".
ثالثاً: الانهيار الفعلي والمادي
لم يكن الجدار عبارة فقط عن 66 ميلاً من وحدات خرسانية و42 ميلاً من سياج شبكي معدني مع 302 برج مراقبة يشطر مدينة ألمانية إلى نصفين. بل كان بدلاً من ذلك الجزء الأكثر وضوحاً للستار الحديدي المادي والمجازي الذي كان يشطر أوروبا الحرة وأوروبا غير الحرة.
متى سقط بالضبط هذا الستار؟ ظهرت تشققات فيه عندما أزال ضباط في الجيش المجري الأسلاك الشائكة المنصوبة على حدود بلادهم مع النمسا. حصل ذلك في أيار/مايو 1989. في ذلك الصيف قاد الآلاف من الألمان الشرقيين سياراتهم من طراز "ترابان" الفاضحة لحالتهم البائسة (سيارة لا يعتمد عليها على الإطلاق، مصنوعة محلياً في ألمانيا الشرقية من الكرتون كما يدعي البعض) إلى وارسو وبراغ، ومن هناك إلى بودابست على أمل ان يتمكنوا من الوصول إلى "الغرب". ولذلك عندما فتح المجريون في 11 أيلول/سبتمبر 1989 حدودهم أمام مواطني جمهورية ألمانيا الشرقية للخروج منها بحرية، فإن حوالي 15 ألف ألماني صوتوا بأقدامهم. شكل ذلك النزوح ثغرة في جدار برلين الذي كان يشبه السدّ، بل كان سداً كبيراً بالفعل. وبعد ثلاثة أسابيع، مبررة عملها "بأسباب إنسانية"، سمحت سلطات ألمانيا الديمقراطية بمغادرة قطار خاص مدينة وارسو وعلى متنه حوالي ألف لاجئ ألماني شرقي اجتازوا جمهورية ألمانيا الديمقراطية ليواصلوا رحلتهم إلى جمهورية ألمانيا الفدرالية. ما لبث وان غادر عدد أكبر من القطارات من بولندا ناقلين عددا? من اللاجئين بلغ مجموعهم 7600 لاجئ. وبحلول 3 تشرين الثاني/نوفمبر كان قد غادر 40 ألف لاجئ ألماني شرقي متوجهين إلى ألمانيا الغربية عبر تشيكوسلوفاكيا. أصبح السد الآن يعاني من التسرب فعلاً وبدا الجدار اقل صلابة بكثير.
نظراً للشكليات الرسمية الدقيقة وجمود حكومة جمهورية ألمانيا الديمقراطية، حصلت المهزلة النهائية في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، حول كيف تمّ فتح الجدار أخيراً ذلك اليوم: كانت المسألة بمثابة عملية بيروقراطية فاشلة. بسبب عدم إبلاغه التعليمات بصورة صحيحة، أعلن زعيم الحزب الشيوعي غونتر شابوسكي، خلال مؤتمر صحفي مباشر عرض على التلفزيون، بانه تم إلغاء كافة القوانين المتعلقة بالسفر إلى الخارج. وعندما ضغط عليه الصحافيون للحصول على معلومات إضافية ذكر ان هذا الإلغاء هو أمر "فوري"، وليس للتنفيذ في اليوم التالي كما كان مخططاً له. أما ما جرى بعد ذلك، فقد شاهدناه جميعاً.

كلا. لم أكن في برلين ليلة سقوط الجدار. في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، كنت في مكاتب التحرير في صحيفة النيويورك تايمز. كان رئيس التحرير ماكس فرانكل قد منحني فترة تدريب لمدة قصيرة للحصول على بعض الخبرة حول العمل في صحف مستقلة ولتطبيق هذه الخبرة في أوروبا الشرقية التي كانت قد أصبحت ديمقراطية حديثاً، وحيث كانت تنتظرني وظيفة صحافية. إن مجرد إمكانية العمل في بولندا في مثل هذه الوظيفة يخبرنا الكثير جداً حول مدى تسارع الأحداث.
قبل بضعة أيام من سقوط الجدار، قالت مذيعة بولندية في نشرة أخبار التلفزيون، مشيرة إلى انتخاباتنا شبه الحرة: "سيداتي، سادتي، في 4 حزيران/يونيو 1989 انتهى النظام الشيوعي في بولندا". وانتهى هذا النظام، بالفعل. وكانت الصحيفة اليومية غازيتا فيبورتسكا، التي تأسست كجزء من قرار اجراء تلك الانتخابات، كما تناقلت ذلك الألسن، "أول صحيفة حرة تصدر بين برلين وفلاديفوستوك."
