08 ايلول/سبتمبر 2009

بقلم فريتز ستيرن
شكل خرق جدار برلين في 9 تشرين الثاني/نوفمبر رمزاً دراماتيكياً للحرية التي استعيدت في تلك السنة العجائبية 1989، حينما أصبح الأمر الذي لم يكن من الممكن تصوره في الحياة السياسية في أوروبا الوسطى كما لو كان أمراً روتينياً. شارك الملايين من الناس في أوروبا الشرقية والوسطى في مظاهرات سلمية ضد أنظمة الحكم القائمة وبدت الشيوعية وكأنها تتلاشى. ابتهج الكثيرون في العالم، ولكن بالنسبة للأميركيين كانت لنهاية ذلك الانقسام الرهيب في برلين أهمية خاصة. فلحقبة نصف قرن، كانت الولايات المتحدة، انسجاماً مع سياستها في الاحتواء، تؤمن الحماية لحرية سكان برلين الغربية، وفي الواقع لحرية الألمان الغربيين، بطريقة أو بأخرى. وبصورة تدريجية وتبادلية كان الأعداء السابقون قد أصبحوا أصدقاء أعزاء.
يجب أن نلقي نظرة سريعة على من أين أتت فكرة هذا الجدار. نتيجة الانتصار الذي حققته في عام 1945، قامت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا العظمى بتقسيم ألمانيا إلى ثلاث (وإلى أربع، مع فرنسا لاحقاً) مناطق احتلال على أن تكون برلين مركز مجلس المراقبة للحلفاء والذي عهدت إليه مسؤولية وضع السياسات الرئيسية في جميع مناطق الاحتلال. كانت منطقة احتلال الاتحاد السوفياتي تحيط بالعاصمة السابقة لألمانيا، وهكذا أصبحت برلين، المقسمة نفسها إلى أربعة قطاعات، جزيرة في بحر أحمر. وحدة الحلفاء، التي كانت قد تعرضت للخطر بسبب تحركات السوفيات في أوروبا الشرقية عام 1944-1945، انتهت بصورة تدريجية إلى حرب باردة، لم يكن يرغب في حصولها أي طرف، إلا أن كل طرف ساهم في تطورها. بحلول العام 1948، بعد أن استولى الشيوعيون على السلطة في تشيكوسلوفاكيا التي كانت صامدة كديمقراطية، تخلى الحلفاء الغربيون عن أي أمل في تحقيق تعاون ناجح مع الاتحاد السوفياتي في ألمانيا وقاموا بما كان يجب أن يُعتبر، بالنظر إلى الوراء، استعدادات حكيمة لإنشاء كيان سياسي ديمقراطي في ألمانيا الغربية. وعندما أيّد الحلفاء في حزيران/يونيو 1948 أيضاً إصدار عملة ألمانية جديدة (حتى في برلين الغربية)، وهي المارك الألماني، رد الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين بفرض حصار كامل على برلين الغربية صُمم افتراضياً لوقف تنفيذ الخطط الغربية الهادفة إلى إنشاء دولة ألمانيا الغربية، أو على الأقل، لفرض الحكم السوفياتي على كامل المدينة. قررت الولايات المتحدة وبريطانيا بغية تجنب حصول مواجهة عسكرية اتباع طرق بديلة جريئة: تزويد سكان برلين الغربية الذين كان عددهم مليوني نسمة تقريباً بالمؤن من الجو. كانت عملية التموين الجوي تأكيداً ذكياً للقوة الإنجليزية -الأميركية المستخدمة سلمياً ولغايات ديمقراطية. كان بإمكان الأميركيين في هذه العملية المُكلفة الاعتماد على صبر سكان برلين الغربية بقيادة زعيمهم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي، رئيس البلدية إرنست روتر، أول سياسي ألماني بعد الحرب يثير إعجاب الشعب الأميركي. في أيار/مايو 1950، وافق السوفيات على إنهاء الحصار مقابل مكافأة رمزية. كان ذلك نصراً سجله الحلفاء الغربيون في وقت كان قد ضعف فيه انتشارهم العسكري: بحلول العام 1948، كانت معظم القوات الأميركية في أوروبا قد عادت إلى الوطن بينما بقي الجيش الأحمر متمركزاً في جميع أنحاء أوروبا الوسطى.
