10 حزيران/يونيو 2009

بقلم جاك دونللي
جاك دونللي، أستاذ كرسي أندرو ميللون في كلية جوزف كوربل للدراسات الدولية، بجامعة دنفر. وهو مؤلف لثلاثة كتب وأكثر من 60 مقالة وفصلا في كتب حول نظرية وممارسة حقوق الإنسان، بما في ذلك كتابه، حقوق الإنسان العالمية في النظرية والممارسة، الطبعة الثانية (2003). كما يُعرف دونللي أكثر بعمله حول مفهوم حقوق الإنسان، النسبية الثقافية، التنمية وحقوق الإنسان، أنظمة حقوق الإنسان الدولية، وحقوق الإنسان والسياسة الخارجية. وقد ألقى محاضرات ودرّس على نطاق واسع في الأميركتين، وأوروبا، وآسيا، وترجمت أعماله إلى عشر لغات.
تحتفل هذه المجلة الإلكترونية بالذكرى الستين لولادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد نادى إعلان فيينا وبرنامج العمل للمؤتمر العالمي لحقوق الإنسان للعام 1993 بتشديد واضح على أنه "لا مجال للتشكيك بالطبيعة العالمية لهذه الحقوق والحريات". وعلى الرغم من ذلك، فما الذي يعنيه بالضبط القول إن حقوق الإنسان هي "عالمية"؟
لقد تمّ التصديق على المعاهدات الدولية الرئيسية الست (حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحقوق المدنية والسياسية، والتمييز العنصري، والتمييز ضد المرأة، والتعذيب، وحقوق الطفل) وبذلك وافقت أكثر من 85 بالمئة من دول العالم طوعاً على أنها ملتزمة بها. لكن ممارستها الفعلية كانت أقل من جدية في كثير من الأحيان. ومهما يكن من أمر، فإن جميع دول العالم تقريباً تعترف لمواطنيها بواجب احترام حقوق الإنسان، وذلك بغض النظر عن الكثير من الأحيان التي تخضع فيها لإغراءات العمل بما يخالف ذلك.
هناك أيضاً إجماع قوي متداخل يتعدى الحدود الثقافية حول حقوق الإنسان. فقد ساعد غاندي في تحويل القيم الهندوسية لتصبح داعمة لحقوق الإنسان، مغيراً بذلك التشديد التقليدي على نظام الطبقات الاجتماعية كمصدر للاختلاف الطبقي غير الممكن ردمه بين المجموعات البشرية. كما أن هناك علماء وناشطين مسلمين من أطياف سياسية متعددة يفسرون منذ عقود عديدة حقوق الإنسان المعترف بها دولياً على أنها تعبير معاصر للقيم الاجتماعية والسياسية التي دعا إليها القرآن الكريم. أمّا العلماء في الصين وكوريا فقد بدأوا يستكشفون أسس الفلسفة الكونفوشية لإيجاد ما يناصر فيها حقوق الإنسان المعترف بها دولياً. والفلسفات الغربية التي كانت في السابق مناهضة لحقوق الإنسان، مثل مذهب النفعية، أصبحت تُفسّر الآن بصورة عامة على أنها مساندة لحقوق الإنسان. فالاشتراكيون، وليس أقل منهم الليبراليون، والملحدون، والمسيحيون، واليهود، والبوذيون والذين ينتمون إلى معتقدات متعددة جداً، كما الكثير ممن ينطلقون من قناعات أخرى مختلفة جداً، أصبحوا يتلاقون على تأييد الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. أمّا أولئك القلة الذين لا يزالون يرفضون الحقوق الإنسانية العالمية المتساوية الثابتة، مثل العنصريين والأصوليين الدينيين في جميع أرجاء العالم، فقد أصبح ينظر إليهم عالمياً باحتقار من جانب غالبية أقرانهم من المواطنين.
لماذا حقوق الإنسان عالمية
تستند حقوق الإنسان إلى الالتزام بالمساواة والاستقلالية الذاتية التي تتيح، بل وتشجع على، اتباع مسارات مختلفة باتجاه تحقيق الحقوق الإنسانية العالمية. وتماماً كما كانت جميع الطرق في عالم البحر المتوسط كانت تؤدي إلى روما ذات يوم، فإن كل ثقافة رئيسية في عالمنا المزداد عولمة اليوم أصبحت تجد نفسها متجهة نحو الإعلان العالمي. فحقوق الإنسان أصبحت عالمية في وقتنا الحاضر لأن الناس في كل مكان تقريباً عندما يُمنحون فرصة الاختيار الحر، فإنهم يختارون ويستمرون في اختيار حقوق الإنسان.
