03 ايلول/سبتمبر 2009
بقلم مايكل جاي فريمان
أُقيم جدار برلين، الذي كان رمزا لمدينة مقسمة داخل دولة مقسمة ضمن قارة مقسمة، على أسس الانقسامات التاريخية التي تعود إلى عقود خلت. وبصورة أقرب، لم يكن بالإمكان هزيمة ألمانيا النازية إلا بالقوة الموحدة لدول عديدة، بقيادة الأنجلو أميركيين الرأسماليين الديمقراطيين والسوفيات الشيوعيين. وبالطبع، فقد أثار تحريرهم المشترك لأوروبا التي كانت تحتلها دول المحور سابقاً السؤال التالي: أي نظام سوف يسود، وأين؟
غير أن عجز المنتصرين عن الاتفاق على جواب عن هذا السؤال قد عكس أيضا وجود انقسامات تاريخية حقيقية. الاتحاد السوفياتي كان يَعتبر نفسه طليعة الثورة العمالية العالمية، وكان "ينتظر"، بحسب كلمات لينين، "قدوم فصائل أخرى من الثورة الاشتراكية في العالم لنصرتنا." أما الحكومات الغربية بدورها فقد فهمت أن التحركات الشيوعية في دولها سوف تجعلها تابعة لموسكو، وأنه بدلاً من مجرد "الانتظار" يعمل الزعماء السوفيات بثبات وفي الخفاء على تسريع اندلاع هذه الثورة. وتذكر البريطانيون والأميركيون (سوية مع مواطني بولندا وفنلندا ولاتفيا والعديد غيرهم) أن الحرب العالمية الثانية بدأت بصفقة بين حاكمين دكتاتوريين، هما هتلر وستالين، اللذين قسما بولندا بين ألمانيا وروسيا السوفياتية. ولم توحِّد الدول الديموقراطية والسلطات الشيوعية الرئيسية قواتها إلاّ بعد إطلاق عملية برباروسا، أي غزو الجيش الألماني الاتحاد السوفياتي في حزيران/يونيو 1941، وإعلان هتلر الحرب على الولايات المتحدة إثر الهجوم الياباني على بيرل هاربور.
لم تنته الحرب العالمية الثانية بتوقيع معاهدة سلام قاطعة. وبدلاً من ذلك، وهو أمر أبسط بكثير، قامت في نهاية المطاف القوى التي كانت قواتها المسلحة تحرر أي دولة من سيطرة النازيين بتحديد الشكل السياسي اللاحق لتلك الدولة واصطفافها الجغرافي والسياسي. وهكذا برزت أوروبا الغربية حرة، ديمقراطية ومتحالفة بوجه عام مع الولايات المتحدة، بينما خضعت دول أوروبا الشرقية إلى أنظمة حكم شيوعية مقبولة من موسكو، كما كانت سياساتها الخارجية والعسكرية خاضعة "لإملاءات" السوفيات.
شكلت ألمانيا حالة خاصة، وشكلت برلين حالة خاصة إلى حد أكبر. كان من المقدّر أن يَهزم كل واحد من الجيوش السوفياتية والأميركية والبريطانية الجيش الألماني في جزء من ألمانيا. وفي مؤتمر يالطا الذي عقد في 4-11 شباط/فبراير 1945، وافقت الدول "الثلاث الكبرى" على وجوب تقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق احتلال، حيث شكلت فرنسا الدولة الرابعة المحتلة. تقع برلين عاصمة ألمانيا والمدينة الرئيسية فيها على بعد 110 أميال داخل منطقة الاحتلال السوفياتي. وفي مؤتمر بوتسدام (17 تموز/يوليو -2 آب/أغسطس 1945) وافق الحلفاء على تقسيم مماثل لبرلين إلى أربعة قطاعات.
وحتى في ذلك الوقت، كان المفهوم ان السيطرة على القوى العاملة الألمانية والموارد الصناعية قد يجعل ميزان القوة يميل بصورة كبيرة في فترة ما بعد الحرب. كانت ألمانيا قد غزت روسيا مرتين خلال 40 سنة ولذلك كان السوفيات مصممين على سيطرة الشيوعيين على ألمانيا ما بعد الحرب أو أن تبقى تلك الدولة ضعيفة، ومحايدة ومنزوعة السلاح على الدوام. استنتج الحلفاء الغربيون بسرعة انه ما لم تكن ألمانيا ودول أخرى في أوروبا ديمقراطية ومزدهرة فإن القوة السوفياتية قد تتوسع عبر باقي القارة. ساهمت المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة في ظل خطة مارشال، والتي بلغت كلفتها أكثر من 13 بليون دولار، في تأمين هذا الازدهار. لكن الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية الدائرة في فلكه رفضت المساعدات المقدمة بموجب خطة مارشال. وفي هذه الأثناء، بدأ الجيش الأحمر الموجود في منطقة الاحتلال السوفياتي بتفكيك المصانع والمنشآت الصناعية الألمانية الأخرى ونقلها إلى روسيا للتعويض عن الأضرار الهائلة التي ألحقها الجيش الألماني بالاتحاد السوفياتي.
