14 تموز/يوليو 2009
استمد نظام هيئة المحلفين الأميركي من الممارسة البريطانية التي كانت تهدف إلى حماية المواطنين من استبداد الملك. تطور هذا النظام عبر مئات من السنين مع حدوث تغييرات في المجتمع واستطاع أن يظل قائماً، ولا زال يمثل قيداً لسلطة الحكومة. فرد غراهام هو مذيع البرامج في محطة التلفزيون TruTV، التي كانت تسمى في السابق Court TV، وكان مراسل المحاكم الأول لمحطة سي بي إس نيوز (CBS News) من عام 1972 إلى عام 1987. يُنشر هذا المقال في عدد تموز/يوليو 2009 من المجلة الإلكترونية إي جورنال يو أس آيه، وهي بعنوان "تشريح محاكمة أمام هيئة محلفين."
بقلم فرد غراهام
في شتاء عام 2009، أعطي السجناء في سجن رومية في لبنان إذناً لعرض مسرحية. اختاروا نسخة عربية للمسرحية التلفزيونية الأميركية "12 رجلا غاضبا"، التي حولت فيما بعد إلى فيلم سينمائي عام 1975، حول المحلفين الذين ناقشو بحدة قضية قتل متعمد ووجدوا في نهاية الأمر أن المدعى عليه غير مذنب.
حققت المسرحية التي عرضها السجناء نجاحاً ساحقاً، رغم أن لبنان، مثله مثل معظم الدول الأخرى، لا يتبع نظام المحاكمة أمام هيئة محلفين. وكان جميع المشاهدين السجناء قد سجنوا بدون الاستفادة من نوع المداولات التي تُشكِّل أساس المحاكمة أمام هيئة محلفين. وفي الواقع، فإن نسبة 90 بالمئة من المحاكمات أمام هيئات المحلفين في العالم تجري في الولايات المتحدة حيث تزدهر هذه الممارسة.
ما الذي يجعل النظام الأميركي لهيئات المحلفين جذاباً بهذا القدر لعامة الناس؟ لماذا يزدهر في الولايات المتحدة وبالكاد يمارس في أمكنة أخرى؟ هل يحمل النظام الأميركي بذور نهايته كما حصل في دول أخرى استعملت أسلوب هيئة المحلفين بصورة واسعة ثم استبدلته بأسلوب اتخاذ القرارات من جانب القضاة؟
تكمن الأجوبة على ذلك في الجذور التاريخية للنظام الأميركي لهيئة المحلفين والقدرة اللافتة لهذا النظام على التكيّف مع التغييرات القانونية والمجتمعية التي تبدو، بخلاف ذلك، إنها تهدد حيوية المحاكمة أمام هيئة محلفين.
وُرث النظام الأميركي لهيئة المحلفين من إنجلترا في العصور الوسطى حيث كان يتم استدعاء مجموعة من "12 رجلا حرا يتعب القانون" في كل مجتمع أهلي لمساعدة الملك في إحلال العدل. استندت هيئات المحلفين هذه لقرون عديدة في قراراتها إلى ما كانت تعرفه بالفعل عن المخالفات المحلية. ولكن، بعد أن ازداد العدد الإجمالي للسكان في إنجلترا لم يعد باستطاعة هؤلاء المحلفين الاعتماد عادة على الكلام العام الذي يتردد في الجوار فبدأوا يستندون بصورة متزايدة في قراراتهم إلى الأدلة التي يسمعونها في المحكمة. وبعد استيعاب النظام القانوني الأميركي للطراز البريطاني أصبح المحلفون الأميركيون يُنصحون بإهمال أي شيء قد يعرفونه حول القضية وأن يقرروا الوقائع فقط استناداً إلى الأدلة المقدمة في المحكمة.
اعتبر البريطانيون المحاكمات أمام هيئات المحلفين كمتراس فعلي ضد التصرفات التعسفية للملك، ولكن كانت هناك أيضاً ذريعة أكبر للاحتفاظ بنظام المحاكمة أمام هيئة محلفين. احتوى القانون الإنجليزي عقوبات قاسية كان من ضمنها عقوبة الإعدام لجرائم ثانوية نسبياً. لكن هيئات المحلفين البريطانية ساهمت في تخفيف تأثير ذلك من خلال تبرئة المدعى عليهم أو بالحكم عليهم بأحكام أقل قسوة.