هذه الخيارات ليست عرضية أو مجرد محاولة اللحاق بما هو رائج، ولا هي في جذورها مجرد تعبير عن سلطة مسيطرة. بل إن حقوق الإنسان المعترف بها دولياً أثبتت في الممارسة على أنها افضل آلية ابتكرتها العبقرية الإنسانية لحماية الناس من تهديدات معينة لكرامتهم فرضتها عليهم الأسواق الحديثة والدول الحديثة. فحقوق الإنسان، أي الرأى بأن الأفراد، لمجرد كونهم من بني البشر، يملكون حقوقاً متساوية ثابتة، بل وحتى يمكن العمل بموجبها ضد الدولة والمجتمع، هذه الحقوق ظهرت لأول مرة في الغرب الحديث عندما بدأ الأفراد، والعائلات، والمجتمعات يعانون من العذاب بسبب تدخلات الحكومات البيروقراطية التي كانت تتزايد سلطتها، وبسبب التشوهات والإهانات التي أحدثتها الأسواق غير المنظمة. كما أن جوهر قائمة الحقوق الإنسانية لدينا قد تشكلت أيضاً بدرجة أساسية نتيجة المواجهات التاريخية مع الدول والأسواق. فمع انتشار الدول المستقلة عبر الكرة الأرضية، ولا سيما بعد القضاء على الاستعمار، ومع توسع الأسواق العالمية وتمددها العميق، بدأ الناس في مناطق أخرى يدركون قيام تهديدات مشابهة لمصالحهم وكرامتهم. فاختاروا بصورة مماثلة الحمايات التي تؤمنها حقوق الإنسان.
وكما حدث في الغرب، فقد تمت أيضاً تجربة مبادئ أخرى لأنظمة الحكم، وعلى وجه الخصوص الأنظمة الدكتاتورية الملتزمة ظاهرياً بالتنمية القومية السريعة. لكن هذه البدائل فشلت بمجملها تقريباً وكثيراً ما كانت تولد نتائج مأساوية وحتى فظيعة لسلامة وحقوق وكرامة المواطنين العاديين. أمّا التبني المعاصر العالمي المتزايد لحقوق الإنسان فإنه يعكس الفشل الظاهر للبدائل الرئيسية لحماية الناس ضد التهديدات العالمية لحقوقهم. وهكذا، وإلى ان نجد آليات افضل لحكم أنفسنا سياسياً ولتوزيع ثمار السوق بإنصاف، فلسوف تبقى هناك ضرورة عالمية للتمسك بحقوق الإنسان.
إلا أن عالمية حقوق الإنسان المعترف بها دولياً لا تمتد لتبلغ حد التنفيذ وفرض التطبيق. فالقانون الدولي يضع نظاماً قومياً لتطبيق حقوق الإنسان الدولية. صحيح أن عدة دول سيدة مستقلة سمحت باستعمال نظام واسع للرصد الدولي، الرسمي منها وغير الرسمي، ولكنها احتفظت لأنفسها بحق السيادة في تطبيق حقوق الإنسان كما ترى ذلك مناسباً إلى حدٍ كبير (التدخل الإنساني المسلح ضد الإبادة العرقية هو الاستثناء الهش الوحيد الذي يثبت القاعدة). وإن كنا نملك حقوقاً إنسانية عالمية لمجرّد كوننا من بني البشر، لكننا نتمتع بهذه الحقوق إلى حدٍ كبير لأننا مواطنون أو مقيمون في دول معينة. وهكذا، فإن المصير العملي لحقوق الإنسان يبقى شأناً نسبياً إلى حدٍ بعيد، ومرتبطاً بالمكان الذي يكون من حظ أو من سµء حظ الإنسان انه يعيش فيه.

التنفيذ: إرشادات وتفاصيل
يحدد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أيضاً نسبية محدودة للتنفيذ لكنها أساسية. فعلى سبيل المثال، تنص المادة الثالثة على: "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه". تحتاج هذه الإرشادات العريضة إلى تفسير كما إلى تنفيذ، وتسمح بحيز واسع من التنوع الثقافي والإقليمي والمحلي. حقوق الإنسان العالمية ليست وصفة طعام ولا هي معادلة رياضية. بل أنها تحدد مجموعة من الوجهات وتشير إلى الاتجاهات التي تقود إليها، لكنها تترك تفاصيل الرحلة إلى حد كبير للنقاش المحلي والنزاع السياسي، وذلك على الرغم من ضرورة التأكيد بأن هذه النقاشات القومية تحصل ضمن الحدود التي يضعها الإجماع الدولي كما هي ممثلة بالمجموعة الجوهرية من القانون الدولي لحقوق الإنسان.
