18 أيار/مايو 2009

يعتبر جيفري كندا من الناس المحظوظين: فهو صبي أفريقي أميركي نشأ في حي رهيب من أحياء مدينة نيويورك واستطاع الهروب من عنفها، وفقرها، ومدارسها المتردية لينال شهادة ماجستير في حقل التعليم من جامعة هارفارد. ولكن كندا هذا لم ينسَ جذوره. فذهب فور تخرجه للعمل في حي هارلم في نيويورك كمعلم ومدافع عن الأطفال.
لم يحقق كندا النجاح لنفسه فحسب، بل أيضاً أصبح يساعد الآن مئات الأطفال الآخرين الفقراء، والأكثر تعرضاً للمخاطر الذين يعيشون في الأحياء الداخلية الفقيرة. ولكنه، رغم ذلك، قرر أن ما يفعله غير كافٍ.
يَصف برنامج للإذاعة العامة في شيكاغو، بعنوان "هذه الحياة الأميركية"، كيف أدرك كندا، بحلول الثمانينات من القرن الماضي، أن مجرد إنقاذ بضعة أطفال لن يكون كافياً لوضع حد للفقر المتوارث عبر الأجيال في هارلم أو في أي مكان آخر، بل ان على منظمته أن تقوم بمحاولة إنقاذ كل طفل تقريباً.
قال كندا: "من أجل صنع فَرق حقيقي، يتوجب علينا أن نُفكر على مستوى كبير. علينا أن نعمل مع أطفال يعدون بالآلاف، وقد تصل أعدادهم إلى عشرات الآلاف. وعلينا أن نعمل مع هؤلاء الأطفال منذ ولادتهم وحتى تخرّجهم من الجامعة."
كانت رؤياه غير مسبوقة ومُكلفة. لكن كندا، الرجل الانفعالي الجذاب البالغ من العمر 58 عاماً، يقوم بتطبيق هذه الرؤيا بنجاح عبر منظمة منطقة أطفال هارلم (HCZ) التي تؤمّن لأكثر من عشرة آلاف طفل خدمات تعليمية شاملة وطبية واجتماعية في حي هارلم الأوسط بميزانية سنوية تقدر بحوالي 40 مليون دولار للعام 2009.
إنجازات كندا تجتذب اهتماماً واسعاً من القيادات بصفتها نموذجا لكيفية كسر القبضة الحديدية للفقر من خلال الالتزام المطلق بالأطفال ورفاهيتهم، وهو التزام تم اختصاره في عنوان كتاب جديد حول عمل كندا "مهما تطلب الأمر"، من تأليف بول توف، المُحرر في المجلة الأسبوعية لصحيفة نيويورك تايمز. كان من بين هؤلاء القادة باراك أوباما الذي امتدح في حملته الرئاسية للعام 2008 منظمة منطقة أطفال هارلم، ووصفها بأنها "جهد شامل مباشر لمحاربة الفقر، تنقذ فعلياً جيلاً من الأطفال في حي لم يكن يُتوقع أبداً ان يحصلوا فيه على أي فرصة."
تأثّر المراقبون ليس برؤيا كندا وحسب، بل وأيضاً بالنتائج التي حققها. ففي السنة الماضية، نجح بنسبة 100 بالمئة تقريباً كافة طلاب الصف الثالث الذين جرى اختبارهم وحصلوا على علامات مساوية أو أعلى من مستوى صفهم في امتحانات الولاية، وهي نتيجة لا مثيل لها لمدرسة في الأحياء الداخلية لمدينة نيويورك.
أحد العناصر التي يشدد عليها كندا هو توجيههم نحو اللغة باكراً، وذلك بناءً على أبحاث تُظهر ان الفرق الأساسي بين العائلات الفقيرة والعائلات المهنية لا يقوم على العرق أو الدخل، كما يقول المؤلف توف، بل على "مجرّد عدد الكلمات التي يستعملها معك أهلك عندما تكون طفلاً."
وجد الباحثون انه في عائلات الطبقة المتوسطة، يسمع الصغار منذ الولادة حتى سن ثلاث سنوات، أي فترة النمو الأقصى للدماغ، ما يقرب من 20 مليون كلمة (وتكون مُتكررة في أحيان كثيرة) أكثر مما يسمعه الصغار الفقراء. وبكلمات أخرى، فإن شيئاً بسيطاً كالقراءة لطفل كل ليلة، وهو أمر تحثّ منظمة منطقة أطفال هارلم الأهالي على القيام به، يمكنه توليد نتائج هائلة إيجابية في حياة الطفل.
لكن القراءة لا تُشكِّل سوى مقاربة واحدة ثورية رئيسية لكندا، التي يُسميها "الحزام الناقل"، بمعنى أن منظمة منطقة أطفال هارلم لا تتدخل فقط في حياة الأطفال في أوقات مُعيّنة، بل توفر مدى كاملا من الخدمات، وكلها مجانية، "من المهد إلى الجامعة". يبدأ عمل الحزام الناقل بكلية الأطفال المشهورة لمنظمة منطقة أطفال هارلم للنساء الحوامل والأمهات الجديدات. يلي هذه الكلية برنامج "هارلم جمز" (جواهر هارلم) للحضانة، ومدارس "بروميس أكاديمي" (أكاديمية الوعد) المرخصة، والتي يتم دعمها إضافياً برعاية طبية وخدمة طب أسنان مجانية، وبرامج ما بعد المدرسة، وخدمات خاصة مثل برامج اللياقة البدنية لمحاربة البدانة، ومعالجة الربو المستشري منذ الطفولة. ومن ثم، مع نمو الجيل الأول هذا، تبقى منظمة منطقة أطفال هارلم تساعدهم عبر المدارس الثانوية والجامعات.
قال كندا، في برنامج المجلة التلفزيونية "60 دقيقة"، "إنهم يحصلون على ما يحصل عليه صغار الطبقة المتوسطة العليا. يحصلون على السلامة. يحصلون على الهيكلية. يحصلون على الإثراء الأكاديمي. يحصلون على النشاط الثقافي. يحصلون على راشدين يحبونهم وعلى استعداد لأن يفعلوا أي شيء، واعني بذلك اني مُستعد لعمل أي شيء لإبقاء هؤلاء الصغار على المسار الصحيح."
____________________
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.