مقاومة الظلم
لم يطرح القانون الأميركي هذه المشكلة ولكن كان لدى المستوطنين الأميركيين في القرن الثامن عشر سببهم الخاص للاحتفاظ بنظام المحاكمة أمام هيئة محلفين، أي أنهم استخدموا هذا النظام كدرع بوجه ما اعتبروه محاكمات ظالمة من جانب البريطانيين. كان الحكام البريطانيون يدينون تكراراً الأميركيين الذين يقومون بشحن السلع بصورة غير قانونية على متن سفن غير بريطانية، ولكن هيئات المحلفين المحلية كانت تبرئ المتهمين. عندما مَثَل الناشر الأميركي البارز جون بيتر زنجر أمام المحكمة لانتقاده حاكما عيّنه الملك البريطاني، وجدت هيئة محلفين في نيويورك هذا الناشر غير مذنب وأوجدت بذلك سابقة مبكرة لحرية الصحافة. وكذلك بينما كان الأميركيون يتحركون باتجاه الثورة، لم يكن من المدهش الملاحظة أنه في إعلان الاستقلال نددوا بالملك البريطاني "لأنه حرمنا في قضايا عديدة من فوائد المحاكمة أمام هيئة محلفين."
وعندما تبنّت الدولة الجديدة ميثاق الحقوق الخاص بها عام 1791، نص الميثاق على أنه "في كافة المحاكمات الجنائية، سوف يتمتع المتهم بحق محاكمة سريعة وعامة من قبل هيئة محلفين غير منحازة." كما نص الميثاق أيضاً على وجوب الاحتفاظ بنظام المحاكمات أمام هيئات محلفين في القضايا المدنية.
فسرت المحكمة الأميركية العليا خلال السنوات التي مضت هذه الضمانات بطرق عدلت فيها مفهوم هيئة المحلفين بحيث يلبي الظروف المتغيرة. في حين كانت الخدمة في هيئة محلفين محصورة في السابق بالرجال البيض من أصحاب الممتلكات، توسع حق الخدمة في هيئة محلفين بصورة تدريجية ليشمل الأقليات والنساء. أكدت المحكمة العليا أن الحق في المحاكمة أمام هيئة محلفين لا يمتد إلى قضايا ثانوية، وأن أيا من المدعى عليهم يحق له التنازل عن حق المحاكمة أمام هيئة محلفين وأن يفضل المحاكمة أمام قاضٍ منفرد. كانت كافة هيئات المحلفين مكونة بالأصل من 12 عضواً وكان المطلوب منهم أن يصدروا قراراتهم بالإجماع. ولكن المحكمة العليا أدخلت مرونة أكبر إلى النظام من خلال التأكيد على احتمال تكوين هيئات المحلفين من ستة أعضاء وأنه ليس من الضروري صدور كافة الأحكام بإجماع عام. أما تقليدياً فقد كان على المدعى عليهم الفقراء أن يواجهوا المدعين العامين بمفردهم أمام هيئة محلفين، ولكن المحكمة العليا شددت بأن على الحكومة أن تؤمن محامين للدفاع عن هؤلاء الفقراء مجاناً.
إلى مدى معين، يبدو أن الحق في المحاكمة أمام هيئة محلفين هو حق اقتحامي أكثر مما هو في الواقع، لأنه في الممارسة العملية لا تطالب الغالبية العظمى من المدعى عليهم بحقهم في محاكمة أمام هيئة محلفين. فهم يدركون أنهم في حال توجهوا إلى المحاكمة أمام هيئة محلفين وتبيّن أنهم مذنبون، فإن سوء سلوكهم يكون قد ظهر جلياً جراء الشهادات التي تقال في المحكمة ولذلك يميل القاضي إلى إصدار حكم بعقوبة أشد. لذلك فإنهم يدخلون في صفقة إقرار بالذنب مع المدعي العام، يوافقون فيها على أنهم مذنبون في جريمة أقل عنفاً مقابل صدور حكم مخفف عليهم. ويوافق الادعاء العام في أحيان كثيرة على صفقات الإقرار بالذنب لأنها تغنيه عن المشاكل، والنفقات، وحالات عدم التأكد من نتيجة المثول أمام المحكمة. في الكثير من السلطات القضائية يتم حل تسع من كل عشر دعاوى بهذه الطريقة وبدون محاكمة أمام هيئة محلفين.