فما هو إذاً شأن الحجج المألوفة التي تقول، على سبيل المثال، إن "القيم الآسيوية"، أو "القيم الأفريقية"، أو "القيم الإسلامية" مختلفة؟ فعلى مدى ما يزيد عن 25 سنة من الكتابة والتدريس وإلقاء المحاضرات لم أجد الكثير مما يساند مثل هذه الادعاءات على المستوى العمومي للإعلان العالمي. وعندما تبرز مسألة الثقافة، كما يحدث ذلك بصورة دائمة عندما ألقي محاضرة أو أدرّس في الخارج، فإنني أسأل الحاضرين أية أربعة حقوق وردت في الإعلان العالمي ترفضها ثقافتهم. لكني لم أجد أبداً أي مستمع قدم اعتراضات جدية على اكثر من أجزاء من مواد ثلاث.
فعلى سبيل المثال، تعارض ثقافات تقليدية عديدة بدرجات متفاوتة نص المادة 16 التي تنص على أن للرجل والمرأة "حقوقا متساوية عند الزواج وأثناء الزواج وعند انحلاله". لكن ما هذا إلاّ نص ثانوي للمادة التي تبدأ بالقول: "للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج ... الحق في الزواج وتأسيس أسرة." لا يوجد في الإعلان حق آخر مصادق عليه أكثر عالمية. وحتى عندما توجد مثل هذه الاختلافات المحدودة فإنها تبقى نادرة.
يقدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الكثير من المجال للاختلافات الشديدة حول التفاصيل. فمثلاً، هل تحصل الصور الإباحية الجنسية على حماية حرية الكلمة؟ وهل أن عقوبة الإعدام تنتهك حق الحياة؟ وما هو المعنى المقصود بالضبط، وعند أي مستوى معين من التنمية الاقتصادية، في الطلب الوارد في المادة 25 التي تنص على أن "لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته"؟ الواقع أنه لا توجد اختلافات حقيقية جديرة بالذكر حول أسس الإعلان. فمن هو الذي يعتقد فعلاً ان ثقافته تسمح لحكومته بتعذيبه، أو بفرض دين عليه، او بترك أطفاله يموتون بسبب الجوع أو بسبب سوء العناية الصحية؟ أنا، شخصياً على الأقل، لم ألتق بعد بأناس كهؤلاء. علينا عدم الخلط بين ما يُجبر الناس المضطهدين على تحمله قسرياً وبين ما يقيّمونه ويطمحون إليه. فعلى الرغم من أن العديد من الناس يجبرون على قبول مجموعة واسعة من انتهاكات حقوق الإنسان المعترف بها دولياً فان عدداً قليلاً فقط يعتبرها عادلة أو صحيحة أو تحظى بالتقدير.
حتى وعندما يكون الذين يلجأون إلى مبررات الاختلافات الثقافية الجذرية من أصحاب النيات الحسنة (غير تلك المحاولات غير الموثوق بها من جانب النخب الحاكمة لتبرير سيطرتها)، فإن مثل هذه الحجج تتجاهل مرونة الثقافات البشرية التي تكون دائماً متعددة الأصوات، ومحفوفة بالاختلافات، ومتطورة باستمرار. لنأخذ الغرب مثلاً، حيث ظهرت أولى التعابير ذات التأثير التاريخي عن حقوق الإنسان في أواسط وأواخر القرن السابع عشر. كانت الدول الغربية منخرطة طوال الجزء الأكبر من القرن الذي سبق ذلك في حروب دينية، داخلياً ودولياً، تاركة دماراً هائلاً وراءها. كما دمرت رحلات الاستكشاف التي قامت بها الدول الغربية السكان الأصليين في الأميركتين، ووضعت الأسس لاستغلال آسيا وأفريقيا التي تتوجت بالعمليات الوحشية التي مارسها الاستعمار في القرن التاسع عشر. أمّا في الداخل، فقد حرم الحق الإلهى للملوك الأغلبية العظمى من "اتباع" (وليس مواطني) هؤلاء الملوك حتى من اقل قدر من الكرامة. وطوال قرون عقب ذلك، حرمت الدول الغربية النساء، والاقليات العرقية والإثنية والدينية، والفقراء من أقل الحقوق الأساسية. فلو نظر أي كان إلى الغرب في منتصف القرن السابع عشر لوجد ان الأسس الثقافية لحقوق الإنسان كانت تبدو غير مرحب بها على الإطلاق. إلاّ أن الغرب قد تحوّل الآن إلى عالم مكون من دول تحمي الحقوق وتنعم بالرفاهية والديمقراطية والليبرالية.