عدت إلى بولندا في ربيع عام 1989 بعد العيش في الخارج لمدة 15 سنة تقريباً للانضمام إلى هيئة تحرير تلك الصحيفة اليومية. وجدت الحريات التي جرى تأمينها حديثاً لا تصدق تقريباً ولكن زملائي لم يعرفوا أنها حقيقية وحسب بل توقعوا أيضاً حصول سقوط باقي أحجار الدومينو سريعاً جالبةً معها انهيار الكتلة السوفياتية بأكملها. وأكدوا بالطبع ان البولندين يستطيعون الافتخار بفضلهم في هذا العمل. وافق الجانب الوطني في نفسي على ذلك.
أراد جانب المراسل الصحفي في داخلي ان يرى كل شيء. في عام 1989، كان العمل في المكتب الخارجي لصحيفة غازيتا فيبروتسكا وظيفة ذات امتياز لأن الصحافيين هناك تسنت لهم فرصة مشاهدة زوال الشيوعية.
بقيت أعدّ التقارير الإخبارية خلال ما تبقى من العام 1989 وخلال جزء كبير من عام 1990 لنشرها في الصحيفة غازيتا حول سقوط أحجار الدومينو: من تشيكوسلوفاكيا ورومانيا ونيكاراغوا، ثم، وبينما كنت أكتب لصحيفة أسبوعية تأسست حديثاً، من ألبانيا ومن دول البلطيق. وحيث كنت قد شاركت في حركة التضامن، كانت لدي توقعات عالية جداً في نجاح حركات اخرى عبر أوروبا الشرقية.
من الأرجح أن إعداد التقارير الإخبارية من تشيكوسلوفاكيا كان العمل الأكثر إثارة بالنسبة لي. كانت الثورة التي حصلت فيها اكثر "الثورات" نظافة، وسلاسة"، وأناقة. كما كانت أيضاً ثورة سريعة. دونت الكتابات على الجدران في براغ في فصل الشتاء هذه القائمة البسيطة التالية:
بولندا، 10 سنوات
المجر، 10 أشهر
ألمانيا الشرقية، 10 أسابيع
تشيكوسلوفاكيا، 10 أيام
لا شك في ان الثورة في تشيكوسلوفاكيا استغرقت أكثر من 10 أيام، ولكن مع ذلك كان زمناً بدا أن كل شيء فيه ممكناً، عندما كنا نفكر، نحن الأوروبيون الشرقيون، كما جاء في كلمات الأغنية، "سوف نعيش الحياة التي نختار، سوف نحارب وسوف لن نخسر أبداً."
الانتقال المباشر تقريباً من إعداد التقارير الإخبارية حول "الثورة المخملية" في تشيكوسلوفاكيا إلى "الثورة الدموية" في رومانيا، أنزلني من السحابة السابعة في السماء إلى الجحيم على الأرض.
عند مراجعتي دفاتر ملاحظاتي التي كتبتها في ذلك الوقت أجد هذه التسجيلات:
12 كانون الأول/ديسمبر 1989، براغ
الناس في ساحة فاكلافسكه ناميستي يرقصون ويغنون
"نريد هافل رئيساً كهدية لعيد الميلاد" وكانوا يدخلون أزهاراً في فوهات البنادق التي كان يحملها رجال الشرطة.
25 كانون الأول/ديسمبر 1898، بوخارست:
تفوح من ساحة القصر رائحة الرماد المبلل الفائحة من مبنى الحزب الشيوعي المحروق. وكان الناس يكررون "اليوم هو عيد الميلاد، ذهب الرجل المجنون" بينما كانوا يشاهدون إعادات لفيلم تنفيذ حكم الإعدام بنيكولاي تشاوشيسكو.
28 كانون الأول/ديسمبر 1989، بوخارست:
التلفزيون الرسمي الروماني يعرض فيلماً لشارلي شابلن كان عرضه ممنوعاً حتى ذلك الوقت: "الديكتاتور العظيم".
"آه، نعم، تلك كانت الأيام..."
آنا هوسارسكا عملت محررة ومترجمة في مكتب حركة التضامن في الخارج (باريس) وكانت تعمل صحفية في الصحيفة اليومية البولندية غازيتا فبروتسكا. وفي الولايات المتحدة، عملت عضوا في هيئة كتّاب مجلتي نيو ريبابليك ونيويورك تايمز إذ أعدت التقارير من مواقع النزاع وما بعد النزاع، ثم عملت كبيرة محللين سياسيين في مجموعة الأزمات الدولية وهي الآن مستشارة سياسية كبيرة بلجنة الإنقاذ الدولية.