ينتقد في أحيان كثيرة مراقبو النظام القانوني الأميركي الاعتماد الشديد على صفقات الإقرار بالذنب. لكن ذلك يعكس الحقيقة التي تبيّن أنه في حين يتوجب نظرياً أن تتوفر للادعاء العام وللدفاع نفس فرصة الفوز أمام هيئة محلفين فإن الادعاء العام يملك في الواقع الكثير من الأفضليات. المدعى عليه يملك الحق في الحصول على محامي دفاع قانوني ولكن في أحيان متكررة يكون المحامي هو محامي دفاع عام ولا يملك الخبرة وغارقاً في العمل وميالاً لتسوية المسألة بصفقة إقرار الذنب بدلاً من الدفاع عن القضية أمام هيئة محلفين. علاوة على ذلك، تتوفر لدى الادعاء العام نموذجياً أموال أكثر مما تتوفر لدى محامي الدفاع للإنفاق على التحقيقات في القضية، وتحليل الأدلة، واستبعاد محلفين محتملين. ونتيجة ذلك تحصل درجة من الريبة لدى المدعى عليهم تجاه الحق في محاكمة أمام هيئة محلفين والتي تبدو أحياناً لهم على أنها توفر وعوداً أكثر مما تحقق من العدالة.
وفي الواقع، يشير العلماء، والقضاة وغيرهم من المراقبين لنظام المحاكمة أمام هيئة محلفين إلى سلسلة من المشاكل التي تطرحها التطورات الحديثة ولم يكن الآباء المؤسسون ليتصورون وجودها عندما احتفظوا بحق المحاكمة أمام هيئة محلفين في ميثاق الحقوق.
تأثير العرق
أحد أكثر هذه المشاكل إثارة للشك هو التأثير الذي تتركه مسألة العرق عند انتقاء أعضاء هيئة المحلفين. تقليدياً، وخلال انتقاء أعضاء هيئة المحلفين، كان الجانبان يمنحان الحق في إلغاء عدد معين من المحلفين المحتملين من لائحة المحلفين بدون إعطاء أي سبب. في السنوات الأخيرة، استعمل بعض المدعين العامين حقهم في إلغاء الأسماء (التي تسمى "تحديات قطعية") لإزالة كافة الأميركيين الأفريقيين من لائحة المحلفين الذين اعتقد المدعون العامون أنهم يميلون إلى محاباة المدعى عليهم في محاكمات جنائية. نددت المحكمة العليا بهذه الممارسة وحكمت بأن على المدعين العامين أن يقدموا أسباباً مبررة لإلغاء السود من قوائم هيئات المحلفين. لكن كان من الصعب تطبيق هذه القاعدة لأن المدعين العامين أصبحوا ماهرين في إعطاء أسباب غير أسباب العرق لإلغاء محلفين محتملين من السود. وكانت النتيجة ظهور امتعاض لدى بعض المدعَى عليهم السود ومحاميهم تجاه نظام اعتقدوا بأنه يحرم المدعَى عليهم من المحاكمة أمام هيئة محلفين من نظرائهم.
ومشكلة أخرى لم يتمكن الآباء المؤسسون للولايات المتحدة من توقعها على الإطلاق وهي تأثير المدعى عليهم المشهورين على نظام المحاكمة أمام هيئة محلفين. أوجدت شعبية التلفزيون والأفلام السينمائية في الولايات المتحدة ثقافة مشاهير ينظر عبرها لبعض الناس من الأثرياء والمشاهير على أنهم جديرون بالاحترام أكثر من أفراد الناس العاديين. يمكن أن تولد هذه النظرة نتيجة غريبة عندما تقف شخصية مشهورة أمام المحكمة ويكون هناك معجبون بها أعضاء في هيئة المحلفين.