إذا كان من الممكن تحويل قارة أوروبا العنصرية، التي كانت تميز الرجل عن المرأة، غير المتسامحة دينياً، الاستعمارية، والخاضعة لسيطرة الطبقة الأرستقراطية التي تبعها حكم طبقي وحشي إلى هذا الحد، فلن يصعب علينا تصوّر أن أي مجتمع آخر سوف تنقصه الموارد الثقافية الداخلية التي تمكنه من تغيير ذاته بصورة مشابهة. كما لا لزوم لأن تمتد فترة مثل هذا التحول على مدى أجيال او قرون. فلم يحصل كل ذلك التحوّل الإنساني سوى في القرن الماضي في معظم أنحاء أوروبا، وبصورة رئيسية بعد الحرب العالمية الثانية، وفي دول عديدة منها في وقت احدث من ذلك بكثير. وهكذا يجب أن لا نندهش عندما نشاهد تقدماً ملحوظاً في كافة مناطق العالم، وأحياناً تقدماً دراماتيكياً، وحتى مذهلاً، باتجاه قيام حكومات ومجتمعات إنسانية تحمي الحقوق الإنسانية. كما ليس من العجب أن تحصل تلك التغيرات على تأييد متزايد من جانب معظم الفلسفات، والأديان، والتقاليد الثقافية الرئيسية في العالم.
إلى ما هو أبعد من الاختلافات
تتميز الثقافات بمرونة هائلة. ورغم أن القيم الجوهرية تميل إلى الاستمرار لفترات زمنية طويلة، فإن هذه القيم، كما يصورها المثال الغربي، يمكن أن ترتبط بسهولة مدهشة بممارسات اجتماعية مختلفة جذرياً: العنصرية استُبدلت بالمساواة، وتقرير المصير حل محل الاستعمار.
وبالفعل، فقد شاركت كل ثقافة خلال الجزء الأكبر من ماضيها في ممارسات قد نعتبرها في يومنا الحاضر انتهاكات منهجية فظيعة لحقوق الإنسان. ولكن، كما ان هذا الأمر لم يمنع الأوروبيين من الاستجابة لظروف جديدة وممارسات جديدة لحقوق الإنسان، فقد استجابت في العقود الحديثة دول آسيوية كاليابان وكوريا الجنوبية والهند وإندونيسيا، ودول أفريقية بما في ذلك جنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا، ومعظم دول أميركا اللاتينية إلى التحديات التي واجهتها من خلال تأييدها للحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي.
لا شيء من هذا يعني خسارة للثقافة المحلية، أكثر مما فقده الغرب من ثقافته وهو يتحول تدريجياً من منتهك رئيسي إلى مثال نموذجي رئيسي ومناصر لحقوق الإنسان. فلن يُعتبر أي شعب انه اقل إخلاصاً لتراثه الثقافي لانه التزم باحترام حقوق الإنسان. ولن يكون الكنديون اليوم كنديين أقل لأنهم يمارسون حقوق الإنسان، كما لن يكون المكسيكيون مكسيكيين أقل، بل بالعكس، فإنهم يعتبرون أنفسهم اكثر إخلاصاً لأعمق قيمهم لانهم تعلموا وكافحوا للتعبير عن تلك القيم عبر ممارسة حقوق الإنسان.
هناك بالفعل تغيرات واسعة تحدث عبر العالم المعاصر، في الثقافة، التنمية الاقتصادية، الأنظمة السياسية، والتجربة التاريخية. لكن الدرس المستخلص من السنوات الستين الماضية هو ان هذه الاختلافات مهما كانت تعنيه في الماضي، لا ترتبط بشكل وثيق بمعارضة حقوق الإنسان المعترف بها دولياً. بالأحرى، وكما رأينا ذلك في دولة تلو الدولة، في أميركا اللاتينية، أفريقيا، آسيا، وأوروبا كذلك، فعندما نقدم للناس فرصة للاختيار بعد معاناة دامت لعقود أو لقرون من الحكم السيئ الظالم، فإنهم سيختارون بصورة شاملة تقريباً حقوق الإنسان، وينظرون إلى ذلك الخيار بمثابة تعبير عن اعمق قيمهم المحلية.
الآراء المُعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.