بقيت برلين الرمز والنقطة الأقصى خطورة خلال الحرب الباردة، واستخدمت ككوة لهروب الألمان الشرقيين الذين أرادوا تغيير حياتهم من واحدة كانوا يعيشون تحت سيطرة ديكتاتورية تعاني من الضعف الاقتصادي إلى أخرى ينعمون فيها بالحرية وإمكانية الحركة في ألمانيا الغربية، التي كانت تتمتع آنذاك "بمعجزة اقتصادية" وباقتصاد سوق يتسم بالمسؤولية الاجتماعية. (عززت مساعدة الحلفاء الغربيين استعادة ألمانيا الغربية لعافيتها الاقتصادية بينما ساهمت طلبات التعويضات الحربية للسوفيات من ألمانيا الشرقية في إضعاف ذلك الاقتصاد المرهق أصلاً والخاضع لسيطرة الدولة). أدرك الرئيس جون إف كينيدي (1961-1963) بنفسه أن هذا المخرج المفتوح الوحيد من برلين الشرقية الشيوعية إلى برلين الغربية يُمثّل خطراً حقيقياً على نظام الحكم في ألمانيا الشرقية، كما أدرك أيضاً، كما قال في وقت كارثة خليج الخنازير (عملية غزو فاشلة لكوبا دعمتها الولايات المتحدة، و قام بها منفيون من نظام كاسترو) والخوف من انتقام سوفياتي، إنه في حال اندلاع حرب عالمية ثالثة فإنها سوف تبدأ في برلين. كما أدرك خليفة ستالين، نيكيتا خروتشوف المتقلّب المزاج، أن الخسائر الديموغرافية لألمانيا الشرقية كانت لا تحتمل بالنسبة لنظام الحكم في ألمانيا الشرقية، والذي كان يلّح باستمرار على الاتحاد السوفياتي لاتخاذ إجراءات قاسية لإغلاق ذلك المخرج.
في 1960-1961، نما تدفق اللاجئين من ألمانيا الشرقية بدرجة تُنذر بالخطر، وأصبح واضحاً وجوب وقف هذا النزيف الديموغرافي. في 13 آب/أغسطس 1961، أقام الألمان الشرقيون، بمباركة من الاتحاد السوفياتي أخيراً، جداراً متقناً بشعاً قسّم المدينة بالنصف، تاركاً سكان برلين الغربية أحراراً، ولكن محاصرين ومفصولين في أحيان كثيرة عن الأصدقاء والأقرباء، وبقي سكان برلين الشرقية مقيدين بصورة دائمة خلف ما كان يسمى رسمياً في الكلام المخادع النموذجي، جدار "مقاومة الفاشية". كان الرد الأميركي الفوري معتدلاً نسبياً ومُخيباً لأمال ويللي براندت، رئيس بلدية برلين الغربية الشاب، ولسكان برلين الغربية بوجه عام. أصبحت كل من برلين الشرقية وبرلين الغربية الآن مكاني استعراض ومنافسة لنظامين سياسيين متنافسين. وازدهرت برلين الغربية بفضل المساعدات الأميركية المتواصلة العامة والخاصة يحميها الوجود العسكري الرمزي لقوات عسكرية حليفة. ومع مرور الوقت، تخلّصت برلين الشرقية من كآبة الستالينية ولكن فيما يخص رفاهيتها المادية، هذا إذا لم نذكر شيئاً حول القمع الذي تحملته في مجتمعها الخاضع لسيطرة جهاز الاستخبارات الألمانية الشرقية (الستاسي)، فإنها ظلت كياناً سياسياً فقيراً وإن كان يتطور.