نموذج كلاسيكي لهذه المسألة كانت محاكمة الفنان الراحل مايكل جاكسون التي جرت عام 2005 في كاليفورنيا عن تهمة تحرش جنسي بطفل. خلال عملية انتقاء أعضاء هيئة المحلفين أصبح من الواضح أنه رغم أن الخدمة في هيئة المحلفين في المحاكمة الطويلة قد تكون مرهقة، حاول العديد من المحلفين المحتملين جهدهم للدخول في عضوية هيئة المحلفين. جاء مشاهدون من حول العالم لرؤية جاكسون وهو يحاكم وأصيب بعض المحلفين بوهج النجومية فتصرفوا بطرق غريبة. ولكي يسجل نقطة، أدخل أحد المحلفين خلسة إلى غرفة المحلفين شريطاً مصوراً عن تحقيق تلفزيوني حول المحاكمة. بعد أن برأت هيئة المحلفين بالإجماع جاكسون من كافة التهم الموجهة إليه ظهر محلفان على شاشة التلفزيون وأعلنا أنه في الواقع كان مذنباً وأنهما ينويان تأليف كتاب حول القضية.
تأليف الكتب من جانب المحلفين يمثل مشكلة متواصلة في قضايا محاكمة المشاهير. فبالنسبة لمحلفين عديدين، فإن صفقة كتاب تمثل أفضل فرصة في حياتهم لجمع كمية كبيرة من المال، وقد لا يمكن مقاومة هذا الإغراء. بعد المحاكمة المثيرة عام 1995 لنجم كرة القدم السابق والممثل السينمائي أو جي سيمسون، جرت تبرئته بصورة مثيرة للجدل من تهمة قتل زوجته السابقة وصديقها. وقد تذمر قاضي المحكمة من أن كل محلف شارك في تلك الهيئة شارك أيضا في شكل معين من مشروع لكتاب جديد عن تلك القضية. يوافق المراقبون القانونيون أن المحلفين يملكون حرية التعبير التي ضمنها التعديل الأول للدستور التي تمنحهم حق الكتابة حول القضية التي خدموا فيها، ولكن يعتقد معظم النقاد أنه من الممكن أن تترك هذه الممارسة تأثيراً سيئاً على نظام هيئة المحلفين.
تطرح المناطق المدينية من أميركا مشاكل أخرى لنظام هيئة المحلفين لم يكن بمقدور الآباء المؤسسين التكهن بها. التغطية الإعلامية للقضايا الجديرة بنشر أخبارها أصبحت شائعة بحيث إن عملية انتقاء هيئة محلفين لا غبار عليها قد تستغرق عدة أسابيع وأحياناً أشهر. وقد نشأت مهنة استشارية جديدة متخصصة في انتقاء هيئات المحلفين تستخدم أساليب فنية متطورة لاختيار المحلفين وتستطيع أن تساعد محامي المحاكمات في الحصول على محلفين منحازين بالكامل لصالحهم. المحاكمات أمام هيئات المحلفين في قضايا شهيرة تكون في أحيان كثيرة معقدة لدرجة أن المدعى عليهم الذين يتمكنون من تحمل نفقات تعيين فِرَق قانونية مكلفة تتوفر لهم الأفضلية، وبذلك تغذي الشعور العام بأن النظام يُحابي الأثرياء.
رغم هذه المشاكل، فإن نظام هيئة المحلفين لا زال يقف على أرض صلبة في الولايات المتحدة. يملك المحلفون السلطة الرهيبة التي تملكها الدولة في معاقبة أو عدم معاقبة المواطنين. وبهذا المعنى، فإن هيئات المحلفين تتمتع بحق يفوق حق دور الدولة في السيادة، وهذا ما يجعلها موضع افتتان في العالم أجمع.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.