وفي وقت لاحق، في العام 1962، قال الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، "كل مرة كنت أرغب فيها بجعل الغرب يصرخ، كنت أضغط على برلين". نظر أسلافه أيضاً إلى برلين الغربية، ذلك الإقليم الغربي المكشوف بدرجة خطيرة القائم داخل الكتلة السوفياتية الناشئة، كمكان يستطيعون ممارسة ضغطهم فيه. في حزيران/يونيو 1948، بعد ان فشل الحلفاء الغربيون والسوفيات في الاتفاق على مسألة إعادة تأهيل ألمانيا اقتصادياً، فرض الجيش الأحمر الحصار على برلين الغربية. ورداً على ذلك، أقام البريطانيون والأميركيون جسراً جوياً شحنوا من خلاله حوالي 13 ألف طن من الطعام يومياً إلى برلين. واستمروا في ذلك إلى أن رفع ستالين الحصار في أيار/مايو 1949. وبعد بضعة أيام، أُعلن عن قيام جمهورية ألمانيا الفدرالية (ألمانيا الغربية) في مناطق احتلال الدول الغربية. وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام، تأسست جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) في منطقة الاحتلال السوفياتي.
خلال السنوات الاثنتي عشرة التالية، سُنحت لسكان برلين فرصة لم تسنح سوى لعدد قليل من الأوروبيين في فترة الحرب الباردة، وهي فرصة التصويت بأقدامهم. بين أيلول/سبتمبر 1949 وآب/أغسطس 1961 عبر حوالي 2.7 مليون ألماني شرقي، وغالبيتهم من الشباب والمثقفين، إلى برلين الغربية ومن هناك توجهوا جواً إلى الجمهورية الفدرالية. وفي منافسة أيديولوجية تتضمن الادعاءات حول أي نظام يستطيع أن يلبي بشكل افضل الاحتياجات المادية كما الطموحات الأخرى لمواطنيه، فإن هذه الهجرة الجماعية (بالفعل، خسرت جمهورية ألمانيا الديمقراطية عدداً من سكانها خلال هذه الفترة) مثلت إدانة قوية للنظام الشيوعي، كما فعل ذلك أيضاً قمع الثورة العمالية في ألمانيا الشرقية عام 1953، والانتفاضة المجرية عام 1956، والثورة التشيكوسلوفاكية عام 1968، والمظاهرات البولندية في الأعوام 1956 و1970 و1981.
في آب/أغسطس 1961، بدأت جمهورية ألمانيا الديمقراطية ببناء جدار برلين. كان هذا الجدار في بداية الأمر مكوناً من أسلاك شائكة ولكنه ما لبث أن توسع ليصبح شبكة من الجدران الخرسانية بعلو خمسة أمتار وبطول 165 كيلومتراً تعلوها الأسلاك الشائكة، وتحرسها منصات المدافع، وأبراج مراقبة، والألغام الأرضية. خشي فيلي براندت، الذي كان وقتذاك رئيس بلدية برلين، من أن يحول الجدار مدينته إلى "معسكر اعتقال" وحذر الرئيس الأميركي جون إف كينيدي من احتمال انهيار معنويات سكان برلين الغربية. كان كينيدي متعاطفاً مع مخاوف براندت ولكنه أصّر بأن "الجدار أفضل بمرات ومرات من الحرب". لكن كينيدي سافر إلى برلين الغربية حيث ألقى هناك خطاباً مؤثراً في حزيران/يونيو 1963 مشدداً أمام حشد لا يقل عن ربع مليون من سكان برلين (خُمس العدد الإجمالي لسكان المدينة) تجمعوا لسماع خطابه ذلك اليوم حيث قال: "إنني أحد مواطني برلين".
من وجهة نظر معينة، أمّن جدار برلين استقرار أوروبا. انتهت الأزمات الدولية الدورية حول المدينة. وكما علّق الأديب الفرنسي فرانسوا مورياك بسخرية: "أحب ألمانيا لدرجة اني سعيد لوجود اثنتين منها."
لكن الكتلة الشيوعية لم تكن مستقرة كما كانت تبدو. واصل سكان برلين الشرقية سعيهم للحصول على الحرية في الغرب. وكما لاحظ المؤرخ ديفيد رينولدز: "استمر الهاربون في المجيء، يقفزون من النوافذ، يقطعون الأسلاك الشائكة ويحفرون أنفاقاً تحت الجدار وحتى يجتازونه بالبالونات." قتل حوالي 200 شخص وهم يحاولون اجتياز الجدار. كما كان النظام الشيوعي نفسه داخل الكتلة السوفياتية يفشل، وتخلّفت دول أوروبا الشرقية أكثر عن نظيراتها في أوروبا الغربية، وكانت تعرف ذلك. أثبتت الابتكارات التكنولوجية الجديدة انها تتلاءم أكثر مع الأنماط الغربية من الاستقلالية الذاتية ومبدأ المبادرات الاقتصادية الخاصة. بحلول العام 1989 ازدادت التناقضات داخل الكتلة السوفياتية وارتفعت إلى أعلى من جدار برلين نفسه، وهو الوصف الذي كان قد يطلقه جيل أبكر من الشيوعيين.
يروي هذا الكتاب كيف ومتى انهار ذلك الجدار. ومن بين الأصوات التي يتضمنها هذا الكتاب هنا، أصوات باحثين بارزين، ومنشق في وقت كان الانشقاق يتطلب شجاعة حقيقية، وصحافي كان هناك عند تحطم الجدران التي امتدت عبر أوروبا الشرقية. نقدم هذا الكتاب بفخر، آملين ان الذين يتمتعون بالحرية في يومنا هذا سيعتزون بامتلاكه دائماً، وان الذين لم يتمتعوا بذلك حتى الآن سيستلهمون العبر من الأحداث التي جرت في الماضي الذي لا يبعد عن يومنا هذا سوى 20 عاماً.
مايكل جاي فريدمان
مايكل جاي فريدمان هو رئيس قسم المطبوعات في مكتب الإعلام الخارجي. يحمل شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي والدبلوماسي.