ظل جدار برلين يُذكّر القادة الغربيين وأعداداً كبيرة من الألمان الغربيين بالتقسيم غير الطبيعي لألمانيا ولكنهم قبلوا به ضمنياً وركزوا اهتمامهم على إنشاء "المجموعة الأوروبية". واكتفت القوى الغربية بالتفاوض حول إجراءات لتخفيف حدة الحرمان المتزايد الذي فرضه الجدار. أصبح الانفراج مع الاتحاد السوفياتي أكثر ما يأمل الغرب بتحقيقه، واتخذت هذه السياسة أشكالاً مختلفة. في عام 1975، وقّعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون والاتحاد السوفياتي على اتفاقات هلسنكي. أكد أول اتفاقين حصانة الحدود القائمة، وبذلك أضفى الشرعية على التغييرات الحدودية الواقعية التي أُجريت بعد انتهاء الحرب في أوروبا الوسطى، بينما نص القسم الثالث، الذي يسمى بصورة عامة "السلسلة الثالثة"، على وجوب أن يحترم كافة الموقعين حقوق الإنسان الأساسية والحقوق المدنية لمواطنيهم. وأدى تشكيل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) الناتج عن ذلك إلى حصول الاتحاد السوفياتي على ضمانات مهمة. أما بالنسبة إلى "السلسة الثالثة"، ففي حين أن عدداً قليلاً من الزعماء السياسيين من الج?õبين أدركوا في بادئ الأمر إمكانية هذه الفئة في إلهاب العواطف، لا بد لنا أن نتذكر، ولا سيما لكي نفهم ما جرى عام 1989، أنها منحت إلى الحركات المنشقة في أوروبا الشرقية وفي الاتحاد السوفياتي تشجيعاً معنوياً كما بعض الحماية القانونية.
حطمت الدبابات السوفياتية مراراً وتكراراً مظاهرات الاحتجاج العنيفة ضد أنظمة الحكم التي تدور في فلكها، في ألمانيا الشرقية عام 1953، وفي كل من بولونيا والمجر في عام 1956، وفي تشيكوسلوفاكيا في عام 1968. ولكن في أعقاب اتفاقيات هلسنكي أصبحت مجموعات المنشقين الهادئة، والبطولية، وغير العنيفة، كما ظهر ذلك من خلال ميثاق هافل لعام 77 في تشيكوسلوفاكيا، قوة أعظم بكثير ضمن الدكتاتوريات السوفياتية. هنا ظهرت بدايات مجموعات مدنية مشكلة من الأسفل، مُشبعة ربما بشعور ما أسماه هافل لاحقاً "قوة الذين لا قوة لهم". ولكن بالرغم من الإعجاب والأهمية التي حصلت عليها هذه المجموعات فإنها لم تكن تستطع أن تُغيّر الظروف القمعية. كان من الضروري، من أجل تحقيق ذلك، إحداث تغييرات في القمة، وقد حصلت هذه التغييرات مع الظهور المذهل وربما التاريخي غير المسبوق والمتزامن لقادة روحيين وسياسيين أدركوا التأثيرات المميتة للحياة في حالة من الركود، أي دون حرية، ودون إبداع وفي حالة من الفقر.

حتى الشيوعيون أنفسهم، ارتّدوا عن اليد المتصلبة لموسكو: في عام 1975، ركز قادة الأحزاب الشيوعية الكبيرة في إيطاليا وإسبانيا انتقاداتهم لموسكو في حركة أطلقوا عليها اسم "الشيوعية الأوروبية". وفق هذا الأسلوب الجديد، قام الشيوعيون في أوروبا الغربية، الذين كانوا في السابق خاضعين للمبادئ الماركسية-اللينينية حتى خلال سيطرة أكثر أشكالها بشاعة، أي الستالينية، بالانفصال عن بعض المبادئ الأساسية للحزب، ووعدوا بالتعاون مع الأحزاب السياسية الديمقراطية، مثلاً، وبذلك تخلوا عن المبدأ المقدس تقريباً القائل بأن الحزب الشيوعي يمثل دائماً السلطة العليا في أية دولة شيوعية. كان الشيوعيون الأوروبيون قد انتقدوا بصورة علنية الاتحاد السوفياتي لغزوه تشيكوسلوفاكيا عام 1965. وربما، كما أعتقد العديد من المحافظين، كانت الحركة الشيوعية الأوروبية زائفة ومجرد خدعة. لكنها لم تكن في أحسن الأحوال سوى قشة في مهب الريح.
عانت بولونيا، أكبر دولة تابعة للسوفيات، من تاريخ فريد من العذاب، أولاً، تحت الاحتلال الألماني ومن ثم تحت "التحرير" السوفياتي. تاريخها الأقدم في التقسيم على أيدي دول أوروبية مجاورة ولّد لديها شكلها المتحدي الخاص في المقاومة الوطنية. أشعل الفقر الاقتصادي ما بعد الحرب فتيل الاحتجاجات العلنية ضد حكامها الشيوعيين البولونيين وأسيادهم المكروهين في روسيا، وكانت انتفاضات عام 1956 أكبر تعبير علني عن هذه المقاومة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاضرابات والمظاهرات في عام 1970. ورغم ذلك، فإن القمع المدعوم من الدبابات السوفياتية كان ينجح، كما كان في سائر دول الكتلة السوفياتية.
ثم حدث تغيير دراماتيكي. في عام 1978، تمّ انتخاب الكاردينال كارول ووجتيلا من كراكاوف بابا للكنيسة الكاثوليكية. بابا بولوني! حدث غير مسبوق في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وإشارة أخرى ربما بأن التاريخ وصل إلى مرحلة مفاجئة من الانفتاح. البابا يوحنا بولس الثاني، المجرد من أي قوة عسكرية، حشد بصورة فورية تقريباً آمالاً جديدة لدى مواطنيه. شدد على الملايين العديدة من الناس الذين شاهدوه وصلّوا معه، عند أول زيارة بابوية له إلى بولونيا، عام 1979، بالقول "كونوا شجعاناً". أصبح هذا البابا السلطة المعنوية النهائية في بلاده: شخصية ساحرة، شخص إنساني بعمق، وفي نفس الوقت تعززه هالة وأبهة الكنيسة (قمتُ بزيارة بولونيا بعد شهر واحد من رحلته إليها وكان تأثيره ملموساً جداً). أراد أن يُحرّر أوروبا الشرقية من الحكم الشيوعي الملحد الذي يقتل الروح. أما الشكوك القوية حول المجتمع الليبرالي الغربي التي تكونت لديه فإنها أصبحت أكثر وضوحاً في فترة لاحقة.
كانت كافة الدول التابعة للسوفيات، وبالفعل حتى الاتحاد السوفياتي نفسه، تعاني من الحرمان الاقتصادي والتخلف. وكثيراً ما كان التذمر الاقتصادي السبب الذي يشعل الاحتجاجات من جانب الشعوب التي كانت تتلمس طريقها نحو بناء مجتمع مدني. حصلت إضرابات ولكن لم ينذر أي إضراب منها بالخطر أكثر من الإضراب الذي حصل في أحواض السفن لينين في غدانسك الذي بدأ في 14 آب/أغسطس 1980. استدعى زعيم الإضراب، ليش فالينسا، عضو الاتحاد النقابي من وارسو، مع آخرين ممن أيدوا الإضراب، مفكرين هما، برونيسلاف جيريمك وتادويس مازوويكي. برز من لجنة الإضراب ما بين المصانع، والتي قادت حركة الإضراب إلى نهايته في أيلول/سبتمبر، نوع من الحركة السياسية الوطنية، أي حركة "التضامن" (سوليدار نوز)، وقامت بتحدي ما أصبح الآن نظاماً متزعزعاً. انطلاقاً من ذلك الوقت، عمّت حركة "التضامن" البلاد: أول اتحاد عمالي حر في دولة شيوعية يحكم للمرة الأولى في تاريخ بولونيا ليس على أساس العاطفة الرومانسية المتهورة، بل من خلال التصرف السياسي الحكيم والرفض المطلق للعنف. مثّل العمال والمثقفون المنضمون إلى حركة التضامن الآمال الديمقراطية الاشتراكية القديمة ولبضع سنوات سيطرت هذه الآمال لفترة قصيرة وبالسر. كانت حركة التضامن هي المجتمع المدني في الواقع، حيث ضمت ملايين الأعضاء وشكلت تهديداً لوجود النظام السوفياتي بحد ذاته. في 13 كانون الأول/ديسمبر 1981، فرض رئيس الدولة البولونية الجنرال ووجيش جاروزلكسي الأحكام العرفية في البلاد وسجن زعماء حركة التضامن على أمل القضاء على الخطر. لكن البؤس الاقتصادي المستمر والإرادة غير المنكسرة للجماهير أجبرت في النهاية الحزب الشيوعي على تقديم تنازلات، جرى التفاوض بشأنها حول طاولة مستديرة ابتداءً من شباط/فبراير 1989. وأصبح شكل هذه الطاولة بالذات رمزاً للمفاوضات السلمية التي أدت، ابتداءً من بولونيا، إلى تنازل الأحزاب الشيوعية عن سيطرتها. نتج عن أول انتخابات شبه حرة جرت في بولونيا تعيين مازويسكي أول رئيس وزراء غير شيوعي في دولة شيوعية. مما لا شك فيه أن البابا البولوني كان حاضراً بصورة غير مرئية في هذه التغييرات التاريخية.
ومع ذلك، لم يكن الوجود الحاسم قد برز بعد. في عام 1985، وبعد سنوات من تعاقب الزعماء السوفيات المسنين، تمّ انتخاب ميخائيل غورباتشيف، الأصغر سناً بين جميع الزعماء الشيوعيين الآخرين، والذي يختلف راديكالياً عنهم، أميناً عاماً للحزب الشيوعي. ترعرع غورباتشيف في أحضان النظام السوفياتي وتدرج عبر مسالكه، وامتلك معرفة حميمة لعيوبه المُشلّة. جاء إلى السلطة حاملاً أفكاراً جديدة راديكالية مدركاً الحاجة الماسة للاتحاد السوفياتي لإجراء الإصلاحات في المجال الاقتصادي (بيريسترويكا) والمجال المدني (غلاسنوست). تخيل أن روسيا الشيوعية بعد إصلاحها سوف تأخذ مكانها في ما أسماه "البيت المشترك لأوروبا". شكلت سياسته هذه بوضوح انفصالاً عن العقيدة الشيوعية حول الحرب التي لا يمكن تجنبها بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي. أدرك غورباتشيف قوة الولايات المتحدة وعرف أن الرئيس رونالد ريغان (1981-1989) ندد "بإمبراطورية الشر" وبدأ تنفيذ مبادرة الدفاع الاستراتيجي السيئة الحظ، كما كان قد سمع المطالبة المتحدية لريغان: "دمروا هذا الجدار". يعود إلى هذين الرجلين الفضل في كونهما توصلا إلى اتفاقات مهمة تتعلق بنزع السلاح في عام 1986 وعام 1987، لأنهما كانا يخافان من محرقة نووية. كما أن غورباتشيف استدعى في عام 1986 عالم الفيزياء الفلكية العظيم ومناصر الحقوق المدنية من منفاه الداخلي في غوركي، في خطوة اعتبرت اعترافاً مدوياً بالتزامه بالحقوق المدنية. وبعد انقضاء سنتين سحب القوات السوفياتية من أفغانستان وخفّض العنصر العسكري في السياسة السوفياتية. منذ البداية تخلى ضمنياً، ومن ثم صراحة، عن مبدأ برجينيف بالتدخل السوفياتي في الدول التابعة عندما يتهدد وجود الحزب الشيوعي فيها. والأمر الذي فتح الطريق إلى عام 1989، كان أمل غورباتشيف بأن تستطيع الدول التابعة أن تجد طريقها الخاص إلى شيوعية يكون قد تم إصلاحها، وتكون متحررة من الوعد أو التهديد بالدبابات الشيوعية. في نهاية المطاف، فشل غورباتشيف كإصلاحي داخل بلاده، ولكنه جعل من الممكن تحرير الدول التابعة للاتحاد السوفياتي من قيود التبعية.
الاضطرابات في الكتلة السوفياتية، والتي أصبحت واضحة في حركة التضامن، ظهرت في كل مكان آخر أيضاً، وحتى في جمهورية ألمانيا الشرقية التي استمرت قيادتها المتشددة في خشيتها من أية ميول تحررية (إلى درجة وضع رقابة صحفية على خطابات غورباتشيف). توسعت بسرعة الاعتصامات الصامتة من أجل السلام، التي بدأت في خريف عام 1989 في كنائس ألمانيا الشرقية، وتحولت بسرعة إلى مسيرات احتجاج سلمية في عدد من المدن الكبيرة. في 9 تشرين الأول/أكتوبر، سار حوالي 70 ألف مواطن في لايبزيغ سلمياً حاملين لافتات تقول "نحن الشعب" ويطالبون بإصلاحات ديمقراطية، وقد قاموا بهذه المسيرة وهم مدركين بأن النظام كان قد حشد الجيوش وأعطى كميات إضافية من الدم إلى المستشفي?ت المحلية، وكانوا يعرفون، كما يعرف المتظاهرون في أي مكان، أن الأنظمة الشيوعية لا تزال تملك وسائل لتصفية الاحتجاجات. وكما كان ذلك واضحاً في مجزرة ساحة تيانانمين في بايجين قبل بضعة أشهر فقط.
لكن كانت رغبة الناس في الحرية معدية ولم يعد ممكناً قمعها بعد ذلك. في حزيران/يونيو، فتحت الحدود فعلياً بين المجر والنمسا، وهذا عنى أنه أصبح بإمكان الألمان الشرقيين، الذين كانوا يستطيعون بسهولة السفر إلى دولة المجر الشيوعية والصديقة، من الوصول إلى ألمانيا الغربية عبر النمسا بدون الحاجة إلى القفز فوق جدار برلين. لجأ ألمان شرقيون آخرون إلى سفارات ألمانيا الغربية في براغ وبودابست مصممين على البقاء في أرض السفارة إلى أن يتم تأمين وسائل دخولهم إلى ألمانيا الغربية. كان الألمان الشرقيون، يعرضون أنفسهم للخطر الواضح، ويسيرون في المظاهرات، إما في الخارج أو حتى بدرجة أكثر أثراً في شوارع وطنهم. في 9 تشرين الثاني/نوفمبر، أشار فتح جدار برلين إلى أول انتصار سلمي وناجح في النهاية للثورة الألمانية، انتصاراً ربما لم يُحتفل به بما يكفي من جانب الأشقاء في ألمانيا الغربية.
بحلول نهاية العام 1989، كان قد تم تحرير الدول التابعة للاتحاد السوفياتي. وحصل بالفعل ما كان مجرد عدد قليل من الناس يعتقدون أنه ممكن الحصول، وهو إمكانية قلب نظام حكم السوفيات بصورة سلمية. سوف ينهمك المؤرخون طويلاً في مناظرات حول كافة الأمور التي ساهمت في هذا التحرير وكيف حدث، ولكن كان من الواضح أن سلسلة من العمليات المتسلسلة غير المتوقعة هي التي أحدثت التحرير: أجد مغرياً التفكير بأنها كانت مؤامرة صامتة من الطيبة البشرية. كانت أحداث برلين رمزاً وواقعاً حقيقياً لانتصار المثل العليا الغربية، وبالتالي كذلك لانتصار المثل العليا الأميركية أيضاً.
لقد ألمحت فقط إلى وجود اتصالات سرية لا زال يتوجب استكشافها. بعد مرور مئتي عام على الثورة الفرنسية العظيمة حاولت ثورة جديدة، مختلفة كلياً، تكوين أوروبا جديدة، ولمرة واحدة، بفضل الدهاء السخي للتاريخ، ظهر القادة المناسبون والمواطنون الشجعان الفطناء في وقت متزامن. ربما لم يكن هناك أبداً، قبل ذلك أو بعده، أن تشبّع الهواء بمثل هذا الأمل الكبير، وربما كان هذا الأمر جيداً لدرجة أنه لم يكن له أن يدوم. ولأسباب عديدة، كالعودة إلى القومية العنيفة، تحول الواقع بسرعة كبيرة في بعض الأماكن إلى شيء بشع ودموي مجدداً. لكن تحققت سابقة، سابقة ناجحة أكدت "قوة الذين لا قوة لهم". إنني أشك في أن شرارات تلك الأيام قد انطفأت إلى الأبد: هل يرى المرء أنه في ظروف مختلفة جذرياً، ولأسباب مختلفة جذرياً، أن ملايين الإيرانيين في شوارع طهران، الذين يطالبون بحياة مختلفة أفضل، يتبعون تلك السابقة؟